رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 9 أبريل، 2019 0 تعليق

حماية الفتاة من مخاطر الإعلام

لا شيء يثير قلق الوالدين مثل رؤية الأبناء وهم يقعون تحت مؤثرات تربوية ضارة، تعاكس أهداف التربية الإسلامية الراشدة؛ وتحيد الأبناء عن جادة الطريق، وهم مكتوفو الأيدي لا يملكون من أمرهم شيئاً، !. لا جرم أن لسان حال الكثير من الآباء والأمهات ينطق بذلك اليوم، ولعل وسائل الإعلام الحديثة بتقدمها التقني الفائق وجاذبيتها مع فساد المضمون الذي تقدمه غالبًا باتت من أكثر ما يُخشى أثره على أبنائنا وبناتنا، وتزداد مخاوفنا على الفتاة؛ لأنها غداً ستكون الزوجة والأم التي تشكل بأفكارها وسلوكياتها الجيل القادم من أبناء المسلمين، فإلى هذه السطور نتعرف معاً كيف نواجه خطر الإعلام على بناتنا.

مرحلة الطفولة

     بداية الخطر من الإهمال في مرحلة الطفولة: إنّ بداية التأثير السلبي لوسائل الإعلام يكون نتيجةً لإهمال الطفلة في مرحلة الطفولة؛ فتركها أمام التلفاز باستمرار لعدد من الساعات ودون رقابة أو توجيه ليس له اسم سوى الإهمال، وهذا الإهمال بدوره يؤدي إلى أن تسيطر على ذهنها الكثير من الأفكار والتصورات والقيم المخالفة لعقيدة الإسلام وأخلاقه، فقد تعيش في خيالات الأفلام، وتستحوذ على عقلها صور الممثلين والعابثين، فتنشأ الطفلة وقد تبنت نماذج تحتذيها في السلوك والمظهر لا تمثل بأي حال القدوة الصالحة التي ينبغي أن تقلدها وتسير على نهجها.

     وقد يعزّز الوالدان من حيث لا يشعران هذا التعلق عندما تقوم الطفلة بمحاكاة إحدى الممثلات، أو تقلد صوت مطربة فيستحسنا ذلك التصرف منها ويشجعانها لظرفها وطرافتها، فيغرسان في قلبها محبة الاقتداء بهؤلاء! ليس ذلك فقط بل حتى عندما يشتريان لها لعبة معينة أو ملابس مما اشتهرت به هذه الفئة أو تلك؛ فإنه يداخلها شعور بمحبة موافقتهم في الظاهر؛ مما يورث -ولابد- موافقةً في الباطن.

كيف تؤثر وسائل الإعلام على فئة الشباب؟

     لقد أقر الباحثون والمنظّرون لوسائل الإعلام بما لها من تأثير وسيطرة على الجماهير المختلفة وخصوصاً فئة الشباب، فهي تحدد الأولويات وترسم الأجندات، وهي البوابة التي من خلالها يتواصل الشباب مع العالم الخارجي، ويسمع أخباره ويشاهد إبداعاته، والقائمون عليها يمارسون دور حارس البوابة حيث يمررون ما يريدون ويمنعون ما يريدون.

- وسائل الإعلام ترسم من خلال ما تقدمه نمط الحياة الافتراضي، إما بتنظيمٍ مخطط أو بجهل أخرق، وذلك من خلال الإيقاع السريع والموسيقى الصاخبة وعرض الموضات في الملابس وتسريحات الشعر.

- تقوم وسائل الإعلام بتغيير الثوابت الخلقية في المجتمع من خلال الإيحاءات الجسدية وحركة اليدين والجسد وإبراز مفاتن الفتيات، ولعل الأبرز هو أسلوب الحديث بألفاظ نابية وشتم ولعن تجده يتكرر عشرات المرات في ألوان الدراما المختلفة من الأفلام والمسلسلات.

- كما تقدم وسائل الإعلام رسائل مختلفة سواء عبر نشرات الأخبار أم البرامج المختلفة أم حتى من خلال الدراما، وتقوم بتسويق وتمرير عشرات المفاهيم والصور غير الصحيحة، والتي للأسف يتشربها أبناؤنا دون تفكير أو مقاومة وكأنها من المسلمات المقطوع بصحتها.

- تغريب العادات والتقاليد:من أهم صور تأثير الإعلام الفاسد طمس هوية المجتمعات المسلمة، خصوصاً لدى فئة الشباب والفتيات؛ حيث تقدم وسائل الإعلام عادات الأكل والشرب بطريقة منافية للمفاهيم الإسلامية الصحيحة فهذا يأكل بشماله وذاك يتناول طعامه ماشياً مع ما يصاحبه من ترويج للأكلات الضارة، في حين تغلف العادات السيئة والخطرة بغلاف من المتعة والمرح والحرية، فالدخان والمخدرات والخمور بأنواعها تظهر في أيدي الشباب والفتيات على أنها أمر طبيعي ودون أي تعقيب يجرمها أو يبين خطرها.

- استغلال شغف المراهقين بالتقليد:فلم تغفل وسائل الإعلام خاصية التقليد المغروسة في الشباب والفتيات، فراحت تقدم لهم النماذج الهابطة بعد أن تلمعها وتخلع عليها ألقاب البطولة، ولا يجب أن تستهين الأسرة بمحاكاة الفتاة لتلك النماذج أبداً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: «إنّ المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحسّ والتجربة»، (ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم، ص:198-199).

خصوصية تأثر الفتاة بالإعلام

     إنَّ إثارة هذه القضية من جهة علاقتها بالفتاة المسلمة يعطيها أهمية أخرى، لكون الفتاة في التصور الإسلامي تمثل رُكناً رئيساً في التربية الإنسانية، وتعد -مستقبلًا- المحضن الأول للجيل الناشيء، وقد استقر إجماع العقلاء على أهمية دور الأم في التربية، وعِظَم المسؤولية التربوية المُناطة بها، ومن ثم فقد كان ضرورياً ولازماً إعدادها إعداداً متكاملاً من جوانب شخصيتها كلها للقيام بمهام العملية التربوية، وقد أصبح من الضروري مقاومة التأثير السَّلبي لوسائل الإعلام -ولاسيما المرئية منها- على سلوك الشباب عامة، وسلوك الفتيات على وجه الخصوص؛ مما يتطلب -بالضرورة- إعادة النظر من جديد في تقويم هذه الوسائل الإعلامية في ضوء مفاهيم التربية الإسلامية، والسعي لمنع تأثيرها السلبي على شخصية الفتاة، وسلوكها الأخلاقي. (د.عدنان حسن باحارث: ملف التربية الأخلاقية للفتاة/موقع:د.عدنان باحارث على شبكة الانترنت).

كيف تقي الأسرة بناتها من التأثير الضار لوسائل الإعلام؟

     الاهتمام بالتربية الفكرية المبكرة: بمعنى تأسيس الأفكار الإسلامية الصحيحة في عقل الفتاة -منذ الصغر- ومعرفة الأفكار السقيمة المضادة لعقيدتنا، ومن ذلك التحدث مع أبنائنا عن التوجهات الفكرية والإعلامية الحقيقية، وبناء قدراتهم على التفكير النقدي والمشاهدة الانتقائية عندما يتعاملون مع وسائل الإعلام، مع الحرص على إظهار الاعتزاز بديننا وقيمنا دائماً أثناء حديثنا مع الأبناء.

- إبراز القدوات الصالحة عبر تاريخ أمتنا المشرق، ومن الواقع المعاصر، وحثّ الفتاة على أن تقتدي بهن، كأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحابيات العظيمات رضي الله عنهن، والصالحات من النساء والناجحات الجادّات في كل وقت وعصر.

- توجيه آراء الفتاة وأفكارها التوجيه الصحيح؛ بحيث تكون لديها المعايير التي تحكم بها على ما يعرض عليها في وسائل الإعلام المختلفة، ولاسيما أنها في مرحلة الصبا والمراهقة تكون متأججة المشاعر ناقصة الخبرة، وشديدة القابلية للتأثر بالآخر.

- توفير البدائل الجيدة النقية التي تقدم للفتاة الغذاء العلمي والمعرفي دون أن تكون ملوثة بالمفاسد، مثل الفيديو، وأجهزة الحاسوب، وما يمكن أن يحقق ثقافة إسلامية صحيحة، وترفيهاً بريئاً، بعيداً عن المفاسد ومظانِّ الفتنة.

- تفعيل دور الأسرة في ربط الفتاة بالبيت انتماء وعاطفةً حتى يكون هو مصدر التوجيه الموثوق لديها، وتنظر إليه بثقة واحترام، وتعتز بما تتعلمه من قيم داخل أسرتها.

الانفتاح الواعي

لا بأس بالانفتاح الواعي على العالم من حولنا، فلا شك أنَّ الانفتاح على العالم الخارجي شيء طيب ما دامت الأمة المسلمة تستطيع أن تحافظ على هويتها، وتحافظ على شخصيتها الإسلامية من الذوبان.

     وستبقى هذه المهمة الصعبة مسؤولية المربين والمربيات، أن ينشئوا جيلاً مثقفاً مواكباً لمتغيرات العصر، محافظاً في الوقت ذاته على هويته الإسلامية، شديد الاعتزاز بها، ولا يخفى أنّ أمتنا الإسلامية تسير اليوم في طريقها إلى استعادة مكانتها الطبيعية التي أنزلها الله -تعالى- بين الأمم، والأيام القادمة سوف يصنعها أبناؤنا وبناتنا، وسوف يصوغون أحداثها بقيمهم وإيمانهم العميق، ويستعيدون مكانتهم الرائدة بين الأمم.

وسيغيرون وجه الإعلام الفاسد إلى إعلام جديد يخدمون به دينهم، ويعلمون العالم من خلاله قيم الإسلام الرائعة الخالدة إلى يوم القيامة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك