رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني 1 فبراير، 2018 0 تعليق

رد الشبهات حول دور العلماء في بيان أخطاء الفرق المنحرفة (7) – هل التضييق على المسلمين دافع للقيام بالأعمال الإرهابية؟

 الطعن في أهل العلم والفضل مزلة خطيرة العاقبة، واتخاذ ذلك منهجا وديدنا من علامات البوار الظاهرة، وكثيرًا ما يكرر الغلاة حينما يجابَهون بأقوال العلماء المعاصرين الثقات التي تبين مناهجهم المنحرفة، بأن هؤلاء العلماء ما هم إلا علماء سلطان، وأذناب الطواغيت، فلا يعد قولهم ولا يؤخذ بأدلتهم، ونحن في هذه السلسلة سنذكر أهم الشبه التي يثيرها هؤلاء حول مواقف العلماء وأقوالهم في مناهج الفرق المنحرفة والرد عليها. 


الشبهة السابعة: يقول بعضهمإن المفاسد التي تعدُّونها من آثار التفجيرات ليست ناتجة عن تفجير بعض المسلمين - إنصح ذلك - للمركز التجاري   العالمي، إنما هي مفاسد موجودة من قبل، واستدل بأمور، منها

إن الذين قاموا بها متبعون للأدلة السابقة، ومن عمل بموجَب الدليل؛ فقد حقق المصلحة ولابد، فلا يُسْأل عن مصلحةبعد ذلك

واستدل أيضًا بأن ضرب الأعمال الإغاثية والدعوية والتعليمية في أماكن كثيرة من بلاد المسلمين ومراكزهمخارج بلاد المسلمين، كان أمرًا سيحصل ولو دون هذه العلميات!! وكذا الشعوب الإسلامية قد دُبِّر أمر اضطهادهابليل، سواء حصلت عمليات أم لا!!

ليست موافقة للشرع

إن دليله الأول ينقضه ما سبق من جوابٍ لي في الشبهة السابقة؛ فقد أَثْبَتُّ هناك أن هذه العمليات ليست موافقة لقواعدالشريعة وأدلتها، وأنها جرّت مفاسد لا يعلم بآخرها إلا الله - فنعوذ بالله منها -.

لو سلمنا بصحة الدليل

     لو سلمنا بأن الدليل الذي استند إليه منفِّذو هذه العمليات - لو كانوا مسلمين - صحيح صريح؛ فبقي النظر فيالمفاسد التي وراء ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك بعض الواجبات، خشية حصول مفسدة أكبر،والإقدام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بما يتولد عنهما، وقد سبقت أدلة هذه القاعدة؛ فكيفيقول الكاتب: «عِلما بأن الذي قام بالعمليات - إن كان مسلمًا - فإن معه الأصل، وهو الدليل؛ فإن المصلحةالمطلقةهي باتباع الدليل، فلا ينبغي أن يقال لهما المصلحة مِنْ فِعْلِكَ هذا؟ بل يكفي أن يَرُدَّ بقولهإنالمصلحةأني عملت بالدليل فقط»؟!

قلتألا يعلم الكاتب أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل ابن سلول - وقد سب النبيَ صلى الله عليه وسلم؛فاستحق القتل - حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟

ألا يدري أن الله -عز وجليقول:  {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}.

والكاتب نفسه قرر - كما سبق - أن من لم يصرح بذبح الكفار فهو منهزم مخذولفكيف والآية تنهى عن السب -فضلا عن القتل - للمشركين في حالة الضعف ؟فهل القرآن يدعو للانهزامية والخذلان؟ألا تفرقون بين حالةالضعف وحالة القوة؟وإن هذا ليدلنا على مبلغ فقه الكاتب - ومن كان على شاكلته - في هذا الباب الذي اهتم به السلفأيما اهتمام!!

     وتأمل كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-؛ فقد قال: «فإذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات،أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد؛فإن الأمر والنهي - وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة - فيُنظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوتمن المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته،لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة؛ فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها،وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه   والنظائر، وقلَّ أن تُعْوز النصوصُ من يكون خبيرًا بها وبدلالتها علىالأحكام».اهـ

     وكلام شيخ الإسلام ظاهر في المراد، ولقد تعمدت نقل كلامه  الأخير حتى لا يقالفلان أخلّ بالأمانة العلمية،فأقرر هنا أن المرادأن المرء يعمل بالنص ما لم يزاحمه أو يعارضه نص آخر، ويعمل بالدليل ما لم يترتب عليهتفويت ما هو أهم، أو جلب ما هو شر مما نهى عنه الدليل، أما إذا عارضه أو زاحمه غيره، تعيّن عليه أن يوازن بينالمصالح والمفاسد، وكل ذلك بميزان الشرع، والخبير بالنصوص يُوفَّق في معرفة المصالح والمفاسد؛ فإن تركواجبًا لواجب أهم منه - بعد النظر الصحيح في ذلك - فهو متبع لنصوص الشريعة، ولم يخرج عنها فتأمل.

المصلحة الراجحة

     وقال شيخ الإسلام: «وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أوالمستحبات، لابد أنتكون المصلحة فيه راجحة على المفسدة؛ إذ بهذا بُعثت الرسل، ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمرالله به هو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدينفي غير موضع؛ فحيث كانت مفسدةُ الأمرِ والنهي أعظمَ من مصلحته، لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرِكَواجبٌ، وفُعِل محرمٌ ».اهـ.  

وقال: «لكن إذا لم يَزُل المنكر إلا بما هو أنكر منه، صارت إزالته على هذا الوجه منكرًا، وإذا لم يحصل المعروفإلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا».

فتأمل هذا التفصيل، وهو دال على ما ذكرتُه عنه قبل قليل، وقارن بينه وبين من يقول: «فلا ينبغي أن يقال له – أي:لمن عمل بالدليل عند تعارض المصالح والمفاسد وتزاحمها -: ما المصلحة من فعلك هذا؟ بل يكفي أن يرد بقولهإنالمصلحة أني عملت بالدليل»، فإذا تأملت هذا؛ فستجد الفرق بينهما كالفرق بين السلف والخلف، والله المستعان.

     وأيضًاإذا كنت - أيها الكاتب - تقول بجواز قتل الترس المسلم للمصلحة؛ فلماذا خرجت عن قاعدتك في مسألةالتـترس، واستحببت قتل المسلم المعصوم، مع أن هذا خلاف الدليل؟ أليس ذلك مراعاة منك للمصالح والمفاسد؟!فلماذا لا تنظر لذلك هنا؟وماذا أنت قائل لمن  قاللا يُقتل الترس المسلم، وإن استفحل شر الكفار؛ لأن الأدلة قطعيةفي عصمة دم المسلم، والتمسك بالدليل أعظم مصلحة؟!

اضطهاد الشعوب

وأما دعواه بأن ما جرى للمسلمين من اضطهاد للشعوب، وتضييق على الأعمال الخيرية والدعوية، ونحو ذلك، بأنذلك قد كان سيكون لولم تقع هذه العمليات؛ فيجاب عنه بأمور:

- الأولمع علمي بأن البغضاء للمسلمين موجودة عند أعدائهم، إلا أنه يقالمن أدراك أن هذا كان سيكون كذلك ؟والله -عز  وجل - هو الذي يعلم الغيب {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا}.

- الثانيلو سلمنا بأن هذا كان سيكونفهل هذه العمليات عجّلت به أم لا؟ فإن قلتلم تعجِّل به؛ كابرت، ورد عليكالواقع، فإن الناس رأوا اهتبال اليهود والنصارى لهذه العمليات - والله أعلم ممن هي! - وباغتوا المسلمين فيأفغانستان من رجال ونساء وأطفال، وتعللوا في ذلك بأعذار وادعاءات عدة؛ فمن الذي سيقبل منك أنها لم تؤثر فيأمر الزمان شيئًا؟

واعلم أن تعجيل العقوبة وحلول المصائب من المفاسد؛ فالكفار وإن رسموا خططًا على المدى البعيد لضربالمسلمين؛ فقد تحدث أمور قبل أوان التنفيذ تصرفهم عن خططهم، أو تشغلهم بأنفسهم، أو تقوى شوكة المسلمين،إلخ؛ فهذه العمليات كانت سببًا في تعجيل العقوبة، وفي ذلك مفسدة لا تخفى.

- الثالثولو سلمنا بأن العقوبة جاءت في وقتها دون استعجال العمليات لها، أليس قدْر العقوبة قد زاد واتسع وثقُلبسبب هذه العمليات؟ فإن قلتملا، كابرتم، وإن أقررتم بذلك - وهذا ما كان أحد أسباب تراجع بعض علمائكم عن هذاالفكر - فهل جاءت الشريعة بتقليل المفاسد وتعطيلها، أو بزيادتها وتكثيرها؟

     أليس الواجب عليكم أن تزيلوا الشر، أو تقللوه، فإن عجزتم؛ فلا تزيدوه ؟ فأين الفهم الدقيق للواقع، والنظرةالبعيدة لمعرفة المصالح والمفاسد، كما يُفْهَم من كلام الكاتب - موهمًا بأنه هو ومن هم على شاكلته هم الذين يعرفونالمصالح والمفاسد - بقوله: «إن القول بأن هذا الفعل أوذاك مفسدةُ فِعْلِهِ أعظمُ من مفسدة ترْكه، أو مصلحة ترْكه أعظمُمن مصلحة فعله؛ ليس متاحًا لكل أحد، وليس قولا يتفوه به مَن علِم ومَنْ جَهِل، كلا»!! .اهـ

فإذا عرفت - أخي القارئ الكريم - ما سبق وما سيأتي - إن شاء  الله  تعالى - ظهر لك واقع هذه الكلمات، وأنها كلمةحق يراد بها باطل.

وللحديث بقية إن شاء الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك