رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 20 أغسطس، 2017 0 تعليق

المسجد الأقصى بين الحقيقة والتأريخ(2) من بنى المسجد الأقصى؟

ليس هناك نص ثابت في أول من بنى المسجد الأقصى، ولكن لا خلاف أن بيت المقدس أقدم بقعة على الأرض عرفت عقيدة التوحيد بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأن الفرق بين مدة وضعهما في الأرض أربعون سنة.

     أخرج البخاري في صحيحه بالسند إلى أبي ذر -رضي الله عنه - قال: قلت: يارسول الله أي مسجد وُضِعَ في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصى) قال: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بَعدُ فصلِّه، فإن الفضل فيه».

     فتاريخ بيت المقدس والمسجد الأقصى هو تاريخ الأنبياء من لدن آدم -عليه السلام- إلى نبينا محمد –  صلى الله غليه وسلم ، واتصل تاريخ بيت المقدس بسيرة الخلفاء الراشدين، والصحابة الفاتحين، والحركة العلمية الإسلامية وتاريخ الجهاد الإسلامي الفذ.

بناء آدم -عليه السلام

     يقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج4 ص 138 ): «واختلف في أول من أسس بيت المقدس، فروي أن أول من بنى البيت - يعني البيت الحرام – آدم عليه السلام، فيجوز أن يكون ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاماً، ويجوز أن تكون الملائكة أيضاً بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكلٌّ محتمل والله أعلم.

     وأورد ابن حجر في الفتح كتاب أحاديث الأنبياء «إن أول من أسس المسجد الأقصى آدم عليه السلام، وقيل الملائكة، وقيل سام ابن نوح عليه السلام، وقيل يعقوب عليه السلام. وقال كذلك: وقد وجدت ما يشهد ويؤيد قول من قال: إن آدم -عليه السلام- هو الذي أسس كلا المسجدين، فذكر ابن هشام في (كتاب التيجان) أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه فبناه، ونَسَكَ فيه.

وذكر السيوطي في شرحه لسنن النسائي: أن آدم نفسه هو الذي وضع المسجد الأقصى، وأن بناء إبراهيم وسليمان تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه.

بناء إبراهيم عليه السلام

     أشار ابن حجر في فتح الباري ج6 ص 407: إلى أن ابن الجوزي ذكر في قول النبي صلى الله غليه وسلم : «أربعون سنة» إشكالاً، لأن إبراهيم -عليه السلام- بنى المسجد الحرام، وسليمان بنى بيت المقدس، وبينها أكثر من ألف سنة، ثم أجاب ابن الجوزي عن هذا الإشكال بقوله: إن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، ثم قال ابن الجوزي: «فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن، وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدأا وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسَّسَهُ غيرهما.

وذكر أكثر المفسرين أن إبراهيم -عليه السلام- قد جدد بناء المسجد الأقصى وأقامه ليكون مسجداً للأمة المسلمة من أبنائه وذريته المؤمنين برسالته ودعوته.

     واستمرت إمامة المسجد الأقصى وبيت المقدس في يد الصالحين من ذرية إبراهيم عليه السلام، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ج1ص184: أنه في عهد يعقوب بن اسحق -عليهما السلام- أعيد بناء المسجد بعد أن هرم بناء إبراهيم عليه السلام. وذكر شهاب الدين المقدسي في مثير الغرام ص134: وكان هذا البناء تجديدا.

بناء سليمان عليه السلام

والثابت بالأدلة الشرعية المعتمدة لدينا -نحن المسلمين- أن سليمان -عليه السلام- بنى المسجد الأقصى، وأن بناء سليمان -عليه السلام- بناء التجديد والتوسعة والإعداد للعبادة لا بناء التأسيس.

     روى النسائي وابن ماجه وغيرهما بالسند إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله غليه وسلم  قال: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثاً: حُكماً يصادف حُكمه، ومُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لايريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال النبي صلى الله غليه وسلم : «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».

قال النووي في شرح مسلم: «ورد أن واضع المسجدين آدم عليه السلام، وبه يندفع الإشكال بأن إبراهيم بنى المسجد الحرام وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من أربعين عاما، بلا ريب فإنما هما مجددان.

     وقال القرطبي (في الجامع لأحكام القرآن): «إن الآية أي قوله -تعالى-: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} «آية 127 البقرة، والحديث (ويقصد بذلك الحديث الذي رواه النسائي) لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان -عليهما السلام- ابتدأا وضعهما بل كان تجديداً لما أسس غيرهما».

     ومما سبق يتبين أن ما قام به سليمان -عليه السلام- في بيت المقدس، ليس بناء لهيكل، وإنما هو تجديد للمسجد الأقصى المبارك كما فعل إبراهيم -عليه السلام- في المسجد الحرام، فهو قبل سليمان وموسى ويعقوب وإبراهيم -عليهم السلام-، ليكون مسجدا للأمة المسلمة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك