الفهم الصحيح لحديث: «قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن»
إن حاجةَ العباد إلى توحيدِ الله -سبحانه- بأسمائه وصفاته أعظمُ من كلِّ حاجةٍ؛ فإنه لا سعادةَ لهم ولا فلاحَ ولا نعيمَ ولا سرور إلا بذلك، وأن يكونَ الله وحدَه هو غاية مطلوبهم، وإيثار التقرب إليه قرَّة عيونهم، ومتى فقدُوا ذلك كانوا أسوأَ حالًا من الأنعام في العاجل والآجل؛ لذا كان من أعظم العلوم وأشرفها العلم بالله -تعالى- وأسمائه وصفاته، وقد منَّ الله -تعالى- على عبادِه بأنه لم يجعل هذا الباب ملتبسًا مشتبهًا على عباده، بل بيَّنه الله -تعالى- وأوضحه رسوله صلى الله عليه وسلم أوضحَ بيان وأبلغه؛ إذ هو خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، وفي هذه المقالة مدارسةٌ لحديثٍ شريف في هذا الباب، وقطعٌ للشبهات المثارةِ حولَه.
نصّ الحديث
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ».
فهم السلف للحديث
يقول الإمام البغوي: الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله -عز وجل-، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله -سبحانه وتعالى- كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذا الحديث وما على شاكلته من الآيات والأحاديث هو الإيمان به مع التسليم والتفويض للكيفية، ولا يتجرَّأ فيُفسر شيء منها بالأهواء، يقول أبو محمد البربهاري: فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا، ولا تفسِّر شيئًا من هذه بهواك؛ فإن الإيمان بهذا واجبٌ؛ فمن فسَّر شيئًا من هذا بهواه أو رده فهو جهميّ.
حمل الخبر على ظاهره
وهم مع هذا يحمِلون الخبر على ظاهره، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل ولا تأويل؛ إعمالًا لقوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11)، يقول الإمام أبو أحمد الكَرَجي: لا يوصف الله -تعالى- إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ فهي صفة حقيقة، لا صفة مجاز مع نفي التشبيه؛ فلا نقول: إصبع كأصابعنا؛ يقول الإمام ابن قتيبة: ولا نقول: أصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه -عز وجل- لا يشبه شيئًا منا.
الاتفاقَ في التسميات
وهم يقرُّون بأن الاتفاقَ في التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمَّين بها؛ فنحن نثبتُ الوجود لله -تعالى-، لكن وجودُه ليس كوجود خلقِه، فكذا نثبت له صفةَ الأصابع كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يلزم من هذا أنها تشبه أصابع خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ودونك بعض النقولات عن الأئمَّة في هذا: صحَّ عن الأئمَّة الأعلام إثباتهم لصفة الأصابع لله -تعالى- على ظاهرها مع تفويض الكيفيَّة:
الإمام سفيان بن عيينة
يقول أحمد بن نصر: سألت سفيان بن عيينة وأنا في منزله بعد العتمة، فجعلت ألحُّ عليه في المسألة؛ فقال: دعني أتنفَّس، فقلتُ: كيف حديث عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحمل السماواتَ على أصبع، والأرضينَ على أصبع»، وحديث: «إن قلوبَ العبادِ بين أصبعين من أصابع الرحمن»؛ فقال سفيان: هي كما جاءت، نقرُّ بها، ونحدِّث بها، بلا كيف.
الإمام الشافعي
يقول يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به؛ فقال: لله -تبارك وتعالى- أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، وأنَّ له إصبعًا؛ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل-»؛ فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والرويَّة.
الإمام أحمد بن حنبل
يقول أبو يعلى: اعلم إنه غير ممتنع حملُ الخبر على ظاهره، وأن الإصبع صفةٌ ترجع إلى الذات، وأنه تجوز الإشارة فيها بيده، نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب: سئل أبو عبد الله عن حديث الحبر: « يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع»، يقول: إلا شارَ بيده هكذا، أي: يشير، فقال أبو عبد الله: رأيتُ يحيى يحدِّث بهذا الحديث ويضع إصبعًا إصبعًا، ووضع أبو عبد الله الإبهام على إصبعه الرابعة من أسفل إلى فوق على رأس كل إصبع؛ فقد نص على ذلك.
وأما وضع الإمام أحمد الإبهام على إصبعه الرابعة من أسفل إلى فوق على رأس كل إصبع؛ فإن الإمام أحمد لم يقصد بذلك التشبيه قطعًا، وليس في حمله على ذلك ما يغيِّر صفاته سبحانه، ولا يخرجها عما تستحقه من التقديس والتنزيه، هذا هو الصحيحُ الثابت عن الإمام أحمد، وفيه أبلغ الرد على المفوِّضة والمؤَوِّلة؛ فقد أثبت الإمام أحمد صفةَ الأصابع على ظاهِرها، من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ ولا تعطيلٍ.
حكايةُ التأويل
حكايةُ التأويل لهذا الحديث عن الإمام أحمد: حكى أبو حامد الغزاليُّ أنه سمع بعضَ الحنابلة يقول: إن الإمامَ أحمدَ حسَم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ؛ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : «قلب المؤمِن بين إصبعين من أصابع الرحمن».
الجواب عن هذه الحكاية
أن هذه الحكاية لا تصحُّ، ولم تنقل بإسنادٍ صحيح عن الإمام أحمد، وقد ردَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: فهذه الحكايةُ كذبٌ على أحمد، لم ينقُلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحدٌ من أصحابه نقلَ ذلك عنه، وهذا الحنبليُّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهولٌ لا يعرف، لا علمُه بما قال، ولا صِدقُه فيما قال.
شبهة وجوب صرف اللفظ عن ظاهره
زعم بعضُهم بأنَّ اللفظَ مؤَول قطعًا؛ وذلك أن كلَّ عاقل يعلم أنه ليس لله -تعالى- في كل صدر مؤمن أصبعان.
الجواب عن تلك الشبهة
قد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الشبهة؛ فقال: فإنه ليس في ظاهره أن القلب متَّصل بالأصابع، ولا مماسّ لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ ما يقتضي مباشرتَه ليديه، وإذا قيل: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} (البقرة: 164)، لم يقتض أن يكون مماسًّا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة.
لاتوجد تعليقات