رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ عادل نصر 2 يوليو، 2013 0 تعليق

الدعوة السلفية وقضية الدماءما أشبه الليلة بالبارحة

نعم ما أشبه الليلة بالبارحة؛ حيث يشغب البعض على موقف الدعوة السلفية المباركة من قضية الدماء؛ حيث أعلنت الدعوة رفضها القاطع في سفك الدماء المعصومة وحرصها التام على سلامة جميع أبناء الأمة، وذالكم موقف ثابت للدعوة عبر تاريخها الذي يستمد ثباته ووضوحه من نصوص القرآن والسنة التي حذرت من سفك الدماء بغير الحق، وعظمة حرمة المسلم، بل شددت في ذلك أيما تشديد، فعلماء الدعوة وشيوخها عن علم وبصيرة نطقوا وبأدلة أوضح من شمس النهار، أفتوا بخلاف أولئك الذين يشغبون؛ حيث يغلب على كلامهم الهوى والاندفاع والجرأة في أمر لا تحمد الجرأة فيه ويعظم شأنه، ووضعت الشريعة له الضوابط والقيود الصارمة، وزيادة في الإيضاح وإتمامًا للفائدة أبني كلامي على مقدمتين:

- الأولى: ذكربعض نصوص القرآن والسنة في هذا الشأن عملاً بقول ربنا عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} (النساء: 59).

- الثانية: عودة إلى السنوات الماضية من عمر الصحوة أخذًا بالدرس والعبرة واستفادة من التجارب السابقة.

 أما الأولى: فها بعض نصوص الوحيين التي تبين حرمة الدماء وعظم شأنها قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ}(النساء: 93)، ومدح الله – عز وجل – عباده المؤمنين بقوله: {لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}(الفرقان: 68).

     وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصيب دمًا حرامًا«، وبيَّن صلى الله عليه وسلم : «لزوال الدنيا أهون عند الله – عز وجل – من سفك دم امرئ مسلم»، ولم لا؟ والمسلم أعظم حرمة عند الله – عز وجل – من الكعبة كما بيَّن صلى الله عليه وسلم ، والأحاديث في ذلك كثيرة.

ولذا قال عبدالله بن عمر: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج منها سفك الدماء بغير الحق» فمال الناس اليوم لا يبالون بكل هذا.

أما المقدمة الثانية: وهي نظرة سريعة نلقيها على التاريخ – أعني: تاريخ الصحوة – استلهامًا للدرس والعبرة واستفادة من تجاربه فأقول وبالله التوفيق: إن كثيرًا ممن يشغبون اليوم على موقف الدعوة هم من اختلفوا معها قديمًا في هذا الباب؛ حيث أعلنوا آنذاك في المواجهة المسلحة غير عابئين بالدماء وحرمتها زاعمين أن هذا جهاد في سبيل الله، وأداء للفريضة الغائبة، فرفضت الدعوة هذا المسلك وتصدت للشبهات، وأوضح علماؤها أن للجهاد شروطًا وضوابط وأحكامًا لابد من مراعاتها، وتكلمت عن أهمية مراعاة تحقيق المصالح ودرء المفاسد.

     قال شيخ الإسلام – رحمه الله –: «إن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها»، وحسبك دليلاً على هذا {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الأنعام: 108)، وكذا قاعدة وجوب النظر في المآلات؛ حيث قال الشاطبي – رحمه الله -: «إن النظر في المآلات معتبر شرعًا للمفتي»، وحسبك دليلاً على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – رضي الله عنها -: «لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم»، وهكذا عدم قتله للمنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، بل إن الله – عز وجل – أخر فتح مكة حفاظًا على دماء من أسلم، وكان يكتم إيمانه خيفة على نفسه من قومه، قال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ}(الفتح: 25).

     قال العلامة ابن كثير: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أي لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلاً ذريعًا.اهـ.

     وبدلاً من أن يستجيب أصحاب هذا المسلك للحق إذا بهم يرمونا - ساعتها - بأفظع التهم، ومعلوم أن من لم يراع حرمة الدماء فلن يعبأ بأعراض المسلمين، ومضت الأيام وأثبت الواقع صحة ما ذهبنا إليه، وأقر أصحاب هذه الوجهة بخطئهم، وذلك لما ترتبت المفاسد والمضار على صنيعهم، وتعطلت المصالح وتأخرت الدعوات وأزهقت الأرواح، وفتن من فتن، حينئذ أدرك القوم خطأ مسلكهم ووقع ما قاله الحسن البصري: «إن الفتنة إذا أقبلت رآها كل عالم وإذا أدبرت رآها كل جاهل».

وكما قال القائل:

نصحت لعارض وإخوان عارض

                                        فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك