الأصول العلمية الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع
أهل السنة وسط بين الفرق، كما أن أهل الإسلام وسط بين الملل، قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، وهذا لإصابتهم الحق الذي أراد، حتى استحال الخطأ في إجماعهم، لتمسكهم بالوحي في استدلالهم، وتقديمهم هذا الأصل على الأهواء التي صيّرها أهل البدع أصولاً يحاججون بها، بل يشتد البعد بهم لركوبهم الضلال والهوى، حتى جعلوا هواهم أصلاً فارقاً بين الحق والباطل والإيمان والكفر، فتوارث الانحراف بين أهل البدع ومن سبقهم من أهل الملل الباطلة ثابت، فمن لم يحذر سنن الهالكين أصابها وغرق بها، وليته أدرك غرقه وأبصر سحقه عن بر أمانه.
أصل أهل البدع: (الهوى)
قال الله -تعالى-: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وقال -سبحانه-:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}، وقال -تعالى-: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فجعل -سبحانه- الهوى مقابل الوحي، {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}، وقال الله: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، وأظهر صفة الهلكة: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، فهذه سمة المنافقين التي فاقوا بها من قبلهم من أهل الكفر، قال -تعالى-: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ}، قال ابن كثير: «فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح»، فهذه الآفة تنتقل بالمجاورة كما تنتقل بالمشافهة، فمن تعرض لمجالسهم أصابه أذاهم، حتى اشتد نكير السلف على مُجالسهم، وعظم النذير منهم في مخالطتهم، فنبذوهم نبذ الجربى، قال الثوري: «من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم»، علق الذهبي قائلاً: «أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة»، وقال الثوري: «من أصغى بإذنه إلى صاحب بدعة: خرج من عصمة الله، ووكل إليها -يعني: على البدع -»، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب»، وقال يونس بن عبيد:» ثلاثة احفظوهن عني: ...، ولا يمكن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء»، هذا نذر من نذيرهم لمن استمع فضلاً عن أن يقرأ ويلازم وينشر ويلمع، ويزين باطلهم ويتبنى ويسوّغ ضلالهم!.
أصل أهل السنة ( الوحي )
إن أصل الاستدلال عند أهل السنة ليس من مسائل الخلاف، فلا يسوغ الخلاف في مرجعية الوحي للاستدلال، وكل ماعداه مردود إليه قبولاً ورداً، وتصحيحاً وإبطالاً، عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه.
تقديم النص على الرأي
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «معلوم وجوب تقديم النص على الرأي، والشرع على الهوى؛ فالأصل الذي افترق فيه المؤمنون بالرسل والمخالفون لهم: تقديم نصوصهم على الآراء وشرعهم على الأهواء، وأصل الشر من تقديم الرأي على النص والهوى على الشرع؛ فمن نوّر الله قلبه فرأى ما في النص والشرع من الصلاح والخير، وإلا فعليه الانقياد لنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعه وليس له معارضته برأيه وهواه. كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري»؛ فبين أنه رسول الله، يفعل ما أمره به مرسله، لا يفعل من تلقاء نفسه وأخبر أنه يطيعه لا يعصيه» منهاج السنة (8/ 411)، وقال في (فصل في التمسك بالنص، وهو الكتاب والسنة ) (469): «اعلم أنه كان ينبغي تقديم النص على سائر الأدلة، كما هو الواجب، وكما هو عادة أهل العلم».
النص له معنيان
والنص له معنيان: أحدهما: القول الدال على معناه على وجه لا تردد فيه، وهو خلاف الظاهر والمجمل، والثاني: هو مطلق دلالة القول، سواء كانت قطعية أم ظنية، فيدخل فيه القاطع والظاهر، وهو مراد هؤلاء، وهو المشهور في ألسنة السلف»، فإذا كان عمل السلف في تقديم الكتاب والسنة على ما تفرع عليه من أدلة الشرع كالقياس والمصالح وسد الذرائع والعرف وغيرها، فكيف بأصل لم يأت ذكره في الشرع بل جعله سراباً يناطح به رسوخ الجبال الرواسي التي أرساها - صلى الله عليه وسلم -، لذلك تعجب من صنيع أناس قد جعلوا التزام الوحي ظاهرية حشوية، وتقليد الخلق فقهًا وملكة، بل وردوا مشكاة النور بحَيرة الخلق.
التماس الوحي
وما سار الأُول إلا على التماس الوحي والعمل به دون ما سواه، وقد أطبقت كلامتهم على التزامه والسعي في تحصيله، حتى قالوا: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وأنكروا جميعاً قولهم في مجابهة النص، ظاهرًا أو قاطعًا، فالعجب ممن أدخل أوهامًا يزاحم بها الكتاب والسنة، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}، وقد تواترت الأدلة بذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «الكتاب والسنة والإجماع وبإزائه لقوم آخرين، المنامات والإسرائيليات والحكايات، وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه، هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع، وأما ما لم تجئ به الرسل عن الله؛ أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به، ففيه الحق والباطل».
الحجة الواجبة
فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع للكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه وهي مبنية على أصلين:
- أحدهما: أن هذا جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم .
- والثاني: أن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجب اتباعه. وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق وقد دخل في بعض ذلك طوائف من المتكلمة والمتفلسفة والمتأمرة والمتصوفة إما بناء على نوع تقصير بالرسالة وإما بناء على نوع تفضل عليها وإما على عين إعراض عنها وإما على أنها لا تقبل إلا في شيء يتغير كالفروع مثلا دون الأصول العقلية أو السياسية أو غير ذلك من الأمور القادحة في الإيمان بالرسالة. مجموع الفتاوى (19/5،6)، فهذا منهجنا الذي فيه عزنا، ومشعلنا الذي به مجدنا، فمن استبدله استبدل وعملت فيه السنن، والله نسأل استعماله لا استبداله، والحمد لله رب العالمين.
لاتوجد تعليقات