صبرًا غزة… فالرجال لا تموت ودماؤها الوقود
في منتصف ليلة الثلاثاء العاشر من شهر رمضان المبارك بدأ العدو الصهيوني تنفيذ العملية العسكرية ضد قطاع غزة، وقد اتخذ قرار العملية العسكرية عقب انتهاء المهلة التي حدَّدها لوقف رشقات الصواريخ المتجهة للمغتصبات المحاذية لقطاع غزة، التي كانت في تصاعد وتزايد.
وخلال هذه العملية المستمرة قضى أربعة وعشرون شهيداً في اليوم الأول من العدوان، فيما بلغت حصيلة الشهداء حتى مساء الخميس الثاني عشر من شهر رمضان أربعة وثمانين شهيداً، أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، وما زال ارتقاء الشهداء في ازدياد. فيما بلغ عدد البيوت التي قصفت ودمرت بالكامل حتى مساء الخميس (190) وحدة سكنية دمارًا كاملًا، و(630) وحدة ومنشأة تدميرًا جزئيًّا؛ منها (170) وحدة غير صالحة للسكن.
يُذْكر أن عددًا من المنازل قد دمرت على رؤوس قاطنيها، ويقوم الكيان بقصف المنازل دون إبلاغ ساكنيها وترتكب القوات النازية مجازر بحق عوائل بأكملها كعائلة كوارع التي استشهد سبعة من أفرادها أغلبهم من الأطفال، ومجزرة عائلة الحاج التي استشهد فيها الوالد والوالدة وأربعة من أبنائهم، ومجزرة عائلية أخرى بحق عائلة حمد راح ضحيتها شيوخ وأطفال.
ومع استمرار العدوان على غزة تشهد مدن الجنوب المحتل جلاءً وهروباً ونزوحًا من صواريخ المقاومة التي كانت تطلق في الفترة السابقة وحتى قبيل بدء العدوان، فالكيان الغاصب يعيش اليوم في حالة شلل معيشي جراء تواصل الرشقات الصاورخية، فيما يواصل الناطق باسم جيش الدفاع تصريحاته الرامية لبث الطمأنينة في الجانب الصهيوني بأنه تم القضاء على أنفاق المقاومة وصواريخها وكوادرها، ترد عليه رشقات الصواريخ محدثة أضرارا جسمية في القدس وتل أبيب وحيفا.
على الجانب الآخر يعيش قطاع غزة معنويات مرتفعة جدا، رغم الشهداء وهدم المنازل إلا أن الناس تشعر بالنصر المؤزر من خلال رشقات الصواريخ التي باتت تؤرق مضاجع الصهاينة، وعلى الرغم من الإرهاب النفسي الذي يمارسه الكيان من خلال الاتصال بالناس وطلبه منهم إخلاء بيوتهم، إلا أن الناس تشعر بعزيمة عالية وصمود كبير في وجه آلة البطش الصهيونية.
وكانت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس قد اشترطت لعودة الهدوء وقف العدوان على القدس والضفة والداخل والإفراج عن كافة المحررين في صفقة وفاء الأحرار (صفقة شاليط) والالتزام ببنود التهدئة السابقة والكف عن تخريب المصالحة الفلسطينية، وقد أكدت الحركة أن ما قدمته حتى اللحظة هو مجرد رسالة وعبارة عن (قرصة أذن)، والمتعمق في هذا التصريح يجد أن الحركة لديها قدرة على الصمود في المعركة أكثر من أي وقت مضى بل ولديها القدرةعلى إحداث تغيير في موازين القوى؛ ويظهر ذلك جلياً من تحرك المقاومة منذ اليوم الأول؛ حيث كانت المفاجأة عملية (زيكيم) حيث ركب المجاهدون البحر، وقطعوا آلاف الأمتار سباحة،ثم اقتحموا القاعدة العسكرية، وتمكنوا من إحداث خسائر كبيرة عتمت عليها وسائل إعلام العدو، وفضحتها مدى جنونية القصف بُعَيْد العملية على قطاع غزة كافة، وإن كان من مؤشرات لهذه العملية فهي تبرز مدى اهتمام المقاومة بتطوير قدراتها على جميع المناحي، وأنها تقود حرب أدمغة وليس فقط تحفر في الأنفاق.
وفيما يبدي العدو تكتمه على أية خسائر قد تنتج من هذه العملية إلا أن كثافة الضربات وتركيزها يجعلك تشعر وكأن العدو في حالة رد فعل جنوني لا يكاد يجعله يستقر، وحتى هذه اللحظة يصادق العدو على مواصلة العملية، وكأن العدو لا تكفيه قرابة 900 غارة صهيونية ومتفجرات بمقدار حوالي 600 طن على مساحة تقريبية 365كم، بل يصر على تكذيب نفسه بنفسه من خلال التصريحات المتتالية بأنه قضى على القوة الصاروخية للمقاومة، ثم نجد أن الصواريخ تتقدم بمدى أكبر، علها تعجل لنا بنصر الله وفتحه القريب.
غـزة التـي يخْشَـوْنَهـا
غزة.. تلك البقعة الجغرافية الصغيرة من الأرض، التي تمثل ما مساحته 1.3% من مساحة فلسطين التاريخية، تشكل اليوم الموت الزؤام للعدو الصهيوني بفضل الله عزَّ وجل، ثم بفضل مجاهديها الذين أعدُّوا العدَّة، وتحمَّلوا الصعاب لملاقاة أعداء الله اليهود.
غزة المحاصرة النازفة التي تآمر عليها القريب والبعيد، التي مرَّت بحصار ظالمٍ مطبقٍ، اليومَ تنفض الغبار عن جسدها، ولا تبالي بِمَنْ خذلها، وتُصَنِّع سلاحها لوحدها.
ولعل أبرز ما يميز تلك المواجهة الدائرة بين المجاهدين وأعداء الله اليهود هو تلك الصواريخ بعيدة المدى (محلِّية الصنع) التي يطلقها المجاهدون على بلادنا المغتصبة التي غطَّت معظم المدن الصهيونية من الشمال إلى الجنوب، وبالتالي لا مِنَّة ولا فضل لأحد، والشكر لله أوَّلًا وآخرًا.
مجاهدو غزة قذف الله بهم الرعب في قلوب يهود، وأصبح المُحَاصَرُ يحَاصِرُ عدُوَّه؛ فأصبحنا نرى على شاشات التلفزة الإسرائيلية (إسرائيل مشلولة)، (إسرائيل تحت نيران غزة)، (5 مليون إسرائيلي في الملاجئ وفي الغرف المحصَّنة). وفي عناوين صحفهم العبرية البارزة كتبوا: ( أفشل الحروب)، (طبول الحرب الفارغة)، (الضربة ليست حاسمة)، (درب الهروب)، (دولة تحت النار)، (صيف مشتعل).
غزة التي تمنَّى إسحق رابين – قديما- أن يستيقظ فيجد البحر قد ابتلعها!، هي غزة التي مرَّغت أنف (أولمرت) في التراب، وحطَّمت أمجاد (شاؤول موفاز) العسكرية، واغتالت (إيهود باراك) سياسيَّا عقب الحرب الثانية على غزة.
هي نفسها غزة التي جعلت نتنياهو يأتي صاغرًا ذليلًا يستجدي وساطة لوقف إطلاق النار، وبحسب قادة المقاومة فإن الاتصالات تتقاطر تقاطرًا للتوسط، ولكن المجاهدين تركوا الكلام لصواريخهم وبنادقهم على ما يبدو.
وهي التي يخشاها وزير الجيش الحالي (موشيه يعلون) الذي صرَّح بأنه يخشى أن تنفذ حماس هجوما بريًّا وجويًّا وبحريًّا على إسرائيل!! في الوقت الذي يقف فيه جنوده على تخوم غزة بعشرات الآلاف لا يستطيعون التقدم نحو غزة ولو شبرًا واحدًا، ويحسبون ألف حساب قبل الغوص في وحل غزة.
وهذا ما دفع المحللين الصهاينة للقول بأن ما قامت به غزة في أيام معدودة لم تقدر عليه سبعة جيوش عربية بأسلحتها الجويَّة والمدفعيَّة والمدرَّعات خلال خمسة حروب مضت.
رجال غزة ينتظرون العدو كانتظار الأسد لفريسته، ولا أجد أبلغ مما قاله الناطق بلسان كتائب القسام: «يتوعدنا يعلون بالحرب البرّية،وله نقول:
أتتوعدنا بماننتظر يا ابن اليهودية؟ أما والذي رفع السماء بلا عمد فإن نواضح غزة تنتظركم تحمل الموت الزؤام، وسيرى العالم جماجم جنودكم يدوسها أطفال غزة بأقدامهم الحافية، وسنجعل منها فرصة الأمل المنشود لأسرانا وفجر الحرية القريب».
بل إن أبطال غزة لم ينتظروا العدو أن يقدم إليهم، فركبوا البحر وقطعوا آلاف الأمتار غوصًا في البحر، واقتحموا قاعدة زيكيم العسكرية- الواقعة على شواطئ عسقلان البعيدة عن غزة 3 كم تقريبًا- مرَّتين خلال يومين، وأثخنوا في العدو، وشكَّلوا له ضربة استخباراتية، واستراتيجية قوية!، مما دفع جيش الاحتلال ليُصَرِّح بأنه يقاتل أشباحًا؛ يخرجون إلينا يقتلون منًّا، ويختبئون، ولم نرَ جثثهم!.
في غزة الطائرات الصهيونية استخدمت منذ بداية العدوان على غزة (2000) طُنٍّ من المتفجرات للقصف على(1100) موقع في غزة بمعدل غارة كل 4.5 دقيقة، وذلك حسبما أوردت صحيفة هآرتس العبرية، ولا زالت غزة صامدة رافعة رأسها شامخة.
لكل هذا ستنتصر غزة بإذن الله تعالى؛ لأن فيها رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقادم الأيام سيثبت ذلك.
لاتوجد تعليقات