رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 12 نوفمبر، 2018 0 تعليق

الطعن في صحيح البخاري حرب على الإسلام وأصوله

  

تعرَّض الإسلام من قديم الزمان لهجوم عنيف من قبل خصومه وأعدائه، وهؤلاء الأعداء منهم الظاهر الواضح في عدائه، ومنهم المستتر غير المجاهر، وبلية الإسلام بهؤلاء أشد وأنكى؛ لأنهم يظهرون بمظهر الناصح المشفق، في الوقت الذي يضمرون فيه الكيد، ويبطنون له العداء، وينسجون حوله خيوط الافتراءات والأكاذيب، متبعين في ذلك وسائل وأساليب خفية لتحقيق ما يرمون إليه من أغراض ومقاصد خبيثة، فتارة عن طريق التشكيك في السنة ومصادرها ورجالها، وتارة عن طريق اختلاق الروايات، ووضع الأحاديث، وتحريف النصوص الشرعية، بما يتفق مع بدعهم وأهوائهم.

 

      ولا شك أن الهجمة الأخيرة على صحيح البخاري التي وصلت إلى أروقة المحاكم في مصر خير دليل على ذلك؛ لذلك كان لابد أن نتساءل لماذا الهجوم على السُّنة النبوية؟ ولماذا تصاعدت وتيرة هذا الهجوم تصاعداًً كبيرًا في السنوات الأخيرة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التحقيق.

حملات تستهدف الإسلام والمسلمين

     وردًا على هذه الحملات المنكرة للسنة قال شيخ الأزهر د. أحمد الطيب: إن حملات إنكار السنة المحمدية تستهدف الإسلام والمسلمين، متابعًا: «ولاسيما مسلمي الشرق، ولو اضطرب حال الإسلام في الشرق لاضطرب حال كل الأديان في الغرب، وأنا أتوقع أن يحدث هذا مستقبلاً وقد حدث قديمًا، هذه حملات منظمة وكل نصف قرن أو ربعه تخرج هذه الحملات بالسلاح والدعاوى والمضمون».

     ولفت الإمام الأكبر، إلى أنه في حال نجاح الهجوم على السنة، يسهل ذلك الهجوم على القرآن الكريم، وتابع: «هذه عملية كر وفر، هناك دعم لهذه الحملات كونها جزءًا من السيطرة على الحضارة الشرقية أو الشرق، وأعتقد أن قرنا من الزمان أثبت أن التجربة فشلت، وستفشل أيضاً.

حملات الإلحاد المنظمة

     وأكد د. الطيب أن حملات الإلحاد المنظمة لن تقتصر على الإسلام فقط بل ستطال الأديان السماوية كافة، وعلى الجميع أن يتحد كي نواجه ذلك، وننحي الخلافات المورثة خطأ، وتابع: «هذا الفكر سيدمر الدين، وإذا ترك الإسلام وحده في هذه المواجهة سينعكس ذلك سلباً على باقي الديانات».

الصراع بين الحق والباطل

     من جانبه أكد رئيس قسم العقيدة بكلية الشريعة جامعة الكويت د. بسام الشطي أن الهجوم على السُّنة النبوية سيظل باقيًا ما دام الصراع بين الحق والباطل قائمًا إلى يوم القيامة؛ فالهجوم على السُّنة النبوية يأتي في إطار الهجوم على ثوابت الإسلام كلها: هجوم على الشريعة، وهجوم على أهل السُّنة والجماعة بمسمى محاربة الوهابية والتطرف ودعم الصوفية، وهجوم على عقيدة الولاء والبراء، وهجوم على كل شيء له علاقة بالإسلام الحقيقي، وفي المقابل طرح إسلام بديل بلا قواعد ولا ضوابط يسمى الإسلام الليبرالي؛ يتوافق مع المضمون العَلماني الغربي، ولا يحمل من الإسلام نفسِه سوى الشعار؛ لذلك فإن الهجوم على السُّنة النبوية لا يقف عند حدود السُّنة النبوية فقط، وإنما يستهدف القضاء على الإسلام بالكامل؛ لأنه يستهدف الهجوم على القرآن أيضاً مباشرة؛ لأن إسقاط السُّنة يعطي الفرصة لكل مغرض وحاقد على الإسلام أن يفسر القرآن تبعاً لما يمليه عليه هواه؛ لأن السُّنة «هي التي تبيِّن مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامَّه... وقد يحتمل نص الكتاب أمرين فأكثر فتُعيِّن السُّنة أحدهما».

الاصطفاف مع أعداء الأمة

     أما رئيس اللجنة العلمية بجمعية إحياء التراث الإسلامي الشيخ محمد الحمود النجدي فقال: لقد كثر اليوم من يتحدث عن الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله تعالى- بغير مناهج المحدثين، المعروفة في مجال علم الحديث النبوي الشريف، ولا متصفا بأخلاق أهل العلم والديانة، في نقد ما قد يظن أن البخاري -رحمه الله- قد أخطأ فيه، وبدلا من أن يتصف أولئك الفئام من الناس بالروح العلمية البناءة، يقدمون للناس نماذج من الطعون في السنة النبوية الشريفة، مصطفين مع أعداء الأمة من المستشرقين والملاحدة والمنافقين، وسبيلهم سبيل أهل البدع والزيغ؛ الذين همهم الطعن في الشريعة الغراء، والنيل من أحكامها، وتشكيك أهلها فيها، وصدّهم عن التمسك بها، والسير على منهاجها، بغية خلق البلبلة والفتنة في أوساط المسلمين.

التطفل الواضح

     وأضاف الشيخ النجدي: أنه مع التطفل الواضح على أهل الاختصاص في مجال علم الحديث النبوي الشريف، لجهلهم بقواعد هذا الفن، سالكين سبل الكتبة اللصوصيين في سرقة ما يكتبه غيرهم وانتحاله، وإعادة نشره وبثه وإحيائه.وكتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري لم يكتسب قبوله وجلالتَه لكون مؤلفه رجلٌ يقال له محمد بن إسماعيل البخاري كما يتوهم بعضهم؛ ولكن لما تضمنه من كلام الرسول -عليه الصلاة والسلام-، الذي جعل مؤلفُه فيه من الضوابط والشروط للتأكد من صحته، ما اتفق على دقته وصحته أفذاذ الأئمة من علمائها ومقدَّميها؛ وبذلك اكتسب كتاب الإمام البخاري الشرف والفضل والنبل، والمكانة العالية بين سائر الكتب الحديثية، حتى غدا هذا الكتاب شِعار السنة النبوية وذروة سنامها؛ فمن طعن فيه وأراد إسقاطه، لم يبقَ للمسلمين ما يمكن الدفاع عنه، والتمسك به. 

 فالأمر كما قال المتنبي:

وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفهامِ شَيءٌ

                                    إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ

للسٌّنة النبوية نصيبٌ من الحفظ

     والله -سبحانه- أخبرنا في القرآن العظيم، أنه أوحى لنبيه محمد -عليه الصلاة والسلام- وحيين: وحيٌّ متلوٌّ وهو القرآن الكريم، ووحيٌ غير متلوٍّ وهو السُّنة المطهرة، كما قال الله -سبحانه-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44)، وللسٌّنة النبوية نصيبٌ من الحفظ الذي ضمِنَه الله عزوجل في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9.

دعوى الغلو والقداسة

     وأما دعوى الغلو والقداسة للأشخاص، التي زعمها بعضهم؟!، وشنع بها على المدافعين عن هذا الكتاب المبارك، فليست موجودة عند من فقه السُّنة وعمل بها؛ فأهل الإسلام أحبوا الإمام البخاري لخدمته للسنة النبوية، وهو إمام مجتهد غير معصوم، ولكنَّ الحفظ والعصمة والقَدَاسة إنما هي لنصوص الوحي التي نقلها وحفظها عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، ونحن بحبِّنا للسنة النبوية والمدافعين عنها أحببنا هؤلاء الأئمة؛ فإنْ استنكف هؤلاء عن الحق، وطعنوا في ديننا وسُنة نبينا، عارضناهم وأبغضناهم، ورددنا عليهم طعنهم، واحتسبنا ذلك عند الله تعالى أجراً وثوابًا، وجهادا بالكلمة.

ما يحدث شيء متوقع

     أما الشيخ أبو إسحق الحويني فقد أكد على أن ما يحدث شيء متوقع في ظل حالة الجهل التي تخيم على سماء الأمة في الآونة الأخيرة، حين تصدى الجاهلون للدعوة، مشيرًا إلى أن التطاول على البخاري ومن هم في منزلته من علماء الأمة ورموزها من علامات حب الله -عز وجل- لهم؛ فهذا باب حسنات ما كان يعلمه الكثيرون من الأئمة الراحلين.

نفق مظلم

     وأكد الشيخ الحويني على أن الطعن على البخاري نفق مظلم، من دخله بغير مصباح ارتطم وجهه بالحائط، مضيفًا: لم أجد عبارةً أبلغ من هذه وردت على خاطري مشيرًا إلى أنه لابد ألا يتصور أحد أن البخاري معصوم وإن كان من صفوة البشر بعد الأنبياء والصحابة والتابعين، فالإمام البخاري نسيجه واحدة، وعقِمت أرحام النساء أن تلد مثله في معناه.

خرق للإجماع

     من جانبه أكد النائب السابق د. عبدالرحمن الجيران على أن هذه الدعوة فيها خرق للإجماع؛ حيث أجمعت الأمة الإسلامية منذ القرن الثالث الهجري على أن كتاب صحيح البخاري يعد أصح كتاب دراية ورواية بعد القرآن الكريم، وجرى العمل من الفقهاء والعلماء والمحدثين على هذا إلى وقتنا الحاضر.

     وأشار إلى أن تنقية الثقافة الإسلامية لا يكون بالطعن في كتب الأصول التي حفظت سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنما يكون بالرجوع إلى كتب الثقافة الإسلامية والأدب وتنقيتها من شوائبها الوثنية والجاهلية.

     وأكد الجيران على أنه ثبت بالأحاديث الصحيحة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابة السنة؛ ولذا فقد ثبت أن بعض أصحابه كتبها في عهده، قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله-: وهذه الأحاديث مع استمرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين على الكتابة ثم اتفاقهم على جوازها. بعد ذلك كل ذلك يدل على أن حديث النهي عن الكتابة منسوخ، وأنه كان أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن.

تلقته الأمة بالقبول

     من جانبه قال الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف الشيخ رائد الحزيمي: لصحيح البخاري مكانة علية، وتلقته الأمة بالقبول، وعَدُّوه أصح كتاب بعد كتاب الله -العلي الغفار-، وهذه جملة من أقوال السلف عن هذا الكتاب:

     قال الذهبي: وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام، وأفضلهما بعد كتاب الله -تعالى»، ويقول النووي: أول مصنّف في الصحيح المجرّد صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم. وهما أصح الكتب بعد القرآن. والبخاري أصحّهما، وأكثرهما فوائد. وقيل: مسلم أصح، والصواب الأول»، ويقول أيضًا: اتفق العلماء -رحمهم الله- على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول».

     وقال السخاوي: صحيح البخاري وصحيح مسلم أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى»، قال ابن الصلاح: «وكتاباهما -البخاري ومسلم- أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز»، وقال إمام الحرمين الجويني: «لو حلف إنسان بطلاق امرأته: أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ألزمته الطلاق، لإجماع علماء المسلمين على صحته».

     وقال ابن تيمية: فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم»، وقال ابن حجر العسقلاني: وكتاباهما (البخاري ومسلم) أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز».

     وقال صديق حسن خان: إن السلف والخلف جميعا قد أطبقوا على أن أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى- صحيح البخاري ثم صحيح مسلم»، وقال الألباني: والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى- باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم»، وقال الشيخ عبد المحسن العباد: ويتّفقان -صحيحا البخاري ومسلم- في أن العلماء تلقوهما بالقبول وعَدُّوهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز».

لا جديد في الحرب على كتب الحديث

     وفي هذا السياق قال رئيس مركز دراسات تفسير الإسلام في بريطانيا الشيخ عبد الحق التركماني: ظهرت في السنوات الأخيرة حملات طعن وتشكيك في كتب السنة المطهرة عموما، وفي (صحيح البخاري) خصوصا، ولعل أكثر أبناء الجيل الجديد لا يعرفون ألَّا جديد في هذه الحملات، وأنها ظهرت في ظروف مشابهة مرت بها الأمة قبل نحو قرن من الزمان؛ فرفع الملاحدة والزنادقة عقيرتهم بالطعن في دين الإسلام وعقائده ومصادره، وكان الطعن في السنة والحديث جزءاً من تلك الحرب ضد الإسلام وأهله في مختلف الميادين العلمية والفكرية والأخلاقية والمادية.

معركة محسومة

     وأكد التركماني أن تلك المعركة قد حُسمتْ بتوفيق الله -تعالى- وتأييده لعلماء الإسلام لصالح العقيدة والسنة، وكان نفعها عظيمًا؛ حيث نشط العلماء والمثقفون في الكتابة، سواء فيما يتعلق بالرواية، أي تاريخ تدوين الحديث ورواتها ومصنفاتها، أم ما يتعلق بالدراية، أي العقائد والشرائع والمفاهيم والمقاصد، فمن الأول ما كتبه محمود أبو رية (1889-1970) في كتابيه: (أضواء على السنة المحمدية) و(أبو هريرة شيخ المضيرة)، وغيرهما من الطعن في السنة والحديث والصحابة، فانبرى للرد عليه عدد من العلماء، منهم: العلامة الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة (ت: 1385/1965) -رحمه الله-، وردَّد أبو ريَّة وأمثاله أبرز شبهات المستشرقين، وقد تأخر تدوين الحديث قرنين من الزمان، فكتب العلامة الهندي محمد مصطفى الأعظمي (1932-2017م) -رحمه الله- رسالته للدكتوراه: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، أثبت فيها السلسلة المتصلة لتدوين الحديث منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ظهور المدونات الكبيرة، وقدَّم رسالته بالإنكليزية إلى جامعة كمبردج البريطانية، وحصل منها على درجة الدكتوراه عام: (1966م)، واضطر المستشرق البريطاني الشهير آرثر جون آربري (1905-1969م)، أن يخضع لهذا الجهد العلمي المذهل؛ فكتب ما نصه: «إن الدكتور الأعظمي قد قام بعمل رائد بلغ الذروة في قيمته، وقام بهذا العمل على مقتضى الأقيسة الصحيحة للبحث العلمي، وإن الرسالة التي قدمها، ومنحته جامعة كمبرج من أجلها درجة الدكتوراه في الفلسفة لهي في اعتقادي من أروع التحقيقات العلمية التي قدمت في هذا المجال في العصر الحديث، ومن أكثرها أصالة». أما أبو ريَّة وأمثاله من الطاعنين في السنة والحديث؛ فقد وضع الله ذكرهم، وقطع دابرهم، وتحقق فيهم وعد الله -تعالى- لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}.

الدفاع عن العقيدة والشريعة

     أما في جانب الدراية، أي الدفاع عن العقيدة والشريعة من جهة المعاني والمفاهيم والأحكام والمقاصد فقد كثرت الكتابات في هذه الموضوعات جدًّا، وشارك فيها العلماء والباحثون والمفكرون والمثقفون، وهي في جملتها قد دحرت أباطيل الملاحدة والزنادقة، وردت شبهات المتشككين والمتلونين. إن من المهم أن يعرف شباب الإسلام اليوم أن هذه المعركة ليست جديدة، وأن العلماء قد انتهوا منها؛ فينبغي إحياء جهودهم، والتعريف بتلك الكتب والأبحاث، للاستفادة منها. والطاعنون في كتب الحديث اليوم يقصدون بالدرجة الأولى جانب الدراية؛ لأنهم يجدون في الأحاديث والآثار من العقائد والتشريعات والأحكام ما لا تقبلها عقولهم الفاسدة، وآراؤهم المنحرفة، ونفوسهم المريضة بالشبهات والشهوات؛ فمشكلتهم في الحقيقة هي مع دين الإسلام نفسه في عقائده وأحكامه، لكنهم لا يجرؤون على الطعن في القرآن الكريم؛ فيحاولون التدرج إلى ذلك بالطعن في كتب السنة؛ فهي ليست معركة (صحيح البخاري) التي أجمعت الأمة على أنه أصحُّ الكتب بعد كتاب الله -تعالى- بل هي معركة (الإسلام) في مواجهة حملات التشكيك في عقائده، والطعن في شرائعه، وهي تمثل مرحلة من مراحل الابتلاء والتمحيص التي تمر بها الأمة: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. والحمد لله أولًا وآخرًا.

ديدن الباطل قديمًا وحديثًا

     أما عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية الشيخ شريف الهواري فقال: لا شك أن الحملة على السنة عمومًا، وعلى صحيح البخاري خصوصاً، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؛، فهذا ديدن الباطل قديمًا وما زال مستمرًا عليه، وهكذا الصراع بين الحق والباطل: الطعن على السنة، وعلى رمزها الأول: (كتاب البخاري)؛ ظنًا منهم أن هذا يُسقط مكانة السنة والاستدلال بالسنة، والتوقير والاحترام للسنة، لكن نقول لهم: هيهات هيهات، موتوا بغيظكم، لن تنالوا خيرًا، كم هاجم السنة من جحافل الباطل في الماضي وما زالوا، وفي كل مرة لا يجنون إلا الفشل والخيبة والخُسران! ويزداد الناس تمسكًا بالسنة وحبًا فيها ودفاعًا عنها، وخير دليلٍ على ذلك: (الإمام البخاري) كم لاقى من هجوم منذ بزغ فجره وظهر في وسط العلماء، وبان بونًا شاسعًا عمَّن معه، ويُلاقي مثل هذه الهجمات الآن، ولكنها لم تؤثر فيه، ولم تؤثر على حب الناس له، وثقة الناس في عدالته وحفظه وإتقانه إلى يوم الناس هذا، وكلما تم الهجوم عليه، تمسك الناس به وأحبوه، وازدادوا ارتباطًا بكتابه، وأستطيع أن أقول: هذه دعاية مجانية للإمام البخاري، لو كانوا يستحقون أن أقول لهم: جزاكم الله خيرًا على هذه الدعاية المجانية؛ لقلنا لكم، لكنهم لا يستحقون ذلك.

     ولذلك أقول: اطمئن أيها السائل، ولتطمئن الأمة على سنة نبيها محفوظة بحفظ الله لها، وعلى أئمتها ولاسيما الإمام البخاري -الإمام الموفق المُسدد نحسبه كذلك- أكثر ما سيُغيظهم، المهم: أين نحن من تطبيق السنة، وهذا ما سيُغيظهم ونحن نعلم أن إغاظة الباطل عبادة، فإغاظة هؤلاء هي: التمسك بالسنة وتطبيق السنة والدعوة إلى السنة، وأن نكون مثالًا طيبًا للسُّنة.

لا يطعن فيهما إلا مبتدع ضال

     من جهته قال عضو الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة د. عبدالعظيم بدوي، السنة النبوية التي هي شرح للقرآن قد هيأ لها الله من يحفظها من جهابذة الرجال، الذين بذلوا أنفسهم لهذا الشأن العظيم من أمثال الإمام البخاري -رحمه الله - الذي يقول عنه أبو الطيب حاتم بن منصور الكسي - كما في السير للذهبي -: محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه من العلم، وقال رجاء الحافظ: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء، وقال: هو آية من آيات الله يمشي على ظهر الأرض؛ ولذا كان صحيحه، وصحيح الإمام مسلم الذي قيل في ترجمته ما قيل في الإمام البخاري من حيث الحفظ والإتقان والزهد والعبادة محل قبولٍ عند الأمة، لتوافر شروط الصحيح فيهما في أعلى درجاته، ولا يطعن فيهما إلا مبتدع ضال، يستهدف من وراء تشكيكه فيها هدم مبنى الشريعة.

فرق كبير بين المنهج وغياب المنهج

     أما د.إدريس الكنبوري فقال: هناك فرق كبير بين المنهج وغياب المنهج، والذين يتعرضون لكتب الصحاح اليوم لديهم هدف واحد هو التشكيك، وليس التمحيص. التشكيك ينطلق من العشوائية، والتمحيص يتطلب منهجا لا يتقنه سوى أصحاب الصنعة. والتشكيك ليس له هدف سوى الإثارة، بينما التمحيص الهدف منه التصحيح.

كل ما كتب ويكتب اليوم عن صحيح البخاري أو صحيح مسلم، وما سيكتب غدا، قيل ولا جديد فيه، والمشكلة أن من ينتقدون ولا ينقدون بل ينتقدون فقط؛ لأن النقد علم والانتقاد كلام في الهواء ليست لهم دراية بعلم الحديث ولا إحاطة بما قيل وكتب عن الصحاح لدى علماء الحديث منذ قرون. يتصور هؤلاء أن علماء الحديث كانوا أطفالا يلعبون، وأن عقولهم كانت قاصرة عن عقول اليوم، وأنهم قدسوا الصحاح وبايعوها، بينما كان فيهم من أجهد نفسه لتمحيص الصحاح، وكانت لديهم جرأة أكبر من جرأة اليوم، ولكنهم نقدوا الأحاديث عن علم ومنهج، وردوا أحاديث واردة عند البخاري ومسلم ولم يترددوا في اتهامها، وقاموا بكل ذلك مزودين بالعلوم المطلوبة، وبالاحتكام إلى العقل حين استدعى الأمر ذلك.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك