الإخاء الروتيني.. أسبـابه وعلاجـه
الإخاء الحقيقي بين المسلمين ولا سيما العاملين في مجال الدعوة إلى الله، قد يتحوَّل إلى إخاء روتيني كالعلاقة الإدارية بين الموظفين بما فيها من طابع الجفاف في العلاقات، والطبيعة الروتينية التي تربط الموظفين، وتربط كلاً منهم قوانين ولوائح إدارية.
ويظهر ذلك على سلوك الأفراد، فنرى عدم الإحساس بالمحبة الأخوية تجاه أخي الذي يعمل في دعوتي نفسها، ولكن في مجال آخر، أو يعمل معي ولكن له دورٌ آخر، وإذا اشتدت الأمور وتأزَّمت فلا تجد سؤال أحد على أحوال أحد، وإذا مرض أخوك ربما لم تعرف، وإذا عرفت تباطأت في زيارته؛ فقد تزوره وقد لا تزوره، وإذا مات عنده قريب ربما لم تعزِّه، وإذا لقيته في عمل أو في درس أو في طريق ترى الفتور في الترحيب عند اللقاء، فلا روح ولا شوق ولا حب، لا توجد كراهية، ولكن لا يوجد حب، فلماذا؟!، بل ربما طالت غيبة أخيك عنك، فلا تتواصل معه بالزيارة، أو بالهاتف، أو بالسؤال عنه، أو إرسال السلام له، أو إرسال هدية له، بل ربما يكون في ضائقة وأنت لا تتحمس لمساعدته والوقوف بجواره، بل قد تشعر بالفتور وعدم الرغبة في مساعدته.
ولا شك أن هذا الإخاء الروتيني لا يحقِّق الأخوة الإيمانية ولا الحب ولا العمل البنَّاء، ولا يحقق أُلفة القلوب، بل يحقق تنافرها، فلا تتحمل من أخيك رأيًا، ولا مشورة، ولا نصيحة، ولا كلمة، ولا نظرة، ولا فكرة، ولا شك أنها خسارة عظيمة، كيف لا؟ وقد أيَّد الله -عز وجل- رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنصره من السماء وبالمؤمنين من الأرض، وألـَّف بين قلوبهم، فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب حبِّهم واجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد ولا بقوة أحد غير قوة الله -عز وجل.
وللإخاء الروتيني أسبابه من واقع حياتنا، فمنها مثلاً لا حصرًا:
- قلة البرامج الإيمانية، وقلة وجود القدوات التي تحرِّك الناس نحو الحب والأخوة الإيمانية.
- ضعف التركيز على جانب الأخوة في المناهج الموجودة، مع غلبة الجانب الإداري التنفيذي.
- الجهل بأهمية الأخوة الإيمانية، وواجباتها، وحقوق إخوانك عليك.
- قلة اللقاءات الإيمانية خارج نطاق العمل والروتين.
- عدم التوافق في الطبيعة البشرية بين بعض الأفراد، واختلاف الهمم في التحرُّك في الدعوة.
- جفاف الطبع، والجهل بطريقة كسب القلوب.
الحلول المقترحة
ولابد من إيجاد حلول لهذه المشكلة، ومنها:
- إيجاد أعمال مشتركة بين أفراد الدعوة؛ لمزيد من التعارف والتقارب والاحتكاك والتفاهم.
- التركيز على الجانب الأخوي قبل بداية العمل.
- تحويل المعاني الأخوية النظرية إلى واقع ملموس عملي بين أفراد العمل والدعوة والمجتمع.
- ضبط نظام العمل بالجوانب الإيمانية؛ ليحقق معاني الأخوة، وحتى لا تتغلب الإداريات.
- نشر الأساليب التي تؤدي إلى المحبة والمودة والأخوة بين الإخوة، مثل: التهادي، والتزاور، والمواساة، وغيرها.
- التعامل الرباني، واتساع الصدر، وعدم إساءة الظن، والرفق بإخوانك: «لِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ»، وكذلك الدعاء من أهم الأسباب في تقوية رابطة الأخوة الإيمانية، فقد كان للإمام أحمد -رحمه الله- عدد كبير يبلغ المئات من أصحابه يدعو لهم كل يوم، فهل نفعل ذلك قربةً لله -عز وجل-؟! سل نفسك كم أخاً لك تدعو له في صلاتك وفي خلواتك؟ وهل حرصت على أن تبيت وليس في صدرك شيء لأحد؟!
وأخيرًا.. «سُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
لاتوجد تعليقات