رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني 24 يونيو، 2014 0 تعليق

ضوابط التكفير والتفسيق وأصولهما عند أهل السنة والجماعة (7)

تكلمنا في الحلقة السابقة عن الشروط الواجب توافرها, والموانع الواجب انتفاؤها قبل الحُكم على المعين بالكفر واستكمالا لهذا الموضوع نقول:

إن من شروط التكفير أيضًا: الاختيار, ومقابله الإكراه, وفي كلام بعضهم جَمْع بين القصد والاختيار, وله وجْه؛ إذ لا يُتصور أن رجلاً يختار فعلاً وهو غير قاصد له, وعلى كل حال فالإكراه مانع من موانع التكفير والتفسيق وغيرهما.

والإكراه: هو حَمْلُ الغير قهرًا على ما ينافي رضاه واختياره, أو إلزام الغير بما لا يريده.

وله شروط:

أ- أن يكون المكرِه -بكسر الراء- قادرًا على إنفاذ وعيده.

ب- أن يكون المكرَه – بفتح الراء- عاجزًا عن دفع الضرر عن نفسه, ولو بالفرار.

جـ- أن يغلب على ظن المكرَه -بفتح الراء- وقوع ما هُدِّد به.

د- أن يكون الضرر المترتب على عصيان المكرِه -بكسر الراء- كبيرًا: كقتْل, أو قطْع عضو, أو ضرْب شديد, أو حبْس طويل, أو قطْع رزق يتضرر بقطعه, فإن كان المكرَه -بفتح الراء- من أصحاب المروءات والوجاهة؛ عد في حقه يسير الحبس، والشتم، والأذى المعنوي ضررًا كبيرًا, وإكراهًا, قاله الجمهور. اهـ.

ومن الأدلة على أن الإكراه عُذْرٌ:

أ- قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النحل:106)، والمشهور  في  كتب  التفسير  أنها  نزلت في عمار بن ياسر والمؤمنين الذين عُذِّبوا في مكة.
ب- قوله صلى الله عليه وسلم : «رُفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه»،  وقد سبق.

6- ومن شروط التكفير: القدرة, ومقابلها العجز, ولا شك أن مناط التكليف الاستطاعة, فقد قال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }(الحج:78)، وقال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:286)، وقال عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (الطَّلاق:7)، ويقول عز وجل: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿98﴾فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}(النساء: 98 - 99}.
وهذا النجاشي – رحمه الله- قد عَجَزَ عن الهجرة إلى الرسول 
صلى الله عليه وسلم , وفاتته أحكام كثيرة، لم يعلم بها بسبب عدم قدرته على الهجرة, ومع ذلك أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وصلى عليه صلاة الغائب.

فهذه شروط التكفير التي يجب توافرها, وهذه موانع يجب انتفاؤها قبل الحكم على المعين بالتكفير أو التفسيق أو نحوهما.

ومن هنا صرح العلماء بأنه لا يلزم من إطلاق الحكم العام الحكمُ على المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

فإن قيل: إنما يُعذر بالجهل في التكفير لا التبديع والتفسيق؛ فالجواب من وجوه:

1- أن الأدلة عامة، فمن فرّق فعليه الدليل.

2- أن ما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره؛ مما لم أذكره عام، بل صريح في عدم التفسيق إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، ومن فرّق فعليه أن ينقل عنهم خلافه.
3- أن أدلة التحذير من الكفر أكثر وأشهر في الكتاب والسنة من أدلة التحذير من المفسِّقات، فإذا سلمتم بالعذر في الأكثر وضوحًا؛ لزمكم أن تُسَلِّموا بالعذر في الأقل وضوحًا، أو الأكثر خفاءً، والمشهور في كتب أهل العلم عكس هذا القول، فلا يعذرون في المكفِّرات، ويعذرون فيما هو دونها، والله أعلم.

    فإن قيل: لا عُذر في الأمور الواضحة، ومنها الوقوع في المكفِّرات، إنما العذر فيما هو دون ذلك، أي في المسائل الخفية، فالجواب: أن الأدلة عامة، ومن كان مسلمًا ووقع في مكفِّر ظانًّا أنه من الإسلام – لجهله، أو خطائه، أو تأويله- فلا يُخرج من الإسلام إلا بعد إظهار مخالفته لما ظن فيه الموافق لدين، ومن نظر في صنيع العلماء مع أهل الأهواء الغلاة؛ علم أنهم لم يكفروهم بأعيانهم دون إقامة الحجة، وسيأتي من كلامهم ما يدل على ذلك، نعم إذا وقع في مُكفِّر ليس للقرْبة به معنى أو شبهة، فلا يُعْذر، لكن حتى يتبين هذا من ذاك؛ فلا تكفير، والله أعلم.

     وقد طَبَّق السلف هذا الأصل في التفرقة بين الحكم العام والحكم على المعيَّن تطبيقًا صحيحًا, بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  بين ذلك في قصة الرجل كان يشرب الخمر كثيرًا, ويقام عليه الحد, ويعود لشربها, حتى قال رجل: لعنه الله, ما أكثر ما يُؤتى به, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تلعنوه؛ فو الله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله».

     هذا, مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قد لعن في الخمر عشرة أشياء: «عاصرها، ومعتصرها – أي طالب عصرها- وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراه له»، فلما أنزل بعض الصحابة الحكم العام على المعيَّن دون علمه بمانع يمنع اللعنة في حق هذا الرجل؛ رَدَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  وبين له ما يمنع لعنه بعينه.

ومن أمثلة كلام أهل العلم في ذلك:

1- قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إني من أعظم الناس نَهْيًا عن أن يُنْسَب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية, إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة, وفاسقًا أخرى, وعاصيًا أخرى» أهـ.
ب- وقال أيضًا: «إن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين, وإن تكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين, إلا إذا وُجدت الشروط, وانتفت الموانع, يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفِّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام».

وقال: «حتى يقوم فيه المقتضِي – أي للتكفير- الذي لا معارض له». أهـ.

وقال: «لابد من إقامة الحجة, وإزالة الشبهة».

جـ- وقال ابن أبي العز: «وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد, وأنه كافر؟ قلنا: لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة, فإن من أعظم البغي أن يُشْهد على معيَّن أن الله لا يغفر له, ولا يرحمه, بل يخلده في النار, فإن هذا حكم الكافر بعد الموت” أهـ.

السادس: ومن ضوابط وأصول التكفير: أنه لا يُحْكم على الرجل بلازم كلامه أو مآله, إلا إذا عُرض عليه لازم قوله والتزمه، وأقرّ بأنه قوله أيضًا, وإنما يُحكم عليه بصريح كلامه, وقد يقول بعضهم: لا يلزم من الكفر في المآل الكفْرُ في الحال, أو لازم القول ليس بقول إلا إذا التزمه. 

     وهذا من رحمة الإسلام وعَدْله؛ فقد يتكلم المرء بكلام لا يستحضر لوازمه وما يؤول إليه, فتحميله هذه اللوازم مباشرةً دون معرفة رضاه بها أم لا؛ ليس من الرحمة التي جاء بها هذا الدين, لكن إذا عُرض عليه كلامه, وأُخْبِر بلوازمه الفاحشة التي لا تنفك عنه, فإن قَبِلَها، فيُحكم عليه بما يستحق, وإلا كان متناقضًا, ولا يلزم من تناقضه أن يكون كافرا, فإن التناقض شيء, والكفر شيء آخر, وقد قال الشاطبي: -رحمه الله- : «والذي كنا نسمعه من الشيوخ: أن مذهب المحققين من أهل الأصول: أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال, كيف والكافر ينكر ذلك أشد الإنكار, ويرمي مخالفه به» أهـ.

السابع: لا يَلْزم مِنْ نفْي الإيمان عمن قال كذا، أو فَعَلَ كذا وقوع الكفر أصلاً, فقد يكون هذا لنفْي الكمال الواجب للإيمان, لا لنفْي أصل الإيمان, ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جارُه بوائقَه».

     ونحو ذلك ما ورد في الأحاديث: «ليس منا»، أو «فهو منهم»، أو «لا يدخل الجنة»، أو «فهو في النار»، أو «فقد كفر»، أو «فقد أشرك»، ونحو هذا، فلابد من معرفة المراد بهذه النصوص: هل المراد نَفْي أصل الإيمان، أو كماله الواجب؟ ولا يصح حَمْلها أو حَمْل بعضها على نفي المستحب؛ لأن تارك المستحب لا يقال في حقه: «ليس منا» أو «لا يؤمن» إلخ، ولو تأكدنا من أن المراد نفْي أصل الإيمان؛ فبقي مراعاة الشروط والموانع الأخرى.

الثامن: الكفر مضاد للإيمان, فيكون بالقول والعمل والاعتقاد, كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد, والكفر له أصول وشُعب, كما أن الإيمان له أصول وشُعب, فإذا كان القول أو الفعل أو الاعتقاد ينافي أصل الإيمان, ويوافق أصل الكفر؛ فهو كفر أكبر, وإذا كان ينافي بعض شُعب الإيمان وواجباته, ويوافق بعض شُعب الكفر – التي لم تبلغ إلى درجة أصول الكفر- فهذا نَقْصٌ – بالصاد المهملة- في الإيمان, ونَفْيٌ لكماله الواجب لا أصل الإيمان.

     ومع أن التكذيب والجحود أعظم أنواع الكفر وأُسُّه، لكن الكفر ليس محصورًا فيهما، فالكفر يكون: بالتكذيب، والجحود، والشك، والنفاق، والإعراض، والاستهزاء، والتولِّي، وغير ذلك مما نصَّ عليه أهل العلم، وإن كان بعضها مترادفًا لمعنى واحد، أو داخلاً في نوع آخر من أنواع الكفر، أو عائدًا إليه، إلا أن الحصر للكفر في التكذيب قول مجانب للصواب.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك