الفرق بين دعوة أهل السنة ودعوة أهل البدع والأهواء (2)
نستكمل ما بدأنا الحديث عنه في المقالة السابقة عن الفروق بين دعوة أهل السنة وغيرهم من دعوات أهل البدع والأهواء، الذي قصدنا منها بيان الرتبة العلية لدعوة أهل السنة، فيشكر أهلُها ربَّهم على هدايته إياهم لهذا السبيل؛ فإن شكر النعمة فرع عن معرفتها وتصورها، وأيضًا أردت من ذلك بيان اضطراب الدعوات الأخرى، ليحذر منها المسلمون، ولينخلع منها من وقع فيها، وهو يريد نجاة الدنيا والآخرة.
لا يردون الخطأ بالخطأ
أهل السنة لا يردون الخطأ بالخطأ، إنما يردون الباطلَ بالحق، والضلالة بالهدى، فلا يهمهم أن يصلوا لمرادهم بأي سبيل، فالغاية عندهم لا تضفي الشرعية على الوسيلة، بل لا بد من شرعية الغاية وشرعية الوسيلة، وغيرهم يهمه كسب المواقف، بحق أو بباطل، وهو مستعد أن يلبس لكل مجلس قميصًا، وقد يكون متأولاً، وقد يكون مستبصرًا، والمعافى من عافاه الله عز وجل.
يتبعون المُحْكَم من الأدلة
أهل السنة يتبعون المُحْكَم من الأدلة والمسائل، ويردون الأجزاء إلى الكليات، ويجمعون بين الأشباه والنظائر، ويفرقون بين الأضداد، وكلامهم يشد بعضه بعضًا، وفتاواهم ثابتة مستقرة، وإن تغيرت فلقرينة، وغيرهم يتبعون المتشابه من القول، ولا يبالون أن يجتهدوا في تأصيل أصل، وإن كان ينقض أصولاً سابقة لهم؛ ولذا فكلامهم على مدار الشهر أو أكثر يتناقض، والفتوى ما لم تقيد بالبرهان فلا خطام لها ولا زمام.
يأخذون الدين بشموله
الشمولية عند أهل السنة: الدعوة لكل معروف، والنهي عن كل منكر حسب الاستطاعة الشرعية؛ فأهل السنة هم الكاملون في معتقدهم ودعوتهم وعبادتهم، ومنهج تربيتهم وصفوفهم، وإن وجد تقصير فمن جهة الفرد لا من جهة منهجهم، وليست الشمولية: الانخراط في السياسة العصرية، أو الاعتناء بما يسمى بـ(المسرح الإسلامي) و(الكرة الإسلامية) وغير ذلك مما يصلح أن يقال عليه: هذا من تسمية الشيء بغير اسمه.
لا يكفرون المخالف
أهل السنة يقتصرون على تخطئة المخالف منهم مع معرفة منزلته، وأهل البدعة يكفِّرون من خالفهم، وإن كان من أئمتهم، فيقولون: ارتد أو كفر أو نحو ذلك.
على الحق ظاهرون
كثير من الفرق بمذاهب أهل السنة تتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا تتجاسر، فتراهم لا يفصحون بمذهبهم إلا عند من يثقون به، ويتوارون من الناس من سوء مذهبهم، وخبث طريقتهم، أما أهل السنة فعلى الحق ظاهرون، ولا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
يدعون إلى الاتباع والاجتماع
أهل السنة يدعون إلى الاتباع والاجتماع؛ فهم أهل سنة وجماعة، وغيرهم يدعو إلى اجتماع ولو على خلاف السنة، فيبقى القبوري والخارجي وغير ذلك على ما هو عليه وإن مكث سنوات في الدعوة، فطالما أنه يكثر السواد فقد أدى الذي عليه عندهم!!، وفي مقابل هؤلاء من يعتني بمسألة دون النظر إلى حال الناس وإن تفرقت الأمة، والحق وسط بين طرفين.
يربطون الناس بالدليل الشرعي
أهل السنة: يربطون الناس بالدليل الشرعي، وفهم أهل العلم، وغيرهم يربطون الناس بالبيعات والعهود، فإذا أرادوا أن يصححوا سيرهم، ويلتزموا بمنهج السلف، هددوهم بالأحكام التي تلزم ناقض العهد وناكث البيعة، بعد ما أقنعوهم بأن «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية» مع أن المقصود من هذا الحديث بيعة من ولاه الله أمر المسلمين، واجتمع عليه المسلمون، كما فسّره الإمام أحمد رحمه الله.
لا يتصدر دعوتهم جاهل
أهل السنة لا يتصدر دعوتهم جاهل بالشرع، ولا مثير فتنة، ولا من يلهث وراء الدنيا، بخلاف غيرهم فقد يترأس فيهم من ليس له صلة بالعلم الشرعي أو معتقد السلف، بل ربما تولى مركز التوجيه والقيادة.
أعلم الناس بالحق
أهل السنة أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق؛ فأصولهم وقواعدهم قائمة على استقراء تام، وغيرهم يعرف بابًا من العلم ويضيع أبوابًا، ويقيم أصلاً، ويهدم أصولاً؛ فأهل السنة هم أهل العلم، فتراهم يرحمون الخلق رحمة شرعية، ويعطون لكل قدره، فلا يرفعون وضيعًا، ولا يضعون رفيعًا، ولا يبخسون الناس أشياءهم، ورُبَّ عِلْمٍ عند مبتدع لولا تعريف أهل السنة به لذهب عمله.
ينطلقون من القواعد الشرعية
أهل السنة: ينطلقون من القواعد الشرعية، ولا يطلقون لأنفسهم العنان في التدخل في ضمائر الخلق، إنما يتعاملون مع الناس حسب الظاهر مع الحذر إن احتاجوا لذلك، ويكلون السرائر إلى الله -عز وجل- وأما غيرهم فينطلق من العواطف الحماسية، ويتدخل في ضمائر الخلق، ويُحَمّل كلام الغير مالا يحتمل.
يقبلون النصح بدليله
أهل السنة يقبلون النصح بدليله ولو من مخالف، وغيرهم يعد النصح سبًا لأهل العلم، وربما عده تشهيرًا وتشنيعًا، وأحسن أحواله أن يرده بدعوى أنه نقد ليس بـ«بنَّاء» كما يقولون والحق ضالة المؤمن، حيثما وجدها أخذها.
لم يتنافروا فيما بينهم
أهل السنة وإن اختلفوا في الفهم لم يتنافروا فيما بينهم، وغيرهم يتنافرون تنافر الغربان، وربما حقد بعضهم على بعض، بل ربما لعن خَلَفُهم سلفَهم.
دعوتهم لا تعرف السرية
السرية عند أهل السنة في حدود ما جاء في الشرع، وأما غيرهم فيكتمون حقيقة دعوتهم حتى على العلماء، خشية أن يحذّروا منهم، لو أفصحوا لهم بحقيقة ما يدعون إليه، فينطبق عليهم حديث: «الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» رواه مسلم.
لا يكفِّرون فاعل المعصية
أهل السنة: لا يكفِّرون فاعل المعصية ما لم تكن كفرًا أكبر، ولا يكفّرون مخالفهم في التأويل، ويعرفون آداب الخلاف، ويفرقون في ذلك بين نوع المسائل، وأحوال المخالفين، مع النظر في المصالح والمفاسد.
يحبون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - جميعًا
أهل السنة يحبون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - جميعًا، ويُنزلون كل واحد منهم منزلته، دون إفراط أو تفريط، ويكفون عما شجر بينهم، ويترضون عنهم جميعًا، وغيرهم من أهل البدع، يكفِّر الصحابة أو يفسقهم، أو يتنقصهم، وينشر الكذب في مثالبهم، ويوغر الصدور على أكثر الصحابة، ومنهم من بشر بالجنة، فالله المستعان.
يحبون أولياء الله الصالحين
أهل السنة يحبون أولياء الله الصالحين، ويؤمنون بكراماتهم، ولكن لا يدعونهم من دون الله، ولا يفزعون إليهم في الشدائد، ولا يتوسلون بجاههم ولا ذواتهم، إنما يتوسلون إلى الله بالعمل الصالح، أو بدعوة الصالح من الأحياء، وغيرهم من أهل البدع والخرافات يتخبط في هذا بما لا نهاية له.
يُصَلُّون وراء كل بر وفاجر
أهل السنة يُصَلُّون وراء كل بر وفاجر من المسلمين، ويلقون السلام على من عرفوا ومن لم يعرفوا، وأهل الأهواء لا يصلون إلا وراء من كان على شاكلتهم، ولا يسلمون إلا على من وافق أهواءهم،وإن سلموا على أهل السنة لوّوا ألسنتهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه.
لا يضللون المخالف
أهل السنة لا يتسرعون في رمي المخالف لهم بالضلال ونحوه، ويعلمون أن الحكم على الناس عبادة، لا بد فيها من الإخلاص والمتابعة، ولا يعاملون مجازفة غيرهم بمثلها؛ فإنهم يعلمون أن أعراض الناس حفرة من حفر النار، ولا يجعلون لازم قول مخالفهم قولاً له، إلا إذا التزمه ورضي به، ولا ينزلون نصوص الوعيد على المعين إلا بشروط معروفة عند العلماء، وأما غيرهم فالحكم على مخالفه بالتشهي وبما يخدم حزبه ودعوته فبحرٌ لا ساحل له، وفي سبيل ذلك فإن الدماء والأموال والأعراض حلال عند بعضهم، أو جُلّهم، والله المستعان.
الحق عندهم لا يعرف بالرجال
أهل السنة يَزِنُون الرجال بمقدار تمسكهم بالحق ونصرتهم للسنة، ويقولون: الحق لا يُعْرَف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف الرجال، وغيرهم ربما رفع الرجل لأنه خطيب مفوه، أو ناقد لاذع، أو أنه يُشهّر بالولاة وحاشيتهم، بدعوى أنه جريء في الصدع بالحق!! دون النظر إلى صحة معتقده، أو سلامة نهجه، أو المفاسد التي تترتب من وراء ذلك.
لا يردون إجماع العلماء
طلبة العلم من أهل السنة لا يردون إجماع العلماء إذا ثبت وينبغي معرفة أن هناك من يتساهل في دعوى الإجماع فيدعيها في موضع اشتهر فيهم النزاع، أو يهمل قول المخالف، ويرى خلافه ليس خلافًا.
لا يتشبهون بالمشركين
أهل السنة يبتعدون عن التشبه بالمشركين في كل شيء مما هو من خصائصهم وغيرهم ربما عد ذلك تشددًا أو اشتغالاً بالقشور، فإلى الله المشتكى.
يرون الجرح والتعديل
أهل السنة يرون جواز الجرح والتعديل في كل زمان، إذا قام به من تأهل لذلك، وكان من أهل العلم والحلم، وقصد بذلك الذب عن السنة، وغيرهم يقول بسد هذا الباب، مع أنه قد فتحه لنفسه وأتباعه على مصراعيه.
لاتوجد تعليقات