وقفات مستنبطة مِنْ صُلْح الحديبية للرد على فكر الجماعات الجهادية
إن الذي ينظر في فِكْر الجماعات الجهادية والتكفيرية وفي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وغيره من مواقف سيرته العطرة يجد فروقًا كثيرة، فالواجب على قادتهم وأتباعهم أن يراجعوا أنفسهم تجاه هذه الأمور، وهذه فوارق جُلُّها مستنبط مما جرى في صلح الحديبية، فكيف لو اعتنى بارع لجمع أشباهها من بقية السيرة النبوية؟!
ونظرًا لطول الحديث نكتفي بذكر مقدمته، ونحيل القاريء عليه في صحيح البخاري برقم (2732)، ونذكر تلك الوقفات المستفادة منه لعلنا نستفيد منها في واقعنا الحالي.
قال الإمام البخاري -رحمه الله-: عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ؛ قَالَ النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ»، وَسَارَ النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ.
تعظيم البيت وشعائر الدين
الوقفة الأولى في هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهمه تعظيم البيت، وشعائر هذا الدين، وحرماته؛ ولذا فقد قبل شروطًا جائرة في ظاهرها طَلَبَتْها قريش منه، وقد تشدد المتحدث باسم قريش فيها، وهو سهيل بن عمرو -وكان إذْ ذاك مشركًا- وبدأ ظهور هذا التصلُّب من إنكار سهيل كلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول الصحيفة، فقال: «أمَّا الرحمن: فو الله ما أدري ما هو!!» ولكن اكتب: «باسمك اللهم كما كنت تكتب» فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولما كتب: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» أنكر ذلك سهيل أيضًا، وقال: «لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك» ولكن اكتب: «محمد بن عبد الله» وقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا، ومحا كلمة: «رسول الله» كل ذلك تسهيلاً لمسيرة الصلح، واشترط سهيل قبول قريش من جاء إليها من المسلمين مرتدًّا.
وفي المقابل شرط أن يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاءه من قريش مسلمًا، وفي هذا الشرط من الصَّلَف والتعنت ما فيه، ومع ذلك فقد قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيمًا لحرمات الله، حتى لا يتأزّم الموقف، وتبقى الحرب هي الطريق الوحيد، واشترط سهيل أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، ولا يدخلوا مكة هذا العام، كل هذا لا لشيء إلا من أجل ألا يتحدث العرب أنهم أُخِذوا ضَغْطة!! وهذا مقصد فاسد، هذا مع أن المسلمين مُحْرِمون، وقد ساقوا البُدْن معهم، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، والرسول صلى الله عليه وسلم قد سبق أن أخبر بديل بن ورقاء الخزاعي بأنه ما جاء لقتال أحد، كل هذا لم يشفع عند سهيل - مُمثل قريش آنذاك، والمتحدث باسمهم- لتركهم يطوفون حول البيت، ويسعون بين الصفا والمروة ساعة من ليل أو نهار!! وأيضًا فلم يبال بمشاعر المسلمين عندما يتحدث العرب أن قريشًا ردَّتهم على أعقابهم – وقد عاينوا مكة- دون أن يعتمروا! ولا شك أن هذا مما يثير الحمية، ويقوِّي الهمة للحرب.
شروط أشد تعنتًا
وزاد ممثل قريش فاشترط شروطًا نحو هذه الشروط في التعنت، فمن ذلك: أنهم إذا جاؤوا في العام القابل: لا يدخلون إلا بجلبّان السلاح: السيف، والقوس، وتكون في القِرَاب، ولا يجلس أكثر من ثلاثة أيام، ولا يصطحب أحدًا معه إن أراد الخروج معه، ولا يمنع أحدًا يمكث بمكة ممن كان معه، وهذه الشروط لا تخلو من الغطرسة و«العنجهية» من جانب قريش، وكل هذا يقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا تراق الدماء، وتنتهك الحرمات؛ فهل بعد هذا من تعظيم للحرمات؟! وكل هذا عَمَلٌ بما قال صلى الله عليه وسلم لما بركَتْ ناقته: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يُعَظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»، ثم عَدَل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية، بعد أن كان بالثنية التي يُهبَط عليهم منها، كل هذا ليُبْعد عن قريش أي تفكير في أنه صلى الله عليه وسلم جاء لحربهم، أو إذلالهم أمام العرب .
وقد اشترطت قريش هذه الشروط التي ضاقت منها نفْس عمر، حتى عمل أعمالاً ليكفِّر عما بدا منه، وغضب منها الصحابة -رضي الله عنهم- كما يظهر من إصرارهم على إبقاء ما طلب سهيل مَحْوه، لكن قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلة السابقة، وبلغ الأمر إلى أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا هديهم، ثم يحلقوا رؤوسهم، فو الله ما قام منهم أحد، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فدخل على أم سلمة -رضي الله عنها- وشكا لها ما لقي من أصحابه، فأشارت عليه بأن يبدأ بنفسه في ذلك، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه، ودعا حالقه فحلق رأسه؛ قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
يرون أنهم أصحاب الحق
فقد كان في الصحابة من كان يريد دخول مكة عُنْوة، ويرون أنهم أصحاب الحق، وأنهم قادرون على تحقيق ما جاؤوا له، وكان عمر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر رضي الله عنه : «لِم نرضى الدنية في ديننا؟!» ولا شك أن منهم من استحضر أدلة العزة لله وللرسول وللمؤمنين، وفضل الشهادة في وجه من صد عن سبيل الله، وغير ذلك من أدلة، وكل هذا لم يعوِّل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام، وغلّب جانب الهدوء؛ لفتح مجالات عديدة وآفاق واسعة للدعوة، وبالله ثم بالدعوة والأنصار يتحقق كل ما أرادوه هذا العام بأقل الخسائر في جانب المسلمين، وبالإتيان بقلوب المشركين قبل أبدانهم، فإن من آمن عن رضى وطواعية خير ممن آمن خوفًا من السيف الذي قد يؤول أمره إلى النفاق المفضي إلى الدرك الأسفل من النار!!
سفك الدماء
وأما هذه الجماعات فيأتون بأمور فيها سفك لدماء المسلمين شيبًا وشبابًا، وأطفالاً ونساءً، وكذا قتل المعاهَدين والمستأمَنين، ويكون مآل هذه الأعمال زيادة الضغط على المسلمين، وعلى مناهجهم، وإرادتهم، وسيادتهم، وثرواتهم...الخ!!
تنازل لمصلحة أكبر
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازل مع المشركين لمصلحة أكبر، وهؤلاء لم يتصالحوا أو يعلنوا تركهم لهذه الأعمال مع مسلمين -وإن غلوا فكفروهم- من أجل الحفاظ على دماء معصومة، تراق هدرًا عمدًا أو خطأ!! أو من أجل الإبقاء على ما بقي من هيبة بلاد الإسلام، بدَل انكشاف سوأتها، وتكالب الأعداء عليها!! أليس هذا فارقًا واضحًا بين الدعوتين؟!
شروط مجحفة في الظاهر
الوقفة الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبِلَ شروطًا مجحفة في الظاهر؛ ليأمن جانب قريش، وليتفرغ للدعوة، فلما جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تركت كعْب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذُ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنا لم نجئْ لقتال أحد، ولكننا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرَّتْ بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة، ويُخلُّوا بيني وبين الناس، فإن أَظْهَر: فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أَبَوْا؛ فو الذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنْفذَنَّ الله أمره»؛ فهذا موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرَتِّبًا للأولويات مع قوته ويقينه بالنصر وإن خذله الناس: أولاً: الدعوة والتفرغ لها، وإيجاد جوٍّ هادئ تترعرع فيه وتزدهر، ولو بالصبر على غطرسة العدو.
ثانيًا: ترك الفرصة أمام العدو للنظر والتدبر في الدخول في الإسلام أم لا؟ حتى يدخل عن قناعة وطواعية، لا عن إكراه واضطرار.
ثالثًا: إن أبى العدو إلا الصد عن سبيل الله، وحرب أولياء الله، ليطفئ نور الله، فلابد من التصدي له ممن كان قادرًا حتى يستنفذ كل ما يقدر عليه، مع اليقين بنصر الله -عز وجل- وتمام أمره.
مسالك التفجير
وأما هذه الجماعات فيسلكون مسالك التفجير، وترويع الآمنين، وإقناع الشخص أن ينسف نفسه وغيره...إلخ، وكل هذه الأمور تحول بينهم وبين الناس؛ فيزدادون لهم كراهية، لاسيما من أصابه أو قريب له ضرر من هذه الأمور، ويخاف الآباء على أولادهم بمجرد ذهابهم إلى المساجد؛ خشية الاغترار بهذه الأفكار، ويؤول هؤلاء الشباب وأهليهم إلى ما لا طاقة لهم به، كما أصبح كثير من الناس ضحايا للإعلام الحاقد الذي يريد تشويه الدعوة بكاملها بسبب هذه الأفعال الصادرة من بعض الأفراد، كل هذا تفعله هذه الجماعات مع ضعفهم، وقد تفضي هذه الأمور إلى هروبهم، وتركهم ساحة الدعوة فارغة لأهل البدع والضلالات والشركيات، فكأن قتْل فلان، أو تدمير المنشأة الفلانية أعظم فائدة للإسلام وأهله من الثبات في ثغور الدعوة!!
فرسول الله صلى الله عليه وسلم عظّم شأن الدعوة، وحاول إزالة كل ما يعوقها، وحرص على التخلية بينه وبين الناس، وهذه الجماعات تقدم التفجير على الدعوة!! بل يزدري كثير من أتباعهم القائمين بالدعوة، المنافحين عنها في كل ميدان، وإن كانوا من كبار العلماء، بزعم أنهم مخذِّلون، أو ممن ركنوا إلى الظالمين وأوساخ دنياهم!!
لاتوجد تعليقات