نعمة الأمن وأهميتها وسبيل تحققها والحفاظ عليها (1)
إن الأمن والاستقرار نعمةٌ عظيمٌ نفعها، كريمٌ مآلها، وهي مَظَلُّةٌ يستظل بها الجميع مِنْ حَرِّ الفتن والتهارج، وهذه النعمة يتمتع بها الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والرجال والنساء، بل البهائم تطمئن مع الأمن، وتُذْعَر وتُعطَّل مع الخوف واضطراب الأوضاع، وتهارج الهمج الرعاع، فنعوذ بالله من الفتن التي تُعْمِي الأبصار، وتُصِمُّ الأسماع.
وبالله ثم بالأمن يُحَجُّ البيتُ العتيق، وتُعْمر المساجد، ويُرفع الأذان من فوق المنارات، ويَأْمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتُؤَمَّنُ السبُل، وتُرَدُّ المظالم لأهلها، فيُنتصر للمظلوم، ويُردع الظالم، وتقام الشعائر، ويرتفع شأن التوحيد من فوق المنابر، ويجلس العلماء للإفادة، ويرحل الطلاب للاستفادة، وتُحرَّرُ المسائل، وتُعْرف الدلائل، ويزار المرضى، ويُحترم الموتى، ويُرْحم الصغير ويُدَلَّل، ويُحْترم الكبير ويُبَجَّل، وتُوصَل الأرحام، وتُعْرف الأحكام، ويُؤمر بالمعروف، ويُنهى عن المنكر، ويُكرَّم الكريم، ويُعاقب اللئيم، وعلى كل حال: فبالأمن استقامة أمر الدنيا والآخرة، وصلاح المعاش والمعاد، والحال والمآل، وقد حذرنا الله من الفتنة التي يَعُمُّ بلاؤها، فقال - عز وجل-: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} (الأنفال: 25).
امتنان الله على عباده
ولما كان الأمن بهذه المثابة العظيمة؛ امتن الله -سبحانه وتعالى- به على قريش، التي قابلت النعم الكبار بالإباء والاستكبار! وما كان الله -عز وجل- ليمتن- وهو الجواد الكريم - بما ليس بمنة ولا نعمة، فقد قال -سبحانه-: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}.
وقد جاء عند الترمذي من حديث عبدالله بن محصن الخَطْمى -رضي الله عنه - -أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصبح آمنًا في سِرْبه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزتْ له الدنيا بحذافيرها».
الأمن مطلب ضروري
وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -: «فلا شك أن تَوَفُّر الأمن مطلب ضروري، الإنسانية أحوج إليه من حاجتها إلى الطعام والشراب؛ ولذا قدمه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في دعائه على الرزق، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}؛لأن الناس لا يهنؤون بالطعام والشراب مع وجود الخوف، ولأن الخوف تنقطع معه السبل التي بواسطتها تُنقل الأرزاق من بلد لآخر؛ ولذلك رَتَّبَ الله على قطاع الطرق أشد العقوبات، وجاء الإسلام بحفظ الضرورات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، ورتب حدودًا صارمة في حق من يعتدي على هذه الضرورات، سواءً كانت هذه الضرورات لمسلمين أم لمعاهَدين؛ فالكافر المعاهَد له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ٍ: «من قتل معاهَدًا؛ لم يرح رائحة الجنة» والذين يعتدون على الأمن: إما أن يكونوا خوراج، أو قطاع طرق، أو بغاة، وكل من هذه الأصناف الثلاثة يُتَّخَذ معه الإجراء الصارم، الذي يوقفه عند حدِّه، ويكفُّ شره عن المسلمين، والمستأمنين، وأهل الذمة...» اهـ.
سلامة أمن البلاد
فيجب على كل عاقل أن يحافظ على سلامة أمن البلاد، وذلك بالحفاظ على العقيدة الصحيحة أولًا، لقوله -سبحانه وتعالى-: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}، وأن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمة وموعظة حسنة، وأن يحرص على طاعة ربه؛ فإن ذلك جالب لعز الدنيا والآخرة، فالله -عز وجل- يقول: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}.
سبب في زوال نعمة الأمن
وليعلم المرء أن الإعراض عن أمر الله؛ سبب في زوال نعمة الأمن، وحلول الخوف والفزع، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}... الآية، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}، ويقول -سبحانه-: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ }.
المسؤولية الفردية
ويجب أن يشعر كل منا -كل بحسبه -أنه مسؤول بين يدي الله -عز وجل-عن أي إخلال بالأمن من جهته، أو إثارة للفتنة بقول أو عمل، وأن يُنكر على كل من أخل بأمن المسلمين-على أن يكون إنكاره عليه مقيدًا بالضوابط الشرعية - فإن من أخل بأمنهم؛ فقد أخل بدينهم ودنياهم، والناس في هذه الدنيا كقوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فأراد الذين هم في أسفلها أن يخرقوا خرقًا في سهمهم؛ ليستريحوا ويريحوا! فلو تركهم من هم في أعلاها؛ غرقوا جميعًا، ولو أخذوا على أيديهم؛ نجوا جميعًا، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
فالواجب علينا: ألا نجامل، ولا نبالغ في حُسن الظن بمن يفسد أمن البلاد، ومن يفتح على المسلمين أبواب الفتن، ولو كان قصده حسنًا، فالمقصد الحسن وحده لا يكفي، بل لابد من الاتباع الصحيح، والحفاظ على مقاصد الشريعة وبقايا الخير، فالعبرة بما تؤول إليه الأمور.
الصبر على ولاة الأمر
واعلم أنه يجب على كل عاقل -عالمًا كان أم عاميًّا-أن يصبر على الظلم والجور من ولاة الأمور، وأن يلزم منهج السلف في هذا الباب؛ حتى لا يكون من الذين خَلَفوا نبينا محمدًا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أمته بسفك الدماء، وإزهاق الأنفس، وهتك الأعراض، ونهب الأموال.
الاعتبار بالغير
كما يجب علينا أن نعتبر بما جرى في الدول التي حولنا؛ فإنهم قاموا على حكامهم، فما الذي جرى بعد ذلك حتى الآن؟ فنسأل الله أن يجعلنا مفاتيح الخير، مغاليق الشر، وأن يصرف عنا وعن المسلمين الموبقات والمرديات.
تحقق الأمن
ومعلوم أن هذا الأمن لا يتحقق إلا بدولة قوية متماسكة، تحكم الناس وتسوسهم إلى ما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد، ومعلوم - أيضًا-أن الدولة لا تنهض بهذه المهمة العظيمة إلا بأمور، منها: السمع والطاعة من الرعية لولاة الأمور في المعروف، والصبر على الجور والظلم -عند وجود المنكرات -مع النصح بالتي هي أحسن، وتقدير المصالح والمفاسد المترتبة على أي تصرف، مع مراعاة طريقة السلف وحكمتهم، لا حماسة وطيش بعض الخلف!
السمع والطاعة
ولذلك فقد جاءت الأدلة على هذا الأمر، فمن ذلك: قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالسمع والطاعة لولاة الأمور -وإن جاروا -: فقد جاء عند مسلم أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا ؟ فأَعْرض عنه، ثم سأله، فأَعْرض عنه، ثم سأله في الثانية أو الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال له رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلْتم».
وفي البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنكم سترون أثَرة، وأمورًا تُنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: «أدّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم».
فتنة آخر الزمان
وعند مسلم من حديث حذيفة في ذكر فتنة آخر الزمان، قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «... يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس» قال: قلتُ: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك ؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع».
فتأمل هذه الأدلة الصريحة في طاعة ولاة الأمور في المعروف، والصبر على أذاهم، وإن كانت قلوبهم قلوب الشياطين، وإن وُجِدت منهم الأَثَرة والأمورُ المنكرة، وإن ضربوا الظهر، وأخذوا المال، وإن لم يعطوا الرعية حقهم، وألزموهم بحقهم: كل هذا للحفاظ على الأمن وبقايا الخير؛ لأن الخروج على الحكام يُعمي الأعور، ويهلك الحرث والنسل.
وللحديث بقية إن شاء الله
لاتوجد تعليقات