الوسطية في تناول الفتوى والاجتهاد والمذهبية والحكم على المستجدات وطريقة التفكير والحكم على الأشياء
لزوم الوسط في الحكم على الأشياء بين أهل العاطفة وسوء الظن وحمل الأمور على الأسوأ، وبين أهل التفريط وعدم أخذ الحذر وسد الذرائع
للفتوى منزلة عظيمة في الدين، وأهلها هم أهل الرفعة في الدنيا والآخرة، لكن حدث في تناولها إفراط وتفريط. فمن الناس من تجرأ على الفتيا وليس لها بأهل، وتزبب قبل أن يتحصرم، فضل وأضل. والدليل على فساد ذلك قصة الصحابي الذي أصابته جنابة ولا ماء، وكان فيه شجة، فأفتاه من حضره من الصحابة بالغسل، وكان زمن برد شديد، فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال»، فهذه آثار الفتوى دون علم على النفس والآخر، وقصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، دليل على أن الجاهل يضر نفسه.
ومن الناس من هو أهل للفتيا، لكن شغل عن ذلك بغير العلم، فضيع علمه، إما لتنافسه على الدنيا، أو لجعل علمه خادما لشهوات أمراء الجور، أو لعدم تمسكه في نفسه وأهله بما يفتي به، فنفر الناس عنه، ونحو ذلك.
ومن الناس من عنده علم في باب من أبواب الفتوى ولم يقتصر على ما رزق، فدخل في غير فنه فأتى بالعجائب والموبقات.
ومن الناس من يحسن الخطابة مثلا، فاغتر الناس به، وظنوا أنه أهل للفتيا في المسائل العامة والخاصة واغتر هو بالأتباع، فخاض فيما لا يحسن فأفسد.
ومن الناس من ادعى إغلاق باب الاجتهاد من وقت قديم، ودعا إلى التقليد فقط.
وأما أهل الحق فسلكوا مسلك الوسط، الذي هو بين الشديد المفرط، والتيسير المنفلت غير المنضبط ولهم في ذلك أمور ومعالم عدة:
1 - أن باب الاجتهاد مفتوح لمن دخله بشروطه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ودعوى إغلاق هذا الباب تضييق لواسع، وحرمان لمن تأهل من مزلة أكرمه الله بها والواقع يثبت ذلك.
2 - أن الاجتهاد منه مطلق، ومنه مقيد وأنه يتبعض، فقد يكون العالم مجتهدا في الشريعة على جميع المذاهب، وقد يكون مجتهدا في مذهب دون غيره، وقد يكون مجتهدا في الحديث دون غيره، أو الفقه دون غيره، وقد يكون عالما في باب من أبواب الفقه دون غيره، دون غيره، كالفرائض، والمناسك، والبيوع.. إلخ.
فأهل السنة يقبلون من كل عالم في بابه ولا يتكلم عالمهم إلا في فنه، ويحيل على غيره فيما لا يحسن.
3 - أن المسائل الشرعية مختلفة المراتب، ولكل مسألة أهلها الذين يتناولونها:
أ - فهناك مسائل فرعية في أبواب الفقه، وتناولها عامة العلماء، إلا إذا خرجت هذه المسائل عن مجاله الذي تأهل فيه.
ب - وهناك خصومات ترجع إلى القضاء والحكام، لا مطلق العلماء.
جـ - وهناك مسائل ونوازل عامة خيرها وشرها يعم الأمة، ولا يقتصر ذلك على طائفة معينة، أو مسائل تتصل بالحرب والسلم والعلاقات الدولية بين المسلمين بعضهم بعضا وبينهم وبين الدول الأخرى ونحو ذلك.
وهذه مسائل لها صلتها الوثيقة بباب الموازنة بين المصالح والمفاسد، فهذه المسائل لا يتكلم فيها مطلق العلماء، فضلا عن جمهور طلاب العلم، بل يتكلم فيها أهل الاجتهاد والاستنباط العام، وقد قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ}(النساء: 83)، وهناك حالات لا يستقل هؤلاء العلماء فيها بالفتوى حتى يجتمعوا بولاة الأمور، وينظروا الأصلح للأمة، فإذا تكلم في هذا النوع من المسائل الأحداث علما وتجربة أفسدوا، وقد وقع ذلك في هذه السنوات، فخاض الأحداث في مسائل التكفير، والحكم بالخروج على ولاة الأمور لظلمهم أو لكفرهم حسب اعتقاد أصحاب هذه الفتوى، وأعلنوا الحرب على كثير من الدول الإسلامية، فضلا عن غيرهم، فكان من آثار ذلك ما كان. والله المستعان.
مع أن هذه المسائل والنوازل لو كانت في عهد عمر رضي الله عنه ، لجمع لها القراء من أهل بدر وأعيان الصحابة.
4 - كتب المذاهب يستفاد من علم أهلها؛ لأنهم الذين فهموا الشريعة وصوروها، فالمطلوب فهم مرادهم ومعرفة مآخذهم وإدراك طريقتهم في ترتيب الأدلة وكيفية جمعهم بين ما ظاهره التعارض، وطريقة مناظراتهم، ومراتب الحجج والبراهين عندهم، وطرق استنباطاتهم، وما يعول على ذلك من غيره وقواعدهم المتفق عليها والمختلف فيها، وأساليبهم في الرد على المخالف، سواء كان من أهل السنة أم غيرهم، لكن لا يلزم من ذلك إغلاق باب الاجتهاد، وإلزام كل الأمة بتقليد الأئمة الأربعة فقط، والنظر إلى نصوص أئمة المذاهب على أنها صالحة لكل زمان ومكان، فإن الشريعة منوطة بالمقاصد، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولكل زمان فهم وأحكام ومصالح ومقاصد يجب مراعاتها على ضوء الثوابت العامة وذلك لتجديد القضايا، فإن الزمن له حركة والمدنية ولادة، والحضارة متوقدة متجددة، أما العامة وأشباههم والعاجزون عن الاستنباط: إما لعدم قدرتهم، أو لضيق وقتهم؛ فلهم أن يقلدوا على قدر حاجتهم، وتقليد منضبط خير من اجتهاد أهوج، هذا هو الوسط بين معطلة المذاهب والغلاة في المذهبية.
5 - لزوم الوسط بين من يرون أن الحق في الشدة للاحتياط، وبين من يرون أن الحق في التيسير والانفلات، وإننا نأخذ بالتشديد في مكانه، وبالتيسير في مكانه؛ وحيث خيرنا بين أمرين لم يرد في أحدهما نص، اخترنا أيسرهما ما لم يكن إثما، كما هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا منهج في الفتوى، والبحوث، والمقالات، والمحاضرات، والتربية.
6 - لزوم الوسط بين من غلا في الاهتمام بالمصالح ودرء المفاسد، حتى أخذ بالمصالح المتوهمة، ولم يراع شروط هذه القاعدة، وبين من جفا فرأى إلغاء المصالح مطلقا، وأن النظر في النصوص كاف، والأخذ بظاهرها هو المصلحة، وهذه الوسطية منشؤها أن الشريعة معللة مبينة على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن فاته العلم بقواعد الشريعة ومقاصدها، فإنه يفوته تحقيق هذه الشريعة.
7 - لزوم الوسط في الحكم على الأشياء بين أهل العاطفة وسوء الظن وحمل الأمور على الأسوأ، وبين أهل التفريط وعدم أخذ الحذر وسد الذرائع؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد من منهج قائم على قواعد صحيحة في الحكم على الأشياء، والأوضاع، والأشخاص، والأفكار، والنوايا والمقاصد، والمجتمعات، والدول، والعلماء والدعاة، وبقية الناس، فمن رام الدعوة والإصلاح لزمه لزوم هذا المنهج الوسط، والله -عز وجل- يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}(الإسراء: 36)، ويقول سبحانه: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}(الأعراف: 33)، ولو كان لكل أحد أن يحكم ويفتي دون الرجوع إلى هذا المنهج، لما كان الفقهاء قليلين في الأمة!
8 - لزوم الوسطية في منهج التفكير بين العقل الجامد والعاطفة الجامحة، فالعقل مطلوب دون إلغاء العاطفة، والعاطفة والحماس للدين مطلوبان، لكن دون غياب العقل السليم ورعاية النص، وعاطفة الخوارج أضرت بالأمة، وهل قتل علي إلا بعاطفة طائشة من عبدالرحمن بن ملجم؟ وهذا المنهج في التفكير قائم على النظر بين البدايات والمآلات، والتفرقة بين الواقع الكائن، والأمثل الذي ينبغي أن يكون، ففرق بين الواقع والتنظير، والمثالية في حدود المتاحات لا في خيال الطموحات؛ فهناك أمور سهلة في التنظير مستحيلة في التطبيق، فهل يجوز لحملة الشريعة أن يعيشوا بين أسارى الخيالات؟ فالمصلح الذي يصلح الواقع، لا الذي يأتي بتنظيرات يكره بسببها الواقع، أو يجانبه الواقع.
لابد في هذا المنهج أن يقوم على التفرقة بين حالة السعة والاختيار، وحالة العجز والاضطرار، وحالة القوة والاستخلاف من حالة الفرقة والاستضعاف، كمن يريد الجهاد أو الإنكار باليد وليس له قدرة على ذلك.
ولابد في هذا المنهج من مراعاة المخاطبين، فكلام يذكر عند طائفة ولا يذكر عند أخرى لسوء فهمهم، أو سوء تطبيقهم، أو استغلالهم هذا الكلام واتخاذه ذريعة لباطلهم، أو يفهم منها مشابهة الأعداء، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(البقرة: 104)، خشية أن يفهم أن المسلمين يريدون بها ما يريده اليهود من الرعونة والغلظة والشدة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تنبيه:
استفدت رؤوس المسائل وعددا من الفوائد المذكورة مع زيادات كثيرة من عندي من كتاب (الوسطية والاعتدال) للشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله تعالى-.
لاتوجد تعليقات