رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ذياب أبو سارة 15 يونيو، 2026 0 تعليق

همس القلم – «جُليبيب».. «هذا مِنيّ.. وأنا مِنه»!

ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا، قال: لكني أفقد جليبيبًا؛ فاطلبوه، فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مِني وأنا مِنه! هذا مِني وأنا مِنه! قال: فوضعه على ساعديه ليس له إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فحفر له، ووضع في قبره، ولم يذكر غُسلاً..  يا لها من تزكية خالدة: «هذا مِني وأنا مِنه».. إنها شهادة نبوية عظيمة، تكشف أن قيمة الإنسان في الإسلام لا تُقاس بالمظهر ولا بالنسب ولا بالمال؛ وإنما بما يحمل في قلبه من إيمان، وما يقدمه في سبيل الله من بذل وتضحية. «كان جُليبيب رضي الله عنه من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لكنه لم يكن ذا مالٍ ولا جاهٍ، ولا يلفت أنظار الناس؛ لكن ميزانه عند الله ورسوله كان عظيمًا بالإيمان والصدق واليقين، وقد أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكرمه، فعرض عليه الزواج وخطب له ابنة رجل من الأنصار؛ فكان قبول الفتاة شاهدًا على تعظيم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ رضيَت حين علمت أن الاختيار جاء من النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -.

مسجد جليبيب:

         وبالمناسبة فقد صلّيت ذات مرة -مصادفة- في مسجد (جُليبيب) -القريب من السوق- فتذكرت ذلك الحديث النبوي العظيم، وتفاجأت بأن خطبة الجمعة في ذلك المسجد باللغة البنغالية لكون معظم المصلّين فيه من الجالية البنغالية، وكان الخطيب فيه صحيح العقيدة ملتزمًا بالسّنة، وقد افتتح خطبة الحاجة بالعربية ثم تحدث بلغة الحضور.. ولمّا تأمّلت؛ رأيت المصلّين من حَوْلي يتابعون الخطبة باهتمام وكأنّ على رؤوسهم الطير؛ فقلت في نفسي: عجبًا لي ولهؤلاء الأعاجم.. فإني لم أحتمل سماع خطبة واحدة بغير العربية.. بينما هؤلاء القوم يحضرون في كل المناطق -بحكم سُكناهم - في مساجد العرب ويصبرون على الخطب -قصيرها وطويلها- دون تذمر وهم لا يفقهون مما يقال إلا شيئًا قليلاً!! بل إني رأيت في أكثر من مرّة كيف يتلون كتاب الله -وهو عليهم شاقّ- وقد لا يفقهون منه إلا القليل وعلى الرغم من ذلك تجد أعينهم تفيض من الدمع خشوعًا وإيمانًا.. فأدركت حينها كم نحن مسؤولون عن كون العربية -لغة القرآن الكريم- لغتنا، وكيف نفقه من القرآن ونعرف من معانيه العظيمة ما يغيب عن أولئك الأعاجم -الذين ربما يتمنّون أن يكون بلغتهم -..

عبرة وعظة

         وهكذا خرجتُ من مسجد جُليبيب بمعنى لم يكن عابرًا؛ فكما علّمنا هذا الصحابي الجليل أن قيمة العبد ليست فيما يراه الناس من صورةٍ ومالٍ ونسب؛ بل فيما يعلمه الله من صدق القلب وحقيقة الإيمان، فقد علّمني أولئك المصلّين معنى آخر من معاني التعظيم: تعظيم كلام الله، وتعظيم بيوت الله، والصبر على الطاعة ولو مع مشقة اللغة وقلة الفهم، وإنها رسالة لنا -نحن أهل العربية قبل غيرنا- ألا تكون ألفة اللسان سببًا في غفلة القلب، ولا سهولة فهم القرآن حجة علينا لا لنا؛ فكم من أعجميٍّ يتلو القرآن -وهو عليه شاقّ- فتدمع عينه، وكم من عربيٍّ يمرّ على الآيات فصيح اللسان غافل الجَنان!!
  • رحم الله جُليبيبًا، ورضي عنه، وجمعنا به في الصالحين، ورزقنا إيمانًا صادقًا يرفعنا عنده، ونسأل الله أن يجعل العربية في قلوبنا بابًا لفهم كتابه، لا مجرد لسانٍ نعتاد به القراءة دون تدبر..

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك