رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: هند الشطب 15 يناير، 2019 0 تعليق

فبهداهم اقتده وقفات تربوية وإيمانية من حادثة الإفك (2)

 

 

إن من حكمة الله أن تجري الابتلاءات والمصائب في الدنيا على عباده المؤمنين كما تجري على غيرهم من الناس، وهي تمحيص لإيمانهم قال -تعالى-: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 23)، يعني -تعالى- ذكره: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم ولا في أنفسكم، إلا في كتاب قد كتب ذلك فيه، من قبل أن نخلق نفوسكم (لِكَيْلا تَأْسَوا) يقول: لكيلا تحزنوا، (عَلَى مَا فَاتَكُمْ) من الدنيا، فلم تدركوه منها، (وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) منها، ومعنى قوله: (بِمَا آتَاكُمْ) إذا مدّت الألف منها: بالذي أعطاكم منها ربكم وملَّككم وخوَّلكم؛ وإذا قُصرت الألف، فمعناها: بالذي جاءكم منها.

     ومع تسليمنا بما سبق -ولله الحكمة البالغة- فإن هذا يجرى على أنبيائه وأصفيائه؛ لأنهم بشر قال -تعالى-: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}(الرعد: 38)، ولنتأمل إحدى تلك المصائب العظام التي جرت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهو أولى من نقتدي به، قال -تعالى-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب (2١).

     وهي حادثة الإفك واتهامه في عرض أهل بيته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وأرضاها وهي المؤمنة الغافلة المبرأة من السماء السابعة فماذا فعل صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي هو وقد أكثر المنافقون في المدينة شهرا وهو لا يوحى له بشيء في مثل تلك المواقف على المؤمن السير على خطى الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم .

الصبر

ليلتزم الإنسان الصبر ويسترجع على ما نزل به، ويكثر من ذكر ربه والاستغفار: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة: 156).

حسن الظن

ألا يظن إلا خيرا؛ فقد نهى الله عن ظن السوء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (12)} الحجرات.

استشارة أهل الحكمة والعقل

     أن يستشير المقربين أو من يطمئن لرأيه وعقله وحكمته؛ فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو في تلك الحال أيضاً قد تأخّر عنه الوحي، فشاور أصحابه فيما يفعل، هل يترك زوجته عائشة أم يبقيها؟ ثمّ صعد منبره، فقال: «يا معشرَ المسلمين، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي؟ واللهِ ما علمتُ على أهلي إلّا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلّا خيراً وما يَدْخُلُ على أهلي إلّا معي»؛ فضجّ الناس، كلٌّ يريد أن يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو بضرب رقاب بعضهم بعضاً، فأسكتهم رسول الله وقد أهمّه ما أهمّه، وأمّا عائشة -رضي الله عنها- فلا تزال على حالها لا تسكن لها دمعة.

التأني والتروي

ألا يأخذ قرارا ارتجاليا أو يتهور بتصرف يندم بعده بل يتصرف بحكمة وروية.

التثبّت والاستخبار

     أن يتثبت من الخبر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} الحجرات(6)، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه؛ فقال أسامة أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك؛ فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.

وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَسأل زينبَ بنت جحش عن أمري، فقال: «يا زينب، ما علمتِ؟ ما رأيتِ؟»، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصَري! والله ما علمتُ عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تُساميني، فعصمَها الله بالورَع.

الدعاء والتضرع

الدعاء فليس هناك شيء أكرم على الله من الدعاء بأن يكشف تلك المصيبة والبلية: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر(60).

الإحسان

     الإحسان في المعاملة في القول والعمل قال -تعالى-: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران : 134)؛  فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن لأم المؤمنين عائشة بأن تمرض عند أهلها ولم يخبرها بالخبر مراعاة لمشاعرها وإحسانا لها، ولم ينقطع عن زيارتها في بيت أهلها ولم تلحظ إلا تغييرا طفيفا عليه؛ لما كان يحمله من هم في قلبه -صلوات ربي وبركاته عليه-، «فقدِمنا المدينة، فاشتكيتُ بها شهرًا يُفيضون من قول أصحاب الإفك، ويَريبني في وجعي أنِّي لا أرى من النبي - صلى الله عليه وسلم- اللُّطف الذي كنت أرى منه حين أمرَض، وإنما يدخل فيسلِّم، ثم يقول: «كيف تيكُم؟»؛ لا أشعر بشيءٍ من ذلك حتى نقُهت.

الحوار الهادف

     فتح الحوار؛ فقد جلس - صلى الله عليه وسلم - عند أم المؤمنين عائشة وذكر لها الامر بعد تلك الفترة، وكلمها بلطف «فبينا نحن كذلك؛ إذْ دخَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلس، ولم يجلس عندي من يومِ قيل فيَّ ما قيل قبلَها، وقد مكثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهَّدَ ثم قال: «يا عائشة، فإنَّه بلغني عنكِ كذا وكذا؛ فإن كنتِ بريئة فسيبرِّئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترَف بذنبه ثم تاب تابَ الله عليه».

الفرح بعد انتهاء الابتلاء

فلمَّا سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحكُ؛ فكان أول كلمة تكلَّم بها أن قال لي: «يا عائشة، احمَدي الله؛ فقد برَّأكِ الله».

الثبات

     الثبات على الحق وعدم الشك بأن هذا من سنة الله في عباده وبأن المؤمن مأجور على المصائب، وبأن ذلك ليس إلا للمؤمن وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ. رواه مسلم.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك