من سمات المنهج الإصلاحي- العمل على تحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها
إذا ازدحم واجبان فالأصل الجمع بينهما، فإن عجز فإنه يفوت الأدنى لتحصيل الأعلى؛ ولا يكون بتركه للأدنى تاركا لواجب
كان الحفاظ على دماء المسلمين المستضعفين في مكة من الأسباب التي منعت من قتال المشركين مع أنهم كفروا وصدوا عن المسجد الحرام ومنعوا وصول الهدي إليه
من أهم سمات أصحاب المنهج الإصلاحي العمل على تحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها؛ لأن الإصلاح في الغالب لا يأتي جملة واحدة، وإنما يأتي متدرجا، ودفع الفساد في الغالب لا يكون إلا متدرجا شيئا فشيئا؛ فأصحاب المنهج الإصلاحي يعملون جاهدين على تعظيم المصالح قدر الطاقة وتقليل المفاسد قدر الطاقة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد فزجره الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تزرموه»، فلما قضى بوله دعا بذنوب من ماء فأهريق عليه، إن بول الأعرابي حين بال في المسجد بلاشك مفسدة وضرر ومنكر؛ ولذلك هَمَّ الصحابة أن يمنعوه، لكن المقارنة الآن بين ضرر في مساحة محددة إذا أكمل بوله فيها وبين احتمال اتساع تلك المساحة إذا أرادوا أن يقطعوا عليه بوله أن يترشش البول في مساحة أكبر أو يصيب ملابسه أو جسده، وفوق كل ذلك سيتأذى الرجل في نفسه، وينفر من صنيعهم معه، فكان اختيار النبي صلى الله عليه وسلم تحمل الضرر الأدنى دفعا للضرر الأعلى؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تزرموه» أي: لا تقطعوا عليه بولته.
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم وبنيته على قواعد إبراهيم»، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يراعي حال القوم وقرب عهدهم من الجاهلية؛ فخشى أن يلقي الشيطان في قلوبهم شيئا إذا هدم النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وأراد بناءها على غير الهيئة التي بنوها عليها، فيؤدي ذلك إلى فتنتهم؛ فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم .
صلح الحديبية
وفي الحديبية حيث أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه يريدون العمرة لا يريدون قتالا؛ فاعترضتهم قريش وظلت المراسلات حتى تم عقد صلح الحديبية الذي احتمل المسلمون فيه الضيم الذي كان منه رجوعهم عن العمرة هذا العام، وأن من أتى من المشركين إلى المسلمين مسلما رده المسلمون إلى المشركين، ومن أتى من المسلمين إلى المشركين لم يردوه؛ وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد ذلك الصلح؛ إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه يا محمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعه لي فإنا لم نقم من مجلسنا. فقال: سهيل إذاً لا عقد بيننا.
فرد النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل إلى سهيل بن عمرو، وكان لهذا أثره الهائل على المسلمين، حتى قال عمر: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ لم نعطي الدنية في ديننا؟ لكن النبي صلى الله عليه وسلم احتمل هذه المفاسد من أجل اعتبارات عظيمة ومصالح جليلة.
اعتبارات مهمة
فمن هذه الاعتبارات التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم حرمات الله؛ ولذلك قال حين بركت الناقة في الحديبية: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها».
- الاعتبار الثاني: حقن الدم المعصوم قال عز وجل: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.
فكان الحفاظ على دماء المستضعفين في مكة الذين أسلموا وتخفوا بإسلامهم من الأسباب التي منعت من قتال المشركين، مع أنهم كفروا وصدوا عن المسجد الحرام ومنعوا وصول الهدي إليه.
- الاعتبار الثالث: مراعاة أمر تعظمه العرب، وهو استهجانهم أن يجتاح رجل قومه؛ فقد قال أحد من أرسلوا من قريش: «لو استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح قومه قبلك؟».
- الاعتبار الرابع: اعتبار إقرار زعماء قريش هم زعماء العرب بالدولة الجديدة، وهذا الإقرار من قريش التي تتزعم قتال النبي[ يعطي بعدا سياسيا مهما لتلك الدولة الوليدة في الجزيرة العربية بأثرها.
- الاعتبار الخامس: اعتبار الدعوة وانتشارها وذلك من جهات عدة:
- من جهة الحفاظ على حياة من معه ليواصل بهم الدعوة.
- ومن جهة أخرى تأمين جبهة شرسة كانت رأس الحربة في قتاله وهي جبهة قريش.
- والجهة الثالثة فتح باب التحالفات، التي ستؤدي إلى التواصل مع القبائل التي تريد الدخول في حلف المسلمين لوجود ضغائن بينها وبين قريش.
- الجهة الرابعة: أن يخلّوا بينه وبين الناس يتوجه إليهم بالدعوة ويتواصل معهم، ولذلك قال لأحد من أرسلتهم قريش إليه: «إن شاؤوا مادتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس».
من أجل هذه الاعتبارات والمصالح العظيمة احتمل النبي صلى الله عليه وسلم تلك المفاسد التي ذكرناها.
قواعد مهمة
لذلك فإن هناك قواعد عدة تؤدي بمجموعها إلى تعظيم المصالح وتقليل المفاسد قدر الطاقة.
- القاعدة الأولى: اعتبار القدرة والعجز
فإن التقصير في المقدور عليه واستفراغ الجهد في المعجوز عنه يؤدي إلى فوات المقدور وعدم تحقق المعجوز عنه، قال عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
- القاعدة الثانية: تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما
فإذا ازدحم واجبان فالأصل الجمع بينهما، فإن عجز فإنه يفوت الأدنى لتحصيل الأعلى؛ ولا يكون بتركه للأدنى تاركا لواجب، ولا يحق لأحد لومه على ما فاته، وإنما يمدح على ما أتى به من واجب ويثاب ويعذر فيما فوت؛ لأنه يكون حينئذ عاجزا عنه لعجزه عن الجمع بين الواجبين.
- القاعدة الثالثة: ارتكاب أخف المفسدتين دفعا لأشدهما
فمن خشي فوات نفسه جوعا جاز له أكل المحرم فيرتكب مفسدة أكل المحرم دفعا لمفسدة فوات النفس بالموت.
وإذا اجتمع محرمان فالأصل الامتناع عنهما جميعا، لكن إذا لم يستطع أن يمتنع عنهما جميعا إلا بارتكاب أحدهما ارتكب أخفهما تجنبا للأعظم، فلو كان أمامه طريقان، طريق فيه مفاسد وطريق فيه مفاسد أعظم، فلو امتنع فرض عليه ما كان فيه المفاسد الأعظم كان عليه أن يسلك الطريق الذي مفاسده أقل، ولا يلام على ما حدث من مفاسد في تلك الطريق التي سلكها، وإنما يمدح؛ لأنه تجنب ما كان أعظم منها.
- القاعدة الرابعة: اعتبار المآلات
وهو أن تأخذ التصرفات والأفعال أحكام ما تؤول إليه؛ فإن كانت تؤدي إلى مفسدة كانت محرمة، وإن لم يكن في الفعل نفسه مفسدة.
قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}. فنهى عن سب الأصنام مع أن في سبها مصلحة تحقيرها في نفوس أهلها؛ لأن ذلك يؤول في النهاية أن يسب عباد الأصنام الله -عز وجل- فعد المآلات ونهى عن سبهم.
- القاعدة الخامسة: الضرر يزال قدر الإمكان
وهذا أصل عظيم؛ فالإنسان لا يترك إزالة العمل على تقليل المفسدة وتقليل الضرر بحجة أنه غير عاجز عن إزالتها كلها، بل هو متعبد بالمستطاع {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
لاتوجد تعليقات