رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: هناء الأيوب 23 يناير، 2019 0 تعليق

التعايش مع الآخر في ميزان الشريعة

من فضل الله -تعالى- أن وجّهنا في محكم آياته إلى كيفية التعامل مع المخالفين لنا، سواء بالعقائد والثوابت، أم بالأفكار والتوجهات، أم بالمظاهر والسلوكيات، وتبعا لذلك، ينبغي أن ندير تعاملنا معهم، ومشاعرنا تجاههم، وفق ما حدده الشارع وابتغاه، وأمر به وارتضاه؛ فهناك قواعد شرعية تنظم علاقاتنا معهم، وتزيل اللبس حول بعض المعاني والمفاهيم المتداولة حول ذلك، مثل: التسامح مع الآخر، وتقبل الآخر، تضييق الهوة بيننا وبين الآخر، والتعايش مع الآخر، وقد حصل عند الكثير لبس أو تخبط إما بسبب الجهل بحكم الشرع في أدب الاختلاف، أو تعمدًا في مخالفة النصوص الشرعية وتأويلها لتوافق الهوى، أو لتثبيت مفاهيم أخرى مغايرة، أو تملقًا لذلك الآخر رغبة في تحقيق مصالح معه .

     وقد علَّمنا الإسلام  كيف نعامل من يخالفنا؛ حيث أُمِرنا أن نتعامل معه بالحسنى، ونطبق معه مبدأ العدالة؛ فنحفظ له حقوقه، ولا نظلمه أو نعتدي عليه، ولا نغشه أو نحقد عليه، ولا نؤذيه أو نستهين به، بل قد نتبسم في وجهه، ونزوره في بيته، ونفسح له في الطرقات، أو نعينه على قضاء الحاجات، وقد نعوده في المستشفيات، أو نتهادى معه في بعض المناسبات، بل وربما نأكل من طعامه، أو نبيع ونشتري من متاعه، تأسّيا برسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فبالرغم من اختلافه مع اليهود عقائديا، إلا أن ذلك لم يُثْنِه عن حسن معاملتهم، وإبرام العقود والمواثيق معهم، وإعطائهم حقوقهم، وتعريفهم بواجباتهم، بل كان يعود مريضهم، ويسأل عن غائبهم ليتألّفهم على الإسلام.

الترضِّي والقبول

      إلا أننا - وعلى الرغم من ذلك - ينبغي ألاّ نبدي للمخالفين أي مظهر من مظاهر الترضِّي والقبول لتلك المخالفات، سواء كانت عقدية أم فكرية أم سلوكية، كما يفعل بعضهم من باب المجاملة، أو اقتباس ضرب من ضروب طقوس الديانات الأخرى، لقوله -تعالى-: {قلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(الكافرون).

ليس من الإسلام

      إن اعتزال المخالفين، أو الصد عنهم، أوالعبوس في وجوهم، أو عدم إبداء الكلمة الطيبة لهم، ليس من الإسلام في شيء، بل لو بحثنا عن أبرز أسباب اعتناق الكثير للإسلام -سواء في العهد القريب أم البعيد- لوجدناها حسن تعامل المسلمين معهم، ولابد أن نستغل قربنا ممن يخالفنا عقائديا أو سلوكيًّا، في دعوته للحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلته بالتي هي أحسن، فربما يفتح الله للحق قلبه على أيدينا.

الولاء والبراء

     ولقد جاء في القرآن الكريم توضيحًا لمعنى الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين، مثل قوله -عز وجل-: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}(آل عمران: 28).

دين التسامح

     إن الإسلام هو حتما دين التسامح مع الآخر، الذي هو بمعناه الشرعي: «أن تعامل الآخر بالعدل والإنصاف، وتعاشره بالمجاملة والألطاف، وأن تحسن جيرته إن كان جاراً لك، وأن تصله إن كان من قرابتك، ومع هذا يجب عليك أن تعتقد اعتقادًا جازماً لا تردد فيه أنه على باطل، وأنه إنْ مات كافرًا لا يجوز الترحم عليه، ولا الدعاء له بالمغفرة، قال -تعالى-: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ}، أي من الخير كالتصدّق وصلة الأرحام وإغاثة الملهوف وغيرها، {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}(الفرقان: 23)؛ فلا ثواب لهم في الآخرة، وعملهم غير مقبول، لبطلان دينهم المخالف للإسلام  لقوله -تعالى-: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران: 85)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفس محمد بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة، لا يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» رواه أحمد ومسلم.

بين التسامح والخنوع

     ولكننا نجد كثيرا من المسلمين اليوم من يخلط بين مفهومي التسامح مع الآخر والخنوع له، وبين حسن التعامل معه والانبهار به؛ فيسعى هؤلاء إلى علمنة الإسلام وتهميشه، والتنحي عنه ورفض ثوابته، حتى أصبح لدى كثير من الشباب رفض لعقيدة الولاء والبراء التي قررها الشارع -جل وعلا-؛ فيرون أن الاعتزاز بثوابت الدين وأصوله، تعصبًا مقيتًا وتشددا بغيضًا!! وما ذلك إلا نتاج تأثير دعاة التقريب بين الأديان الذين لا يدعون إلى العدل في المعاملة، بل إلى المداهنة لغير المسلمين والذوبان معهم، وخلع لباس التقوى والسير في رَكبِهم؛ فهم تحت شعارات (الحرية الدينية)! أو (التعددية الثقافية)! يطالبون بغض النظر عن الممارسات العلنية المخالفة، والسماح بالمجاهرة بالطقوس التعبدية للديانات الأخرى، السماوية منها والزائفة، إلى أن أصبحنا نسمع تصريحات بالمناداة بوحدة الأديان؛ فهم تحت غطاء الإنسانية لا يرون تميّزا للمسلم عمن سواه!

لفظ التعصب ولفظ التسامح

     ويوضح الشيـخ محـمد بن إسمـاعيل أن بعض الناس يخلطون بين لفظ التعصب ولفظ التسامح خلطاً معيباً، يؤدي إلى خلل في دينهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؛  فإذا سمعك أحدهم مثلاً تقول: لا يجوز الترحم على اليهودي، أو النصراني؛ لأنه لا يدخل الجنة، عدّ هذا تشدداً وتعصباً، وتشدق بأن رحمة الله واسعة، وَعدّ نفسه متمسكاً بسماحة الإسلام!!

إن تحسين صورة الإسلام في أذهان الغربيين، والناس أجمعين، وإبراز محاسن الإسلام، لا يكون إلا بالتمسك به، والتأدب بآدابه، والدعوة إليه، ولا يكون أبداً بانتقاصه، واجتزائه، والتخلي عن شيء منه قرباناً إلى الكافرين، وموالاةً لهم من دون المؤمنين.

     ختامًا نؤكد أن التعايش مع الآخر لا يعني القبول بعقيدته المخالفة، وأطروحاته المنحرفة! أو الترويج لأفكاره الغريبة، وسلوكياته الدخيلة! أو مشاركته أمجاده وتهنئته بأعياده!، أو حتى السماح له بممارسة طقوسه التعبدية، أو انتهاك المحرمات وممارسة الانحرافات السلوكية في بلاد المسلمين، علنًا جهارًا، ليلا أو نهارا! كما أن التعايش مع الآخر، لا يعني ألا ندعوه إلى حق، أو لا ننكر عليه منكرا، سواء كان ذلك في المخالفات العقدية، أم التعبدية، أم الأخلاقية، وقد نسمع منه أو نتبنى بعض أفكاره فنستفيد، طالما لم يخالف ذلك تعاليم ديننا الحنيف، ولكننا نرفض حتما ما دون ذلك بالتأكيد.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك