(أنجولا) جرح جديد ينزف في جسد الأمة
فوجئ العالم الإسلامي يوم الإثنين 25 نوفمبر 2013 بإعلان وزارتي الثقافة والعدل في أنجولا حظر الديانة الإسلامية في البلاد، وما رافق ذلك من إجراءات تضمنت إغلاق العديد من المساجد في جميع أنحاء أنجولا، متجاهلين حق الجالية المسلمة في حرية العقيدة الذي يكفله دستور البلاد.
وجاء في القرارات التي نقلتها وكالة الأنباء الأنجولية (أنجوب) عن وزيرة الثقافة (روزا كروز داسيلفا): إن الإجراءات الجديدة هي وسيلة لمحاربة الجماعات الدينية الجديدة، التي تتعارض مع عادات أنجولا وتقاليدها وثقافتها، و«بما أن وزارة العدل وحقوق الإنسان لم تقنن ممارسة المسلمين لشعائرهم بعد، فإن المساجد سيتم إغلاقها حتى إشعار آخر».
وكان (ديفيد جا) -ممثل المسلمين في أنجولا- قد ندد الشهر الماضي بإغلاق المساجد وهدمها في كافة أنحاء البلاد متحدثًا عن اضطهاد سياسي وعدم تسامح ديني.
وتسوغ السلطات الأنجولية عمليات هدم المساجد على نطاق واسع بدعوى عدم الحصول على التراخيص لإقامة الشعائر الدينية الإسلامية، في الوقت الذي تمنع فيه وزارة العدل إعطاء أي رخصة لبناء مسجد بدعوى أن المسلمين المتشددين غير مرغوب فيهم على تراب أنجولا.
تصريحات متطرفة
ويأتي هذا القرار بعد أيام من تصريحات اللورد (بيرسون) البريطاني؛ الذي اتهم فيه الجاليات الإسلامية في المملكة المتحدة بإيواء آلاف الإرهابيين المحتملين، وهي إشارات مخيفة للمسلمين في كل أنحاء العالم بأنهم الضحية المثالية للقرن الواحد والعشرين.
وكانت صحيفة (لانوفال تريبيون) الصادرة في جمهورية (بنين) نقلت عن محافظ العاصمة الأنجولية قوله: إن «المسلمين المتطرفين» غير مرحب بهم في بلاده، وأوضح أن الحكومة ليست مستعدة لتقنين وجود المساجد في البلاد.
من جهتها ذكرت صحيفة (ذي لاس فيجاس جارديان إكسبرس) أنه تم حظر الدين الإسلامي لتكون أنجولا أول بلد في العالم يتخذ مثل هذا الموقف القاسي ضد المسلمين.
ونقلت الصحيفة ذاتها عن (كروز) أن قرار إغلاق المساجد هو الخطوة الأخيرة في جهود البلاد من أجل الطوائف الدينية غير المشروعة، بموجب القوانين الجديدة التي ستجعل اعتناق عدد من الديانات جريمة.
حملة قديمة:
وهذه الحملة التي تشنها الحكومة الأنجولية على الإسلام والمسلمين ليست مفاجأة، أو وليدة الأيام الأخيرة؛ ففي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الحريات الدينية في العالم عام 2009، أشار إلى أن الحكومة الأنجولية تشعر بالقلق تجاه الإسلام، وأنها ستحقق في جميع أنشطة المساجد، معتقدة أن الإسلام لا يتوافق مع ثقافة البلاد وتقاليدها، وقد كلفت السلطات جهاز المخابرات الأنجولي الداخلي، بإعداد تقرير حول أنشطة المساجد، وقد بدأ الجهاز في إعداد هذا التقرير، ووصف التقرير الإسلام بالديانة الغريبة عن ثقافة البلاد وتقاليدها، وعموماً فإن مواقف السلطات الأنجولية تجاه الإسلام تتسم بالسلبية.
وانتقد تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الحريات الدينية في العالم عام 2011م ممارسات الحكومة الأنجولية؛ حيث أفاد التقرير أن الحكومة الأنجولية تفرض قيودًا تؤثر على المنتمين للأقليات الدينية في البلاد وممارستهم لشعائرهم؛ حيث تفرض الحكومة الأنجولية حدًا أدنى لعدد المنتمين لأي ديانة من أجل أن تعترف بها رسميًا، ولا تعترف الحكومة سوى بـ 83 مجموعة دينية فقط في البلاد، ولكنها لم تسجل أية مجموعات دينية أو أديان أخرى منذ عام 2004م، وقد تقدمت أكثر من 900 منظمة بطلبات لتسجيلها رسميًا في البلاد منذ عام 1991م، ولكن محاولاتها باءت بالفشل، بما في ذلك المجموعات الدينية الإسلامية، ويعتقد أن هناك ألفي منظمة تستمر في العمل في البلاد بدون أية وضعية قانونية، وتسمح الحكومة لهذه الجماعات بأن تتواجد، وأن تعمل وأن تنمو، ولكن بدون أي اعتراف رسمي بها.
وفي أبريل الماضي عقدت الحكومة ورشة عمل لمناقشة المخاوف المتعلقة بانتشار عدد من الجماعات والعقائد الدينية غير التقليدية، وهي في تعريف الحكومة: (الجماعات غير المنتمية أو المتفرعة من الديانة المسيحية السائدة في البلاد).
وقد صرح قادة المجموعات الإسلامية في البلاد أن المسلمين لا يستطيعون ممارسة شعائر دينهم بحرية؛ لأن الحكومة لا تعترف بالإسلام، ودائما ما كانت تتدخل من أجل إغلاق المساجد والمدارس والمراكز المجتمعية التابعة للمسلمين، وعلى الرغم من أن المسؤولين الحكوميين يؤكدون على أنهم يقومون بحماية الجماعات الدينية غير المعترف بها قانونًا، ولا توجد سياسة ممنهجة لإغلاق المساجد أو المنشآت الإسلامية الأخرى، إلا أن هناك تقارير متعددة عن إغلاق مساجد ومنع بنائها في البلاد.
وفي يناير 2012 منعت الشرطة في مدينتي دوندو ولوندا نوتر المسلمين من بناء مساجد هناك، على الرغم من حصولهم على رخصة للبناء، وقامت الشرطة بتدمير أساسات المساجد، ووجهتهم للبناء في مناطق أخرى غير تلك التي اختاروها، وعندما بدأت عملية البناء في الموقع الآخر، قامت الشرطة مرة ثانية بهدم الأساسات، وأخبرتهم أنه غير مسموح لهم ببناء مساجد على الإطلاق.
وفي مايو 2012 في مدن (كويتو وبي)، قامت هيئة التفتيش الجنائي التابعة للشرطة بإغلاق أبواب مبنى سكني وتجاري يعتقد أنه كان يستخدمه المسلمون مسجداً، وقال ممثلو الهيئة: إنهم لديهم أوامر بإغلاق المبنى، ومنعوا المسلمين من الصلاة فيه، وقد كتب زعماء المسلمين في تلك المدن والبلدان خطابات مناشدة للهيئة للسماح لهم بالصلاة، ولكنهم لم يتلقوا أية ردود.
انتقاد دائم للمسلمين:
كما يقوم الزعماء الدينيون المسيحيون وقادة المجتمع بانتقاد الإسلام في مختلف اللقاءات وفي الصحافة أيضًا، وفي أبريل 2012 قام أحد المشاركين في ورشة عمل تنظمها الحكومة بشأن انتشار الأديان غير التقليدية «وهو مصطلح يشار به إلى غير الديانة المسيحية» بانتقاد الإسلام وقال: إنه «غير مرحب به في أنجولا».
وفي يونيو 2012 نشرت صحيفة إليكترونية مقالاً بعنوان: (دفاعًا عن المسيحية في أنجولا: الإسلام بذور الخراب)، وعلق عشرات القراء مؤيدين لما جاء في تلك المقالة ووجهة نظر كاتبها.
إدانات واستنكارات:
واستدعت هذه الممارسات ردًّا سريعًا من الأزهر الذي طالب الحكومة الأنجولية بتوضيح حقيقة عدم ترحيبها بوجود المسلمين وهدمها للمساجد، وتحديد موقف صريح من ذلك.
ودعا الأزهر المواطنين المسلمين في أنجولا لأن يكونوا دعاة سلام وأمن وأخوة وطنيّة، وطالب المُنظمات الإسلاميَّة بإرسال لجنة لتقصي الحقائق والأوضاع الخاصة بالمواطنين المسلمين.
بدوره استنكر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بشدة هذه الانتهاكات، وأوضح أن الحكومة الأنجولية اتخذت هذا القرار بحجة أنها لا ترحب «بالمسلمين المتشددين» على أراضيها، لافتًا إلى أنها هدمت مسجدًا في بلدية (فيانازانغو) بالعاصمة (لواندا) يوم 17 من أكتوبر 2013م.
كما طالب الاتحاد منظمة الأمم المتحدة بالتدخل العاجل لإنصاف الأقلية المسلمة في أنجولا، والدفاع عن حقها في ممارسة شعائرها الدينية.
وأبدت منظمة التعاون الإسلامي قلقها من أنباء حظر الإسلام في أنجولا، داعية المجتمع الدولي لاتخاذ قرار حاسم ضد القرار الأنجولي.
وعَدَّ مفتي الديار المصرية شوقي علام أن حظر الإسلام في أنجولا لن يستفز المسلمين هناك؛ بل سيغضب مليارًا ونصف مليار مسلم حول العالم.
استمرار القمع والاضطهاد
وفي الأشهر الأخيرة تزايد الحظر والقمع كثيرا ضد المسلمين، على الرغم من نفي السلطات الأنجولية لهذه الممارسات، فقد أكد أحد أئمة مساجد العاصمة الأنجولية، ويدعى (محمد ماتيوس)، الأنباء التي تداولتها مواقع إخبارية بوجود حملة للتضييق على المسلمين وغلق المساجد في أنجولا.
وقال الإمام: إن أكثر من خمسين مسجدا أغلقت في المحافظات الأنجولية، وإن مساجد (لواندا) مهددة بالإغلاق أيضا.
وقال المسؤول عن الجالية في (سوريمو) بولاية (لوندا سول) (شمال)، (إدواردو كابيا) (65 عاما): إن «الحكومة تقول شيئا، ولكنها على الأرض تعمل خلاف ذلك؛ لأن إغلاق المساجد لا يزال متواصلا».
وقال (كابيا) -المسؤول عن الجالية في (سوريمو) بولاية (لوندا سول)- «قبل شهرين اضطر مسجدنا إلى إغلاق أبوابه تحت ضغوط السلطات المحلية، ونحن نصلي فرادى في منازلنا».
وبحسب الجالية المسلمة، فإن مساجد أخرى اضطرت إلى إغلاق أبوابها في محافظات عديدة، مثل: (لوندا نورتي) و(وزاير) (شمال أنجولا)، و(هوامبو وهويلا)، و(موخيكو) (جنوب وشرق أنجولا).
من جهته قال (أنجليكو برناندو دي كوستا) (36 عاما) وهو كونغولي مسلم يقيم في العاصمة لواندا: «قبل أيام تعرضت إحدى بناتي لمضايقات لدى خروجها لابتياع الخبز بسبب ارتدائها الحجاب»، معربا عن خشيته من أن تسود مشاعر العداء للمسلمين ولا سيما النساء.
لاتوجد تعليقات