من إدارة الأزمات.. إلى صناعة الإستقرار
ملف العدد
تماسك دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التحديات من إدارة الأزمات.. إلى صناعة الاستقرار
1- دول الخليج كيان متماسك وقوة موحدة 2- الكويت تمد يد الخير.. وإيـران ترسـل الصـواريخ!! 3- العدوان بين مسارات الإثبات وآليات التعويض.. قراءة تحليلية 4- قراءة في تداعيات الحرب ومستقبل الخليج هناك حقيقة لا يمكن إنكارها: إن دول مجلس التعاون الخليجي ليست مجرد أسماء دول على خريطة، بل كيان متماسك، وقوة موحدة، وجسد واحد يواجه العواصف معًا، وفي خضم العدوان الإيراني الأخير، وبين أصوات الحرب والتلاعب بالمصالح، أثبتت هذه الدول أن الثبات والصبر ليسا شعارات فقط، بل منهج حياة وتجربة عملية عميقة، امتدادًا لخبرة نصف قرن من الأزمات والتحديات، إنها لحظة نستلهم فيها من التاريخ، ومن أحداث حرب الخليج العربي على وجه الخصوص، كيف أن الاتحاد والعمل المشترك يُحوّلان المحن إلى فرص للتلاحم والتماسك. وكما يعلمنا الدين الحنيف، فإن المؤمنين -كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم - كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهكذا، تظل حكمة قادة دول الخليج العربية وثقة شعوبها وإيمانهم بالله أساس صمود هذه المنطقة، وإطارًا لاستثمار القدرات والمكانة الدولية، وتحويل التحديات إلى فرصة لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار.- الإيمان بالحكمة الإلهية في تدبير شؤوننا ثم الثقة بقدراتنا ومقدرات شبابنا يُعد الضمان الحقيقي لصمودنا أمام كل تحدٍّ
- المصير المشترك لدول الخليج العربي واقع يقوم على التكاتف والتخطيط الحكيم والعمل المتواصل في سبيل تحقيق التنمية والأمن والرفاه لشعوب المنطقة
- تتمثل قوة دول الخليج العربي في حكمة قادتها وعلاقاتهم المتينة فيما بينهم وبين قادة العالم فضلاً عن الأيادي البيضاء الممتدة للمساعدة في الدول المحتاجة
- تعزيز الأمن والدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي أصبح أمرًا حتميا مع ضرورة العمل على التوازن في العلاقات الدولية وربطها بالمصالح العليا للمنطقة
- أثبتت الأزمة الحالية الحاجة الملحّة لبناء منظومة خليجية أكثر قوة تتناسب مع دورها في تصدير الطاقةبمقدار ربع صادرات النفط في العالم
- ظلت مواقف الكويت عبر العقود شاهدًا على نهج راسخ في إغاثة المنكوبين دون تمييز؛ فقد قدمت مساعدات إنسانية وإغاثية متعددة لإيران، شملت مواجهة الكوارث الكونية

1- من إدارة الأزمات.. إلى صناعة الإستقرار
- تعيش منطقة الخليج العربي ظروفا استثنائية جراء العدوان الإيراني منذ إعلان بدء الحرب بين، إيران من طرف وأمريكا ودولة الاحتلال من جهة أخرى، وذلك في يوم السبت 28 فبراير الماضي وحتى هذه اللحظة، وقد سارعت إيران بردة فعل غير مسوغة بالهجوم على دول الخليج العربية؛ زاعمة أن العدوان عليها ينطلق من قواعد أمريكية في تلك الدول، الأمر الذي حدا بدول المنطقة إلى استنكار هذا الزعم، وبيان الدور الذي أكدته دول الخليج العربية مرارًا، وهو عدم تدخلها في الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، وإن وجود قوات أجنبية على أراضيها هو حق سيادي لحماية مواطنيها من أي اعتداء خارجي فضلا عن التدريب والتنسيق، وقد غادرت معظم هذه القوات مع بداية الحرب، فلم تبق ذريعة لإيران باستهداف دول الخليج العربية، بل سرعان ما انكشفت هذه الادعاءات باستهداف مواطنين أبرياء ومبان مدنية ومنشآت حيوية باعتداء غير مسوغ، وكأن دول مجلس التعاون دولة واحدة تواجه مصيرًا مشتركًا طارئًا، وكان تعاون دول الخليج العربية مثار إعجاب واهتمام من العالم. لأنه يجسد قول رسولنا - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وقد أمر الله -تعالى- بالصبر والمصابرة في مواجهة الأعداء، واعداً المؤمنين بمعيته ونصره، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، وقال -جل في علاه-: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} (آل عمران: 120)، وأمر بالاعتصام به -جل وعلا-؛ فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: 103).
الثقة بقدراتنا وإمكاناتنا
- وفي هذا السياق، لا تحتاج دول الخليج العربي لتسويغ حجم الظلم الواقع عليها، والعدوان المتكرر الذي تخطى كل الشعارات العاطفية التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ بل الواجب الآن هو الثقة بالله أولا ثم بقدراتنا وإمكاناتنا، وما يقدمه شبابنا من تضحيات في الأجهزة الأمنية والخدمية على حد سواء؛ فلقد أثبتت حكومات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قدرتها على التعامل مع الأزمات بحكمة، كما إن الظروف الحرجة التي مرت بها المنطقة على مدى نصف قرن - بدءاً من سقوط نظام شاه إيران سنة 1979، مروراً بالحرب الإيرانية العراقية 1980-1988، وغزو دولة الكويت عام 1990م، وتحشيد الدعم العربي والدولي، وصولاً إلى حرب إسقاط نظام صدام حسين 2003، وحركات الربيع العربي 2011، وجائحة فيروس كورونا 2019، وأخيرًا حرب الظل بين أمريكا ودولة الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى (حرب الـــ 12 يوما) - جميعها أثبتت قدرة المنطقة على الصمود والتنسيق، مصداقا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
منظومة متينة من التعاون والتنسيق
- كل هذه الظروف الحرجة أدت -مبكرا- إلى التنسيق وأبرزت فكرة إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وبناء منظومة متينة من التعاون والتنسيق في شتى المجالات؛ مبنية على الدين الإسلامي، واللغة العربية، والتاريخ المشترك ، وحرصًا على تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة؛ وذلك مصداقا لقوله-تعالى-:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)؛ ما حفز الدول الخليجية على تعزيز العمل المشترك وبناء القوة الإقليمية الملائمة، وقد أفرزت تلك التجربة خبرة كافية في التعامل مع الأزمات والحروب، واكتسب مجلس التعاون الخليجي من خلالها زيادةُ حكمة وقدرة على حماية شعوبها ومقدراتها، وهذه المواقف -بلا شك- تعكس للعالم أن هذه الدول قادرة على إدارة الأزمات بوعي ورشد وتأنٍّ.

العدوان سيزول
- لا شك أن حالة العدوان الحالية ستزول - بإذن الله -، لكن آثارها ستظل ملموسة على مدى سنوات، من حال التوجس تجاه الدولة المعتدية وكيفية التعامل معها، هذه الحال تفرض علينا جميعا التكاتف والتلاحم بطريقة أشمل؛ حيث لم يعد بناء الدول القُطْرية وحده بشكل مستقل كافيًا، بل أصبح من الضروري تعزيز الروابط الإقليمية وتوثيق العلاقات وبناء القوة والأمن اللازمين، ليعيش المواطن الخليجي في استقرار دائم بعيدا عن الحروب والصراعات، وينشغل في مشروعات التنمية والبناء، ويستغل الثروات الربانية النفط والغاز بما يعود بالنفع على الجميع.
بناء منظومة خليجية قوية
- كما إن الأزمة الحالية أثبتت الحاجة الملحة لبناء منظومة خليجية أكثر قوة؛ فلدول الخليج العربي دور محوري يتمثل في تصدير الطاقة ربع صادرات النفط في العالم (25% - 27%) وأكثر من عشر صادرات الغاز عالميا (13%)، كما أنها تطل على المنافذ المهمة في الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب، ما يستدعي ضرورة استثمار هذه المنافذ واستغلالها لتعزيز مكانتها وقدراتها، إلى جانب النظر إلى البحر الأبيض المتوسط بوصفه منفذًا إضافيًا من خلال التعاون مع بعض الدول العربية المطلة عليه، وبناء شراكات استراتيجية تعزز التوازن الإقليمي في المنطقة.
حكمة القادة ومكانة السعودية
- ولا يمكن إغفال المكانة الكبيرة للمملكة العربية السعودية في العالم الإسلامي، بوصفها الدولة التي تحتضن الحرمين الشريفين، وتقود دفة التوحيد، ويتوجه إليها العالم الإسلامي باعتبارها قلب الأمة النابض، ما يجعل السعودية والدول الخليجية الأخرى رائدة في قيادة الشرق الأوسط، والعمل الحثيث من أجل تجميع الرأي العربي والإسلامي حول القضايا المهمة، والأزمات الملحّة، كما يجب التأكيد على أن قوة الخليج العربي يتمثل في حكمة قادتها وعلاقاتهم الودية فيما بينهم وبين قادة العالم أجمع، كما إن الأيادي البيضاء الرسمية والأهلية التي تمتد لتساعد دول العالم المحتاجة، لهو رصيد حيوي في بناء القوة الخارجية.
تعزيز الأمن والدفاع المشترك
- كما إن تعزيز الأمن والدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي أصبح أمراً ضرورياً، مع ضرورة العمل على التوازن في العلاقات الدولية وربطها بالمصالح العليا للمنطقة، والدعوة المستمرة للحوار والسلام، وتأمين صادرات النفط والغاز، وتعزيز مكانة دول الخليج مصدرا موثوقا للطاقة، والحرص على تقليل أثر الأزمات على الاقتصادات المحلية والتنمية.
سُنَن يدبرها الله -تعالى- بحكمته
- وهذه السُنَن يدبرها الله -سبحانه وتعالى- بحكمته - وليس الفوضى أو الحماسة أو العاطفة -، وطالما أن جذوة الإيمان متقدة في النفوس، فإن ذلك يكفينا طمأنينة بأننا على الحق، كما إن التمحيص والصبر على الشدائد والمحن، علامات سابقة للنصر والتمكين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».

مواجهة المحن بالثبات والصبر
- ولقد ذكر الله -عز وجل- ذلك في كتابه فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 155)، مشيراً إلى أن مواجهة المحن بالثبات والصبر جزء من منهج الثقة بالله، والاعتماد على قدراتنا وإمكاناتنا في التعامل مع الأزمات، بما يحقق الأمن والاستقرار والازدهار لشعوبنا.
الضمان الحقيقي لصمودنا
- من هنا فإن الثقة بقدراتنا ومقدرات شبابنا، والإيمان بالحكمة الإلهية في تدبير شؤوننا، تُعد الضمان الحقيقي لصمودنا أمام كل تحدٍّ، وتؤكد أن المصير المشترك لدول الخليج العربي ليس مجرد شعار، بل واقع قائم على التكاتف، والتخطيط الحكيم، والعمل المتواصل في سبيل تحقيق التنمية والأمن والرفاه لشعوب المنطقة.
الخاتمة
إن ما تمرّ به منطقة الخليج العربي ليس أزمة عابرة، بل محطة تكشف عمق ترابط دوله، واختبار لقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص؛ وقد أثبتت هذه المرحلة الحرجة أن المصير المشترك لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها تعقيدات المرحلة، فَوحدة الصف الخليجي، المدعومة بالإيمان وحكمة القيادات، تمثل صمام الأمان وركيزة الاستقرار، ما يستدعي ترسيخ التعاون والانتقال إلى مبادرات استراتيجية تعزّز المكانة وتحفظ المكتسبات، وإذا كان العدوان إلى زوال - بإذن الله - فإن الدرس الباقي أن القوة في التماسك، وأن الأمن ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار، وأن التنمية رهينة الازدهار؛ لذا فإن الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الدفاع والتكامل الاقتصادي، مفاتيح لمستقبل أكثر رسوخًا، ويبقى الأمل معقودًا على هذا الوعي الجمعي والروح المتآلفة، ليظل الخليج نموذجًا في التكاتف، سائرًا بثقة نحو غدٍ آمن ومصيرٍ مشترك.
لاتوجد تعليقات