رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: نور الدين عيد 27 يونيو، 2019 0 تعليق

التوازن في البلاغ والبناء

على أهل العلم والدعاة القدر الأكبر في البناء، كما أن لهم الأجر الأعظم يوم الحصاد، فدلالتهم ملاط الحمال، وأعمدة الجدران، وحصيرة البنيان، فأمانتهم أوثق، وحملهم أثقل، وإليك البيان: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب:72)، واذكر ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال:27)، فعملكم عمل مِن شرف قبلكم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب:45-46).

أولاً: التوازن في البلاغ

     فمما تجدر الإشارة إليه أولًا التوازن الداخلي عند الداعية: فختم الرسالة بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - له سمات ودلائل، منها كمال شرعته وتتميمها لما سبقها، قال -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (المائدة:48-49).

     وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» (متفق عليه).

     قال ابن الجوزي: «اعلم أن بدء الشرائع كان على التخفيف، فلا يعرف في شرع نوح وهود وصالح وإبراهيم تثقيل، ثم جاء موسى بالتشديد والإثقال، وجاء عيسى بنحوٍ مِن ذلك، وجاءت شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - تنسخ تشديد أهل الكتاب، ولا تطلق في تسهيل مَن كان قبلهم، فهي على غايةٍ مِن الاعتدال مع ما تحوي مِن محاسن الآداب، وتلقيح العقول وتعليم الفطنة، وتدل على استنباط خفي المعاني، إلى غير ذلك مما لم يكن فيما تقدم» (كشف مشكل الصحيحين).

     فهذه سمة الرسالة الخاتمة، فلا ينبغي للداعية أن يحمل الناس على الشطط أو التساهل، بل أمانة البلاغ إما أن ينجو بها أو يصير أهلك الخلق بتحريفه لها، فلا الضغوط تسوغ له تحريف المنهج المستأمن عليه، ولا رفض الناس له سبب لترخيص التسيب لهم، بل يبلغ بحرص عليهم، ويذكر توقيعه عن شرعه، وبلاغه عن ربه ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، وليذكر توصيفه وموقعه، فلا هو الرب ولا المشرع، وإن تعدى أخذ بعظيم جريرته، قال الله متوعدًا: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}(الحاقة:44-46)، وقال الله رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة:67).

هل سمعت ما قيل؟! (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).

فإياك أن تظن أن أذى الناس مسوغ لعدم البلاغ الحق بلا تحريفٍ أو كتمانٍ {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، فوازن بيْن بلاغ الدين وعدم التفات قلبك لرضا الناس أو سخطهم.

- ثانيًا: التوازن في الطرح: ونعني به التحين للحال، فلا يكثر مِن وعظٍ تمل به القلوب، ولا يقلل منه حتى لا يعظ الناس وهو يراهم يقتحمون المهالك؛ فعن شقيق قال: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللهِ نَنْتَظِرُهُ، فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، فَقُلْنَا: أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» (متفق عليه).

     فهذا مع تمام دعوتهم وشدة حرصهم على دعوة الخلق للحق، يوازن في المادة المعروضة نفسها، وهذا التحين أثقل للقلب وأوعى له؛ تأمل دلالة قول الله -تعالى-: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (الفرقان:32).

قال ابن جُرَيج: «لنصحح به عزيمة قلبك ويقين نفسك، ونشجعك به».

     وروي معناه عن ابن عباس في وجهٍ مِن وجهي تفسير الآية، فأحوال الناس تختلف بيْن النشاط والكسل، والإقبال والإدبار، ولكل حال ما يناسبه مِن العرض أو الإحجام، فخشية السآمة لمَن استقام، أما عند موارد الهلاك فلا يسمَّى التذكير سآمة، ولا الإلحاح ضجرًا.

     قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ» (متفق عليه)، وعن ابن عباسٍ قال: سمِعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، أَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَجَهَنَّمَ، إِيَّاكُمْ وَالْحُدُودَ، إِيَّاكُمْ وَجَهَنَّمَ، إِيَّاكُمْ وَالْحُدُودَ، إِيَّاكُمْ وَجَهَنَّمَ، إِيَّاكُمْ وَالْحُدُودَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا أَنَا مِتُّ تَرَكْتُكُمْ وَأَنَا فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَ أَفْلَحَ» (رواه البزار، وحسنه الألباني لغيره).

     فهذا إلحاح وتكرار عند مورد الهلاك؛ فلا يجوز مع انتشار الفحش واستمراء الباطل أن يكف الدعاة عن النصح، وبيان سبل مواجهته، والتحذير مِن عواقبه، وأقله أثرًا: الإعذار لنفسه، فضلًا عن كونه لبنة تغيير وإصلاح، فكم مِن غارق ينتظر واعظه، وكم مِن جانٍ متعد ردعته آية ووعيد، حتى أصلحت شأنه بعد فساده، واستعملته بعد عصيانه، وهذا مثل لا يحصى عدده، في إسلام فئام مِن خيار الخلق، بسبب هذا العرض والبلاغ، كما في قصة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكما في توبة الفضيل بن عياض.

     فلا تتكاسل عن البلاغ بدعوى الملل والسآمة، في وسط المنابر الإلحادية والمذاهب الهدامة؛ فهذا نوع هدم بطريق السلب، وتولٍ في يوم زحف، حري أن يُستبدل صاحبه، وأن يستعمل غيره، كما في الحديث: «إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، وَكَادَ أَنْ يُبْطِئَ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ، وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، فَإِمَّا أَنْ تُبَلِّغَهُنَّ، وَإِمَّا أَنْ أُبَلِّغَهُنَّ. فَقَالَ: يَا أَخِي، إِنِّي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أُعَذَّبَ أَوْ يُخْسَفَ بِي، فَجَمَعَ يَحْيَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَقُعِدَ عَلَى الشُّرَفِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ... » (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، فالبلاغ وظيفة النبوة، ومَن ورث العلم بعدهم، فقم على وظيفتهم قبْل أن يُحال بينك وبيْن تركتهم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك