قرار وزاري من وزارة الصحة الكويتية .. منع ممارسات العلاج بالطاقة وحظرها
- الممارسات المحظورة واسعة ومتنوعة وتشمل عشرات التطبيقات المرتبطة بالطاقة والشاكرات والترددات وقانون الجذب وغيرها
- لا تتوافر إحصاءات وطنية حديثة تحدد انتشار كل ممارسة في الكويت وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث والدراسة
- يتفق الشرع والعلم على ضرورة ثبوت الأسباب ومنع الخداع وحفظ النفس والمال ويضيف الشرع التحذير من المعتقدات والطقوس المخالفة للتوحيد
- الشريعة لا تجعل كل شيء سببًا مشروعًا؛ بل يشترط في السبب أن يكون ثابتًا شرعًا أو حسًّا وتجربة معتبرة، وألا يشتمل العلاج على اعتقاد باطل أو وسيلة محرمة تخالف عقيدة التوحيد
لم تعد ممارسات «العلاج بالطاقة» و«قانون الجذب» و«تنظيف الشاكرات» و«الإسقاط النجمي» وغيرها مجرد أفكار هامشية تُروَّج تحت مظلة التنمية البشرية؛ فقد تجاوز بعضها هذا الإطار إلى ادعاء علاج الاضطرابات النفسية والجسدية، ومنح ممارسوها أنفسهم ألقاب «المعالج» و«المستشار» و«الخبير»، مع وعود بعلاج القلق والاكتئاب والصدمات، بل وجذب المال والزواج والشفاء، وأمام هذا التوسع، جاءت الخطوة الحاسمة من وزارة الصحة الكويتية؛ لتصدر في 16 أغسطس القرار الوزاري رقم (225) لسنة 2026 بشأن تنظيم تراخيص مزاولة العلاج والاستشارات النفسية، ولم يقف القرار عند تنظيم التراخيص وضبط الممارسة المهنية، بل وضع حدًّا واضحًا أمام تسلل الوهم إلى ميدان العلاج، بحظر تقديم أو الترويج للممارسات التي تفتقر إلى الأدلة العلمية والمهنية المعتمدة بوصفها علاجًا نفسيًا؛ في خطوة مهمة لحماية المريض، وصيانة الممارسة العلاجية.
أولًا: نص القرار الوزاري
ينص القرار على أنه: لا يجوز لأي شخص أن يقدم نفسه باعتباره معالجًا أو مستشارًا نفسيًا، ولا أن يقدم خدمات نفسية حضوريا أو عن بُعد، إلا بترخيص مهني صادر عن إدارة التراخيص الصحية، ويمتد ذلك إلى مراكز التدريب والاستشارات الاجتماعية والأسرية والمنصات الإلكترونية؛ فلا يجوز لها تقديم دورة أو ورشة أو برنامج يحمل في مضمونه تدخلًا نفسيا أو سلوكيا علاجيا إلا من خلال ممارس مرخص ومنشأة صحية مرخصة، والأهم أن القرار قرر قاعدة واضحة: العبرة بحقيقة النشاط ومضمونه وأثره، لا بالاسم الذي يوضع عليه. وبذلك لا يكفي أن يغيّر الممارس عبارة «علاج نفسي» إلى «تطوير ذات» أو «تحرير مشاعر» أو «توازن داخلي» إذا كان في حقيقة الأمر يشخّص مشكلات نفسية أو يدّعي علاجها، ومنح القرار المكاتب والشركات التي كانت قد بدأت إجراءات الترخيص قبل صدوره ستة أشهر لتعديل أوضاعها، بينما ألزم العاملين في القطاع الحكومي بتوفيق أوضاعهم خلال 18 شهرًا.أبرز الممارسات التي أوردها القرار
- العلاج الطاقي: الريكي، العلاج البراني.
- معتقدات الطاقة: الشاكرات، الأورا أو حقل الطاقة، توازن طاقة الأنوثة والذكورة.
- ممارسات كونية: الإسقاط النجمي، العلاج الكوني، بذور النجوم.
- البرمجة والتوجيه: البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، والهندسة الذهنية والنفسية، والبرمجة المعرفية.
- التفكير والإيحاء: قانون الجذب.
- التحليل الزائف: تحليل الخط علاجيا، تحليل لغة الجسد.
- علاجات حسية: العلاج بالألوان، والأصوات، والموجات، والذبذبات والكريستالات.
ثانيًا: حجم الظاهرة في الكويت
توجد شواهد واضحة على وجود الظاهرة بالكويت وانتشار الإعلان عنها منذ سنوات، لكن المشكلة أن حجمها العددي الدقيق لم يتم قياسه حتى الآن -بحسب ما أمكن الوصول إليه من دراسات منشورة-؛ فقد نشرت صحيفة «الراي» الكويتية منذ عام 2018 تحقيقًا بعنوان «الطاقة تغزو الكويت» تحدث عن إعلان دورات الطاقة إلكترونيا وعقد بعضها في الفنادق والمكاتب والمجمعات التجارية، وتقديم جلسات منزلية بمبالغ مالية، وانتقال هذه الأنشطة من نطاق محدود إلى الإعلان المفتوح عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما إن دراسة أكاديمية محكَّمة صدرت عام 2025 بعنوان «العلاج بالطاقة الكونية بين الفقه الإسلامي والقانون الكويتي: الريكي أنموذجًا» خلصت إلى أن تأثير الريكي لم يثبت في الدراسات العلمية المعتمدة، وأن تقديمه للعلاج قد يرتبط في القانون الكويتي بمسائل انتحال الممارسة الطبية والاحتيال والإعلانات المضللة، وهذا يعني أن قرار 2026 لم يولد في فراغ، وإنما جاء بعد سنوات ظهر خلالها قطاع غير منظم يخلط بين التدريب والتنمية والعلاج.ثالثًا: لماذا تمثل هذه الممارسات خطرًا؟
الإشكالية في هذه الممارسات لا تقف عند ممارسة تمارين أو ترديد عبارات إيجابية، وإنما خطورتها في تحولها إلى ادعاءات علاجية أو اعتقادات غيبية بلا دليل شرعي أو علمي؛ فقد يُقنع المصاب بالاكتئاب أو نوبات الهلع بأن معاناته ناتجة عن «طاقة سلبية» أو «انسداد الشاكرات»، فيتأخر عن العلاج المتخصص، ويتحول الوهم إلى ضرر صحي حقيقي. وتزداد الخطورة باستغلال حاجة المريض وإيهامه بأن فشل العلاج سببه ضعف «طاقته» أو قدرته على «الجذب»، بما يعمق شعوره بالذنب وتعلقه بالممارس، أما ادعاءات «جذب المال والزواج»، و«إرسال الطاقة»، و«رفع الذبذبات» و«تنظيف الهالة»، فإن قُدِّمت باعتبارها قوانين كونية أو وسائل مؤثرة بذاتها في الأقدار والأحداث، فهي تفتقر إلى الدليل العلمي، وقد تشتمل شرعًا على اعتقادات باطلة ومنازعة لما اختص الله به من تدبير الكون وعلم الغيب.
رابعًا: الموقف الشرعي
يتقاطع موقف الشريعة من هذه الممارسات مع التنظيم الصحي لها في قاعدة كبيرة هي أن الأسباب لا تثبت بمجرد الدعوى، فالمسلم مأمور بالتداوي والأخذ بالأسباب الصحيحة، مصداقًا لقول النبي -[-: «تَدَاوَوْا عبادَ الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»، لكن الشريعة لا تجعل كل شيء يسمى علاجًا سببًا مشروعًا؛ بل يشترط في السبب أن يكون ثابتًا شرعًا أو حسًّا وتجربة معتبرة، وألا يشتمل العلاج على اعتقاد باطل أو وسيلة محرمة تخالف عقدية التوحيد، ومن هنا يمكن تقسيم الإشكال الشرعي في هذه الممارسات إلى ثلاثة مستويات:(1) مخالفة عقيدة التوحيد
بعض مدارس «الطاقة» ذات الجذور الشرقية لا تستخدم مصطلح الطاقة بمعناه الفيزيائي القابل للقياس والتحقق العلمي، وإنما تفترض وجود «طاقة حياة» أو قوة كونية تسري في الموجودات، ويمكن -بحسب تصورها- استمدادها وتوجيهها لتحقيق الشفاء أو التأثير في الإنسان والأحداث، وهي دعاوى لا يقوم عليها دليل علمي تجريبي معتبر. أما شرعًا، فإذا اقترنت هذه الممارسات باعتقاد أن لقوة كونية خفية تأثيرًا مستقلًا، أو أنها تجلب النفع وتدفع الضر أو تؤثر في المقادير دون سبب شرعي أو حسي ثابت، فإن المسألة تتجاوز الجانب العلاجي إلى باب الاعتقاد والتوحيد؛ قال -تعالى-: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأعراف: 188)، وقال -سبحانه-: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} (الأنعام: 17). ومن هنا حذّر عدد من أهل العلم والجهات الشرعية المعاصرة من صور الريكي والشاكرات و«العلاج بالطاقة لأنها تقوم على معتقدات وطقوس فلسفية ودينية مخالفة للتوحيد.(2) ادعاء السببية دون دليل
حتى لو خلت هذه الممارسات من أي معتقد مخالف لعقيدة التوحيد، فلا يجوز وصفها بأنها علاج أو نسبة الشفاء إليها من غير دليل معتبر؛ ففاعلية العلاجات تَثْبُت بالدراسات العلمية المنضبطة، لا بالتجارب الشخصية أو الادعاءات غير الموثقة، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)، ولذلك لا يصح الادعاء بأن الأحجار أو «الذبذبات» أو «فتح الشاكرات» تعالج القلق أو الاكتئاب ما لم تثبت فاعليتها بأدلة علمية موثوقة، وخلت من أي مخالفات شرعية معلومة، وهو ما ينسجم مع توجه التنظيم الكويتي في منع تقديم الممارسات غير المثبتة علميا بوصفها علاجًا نفسيا.(3) الغش وأكل أموال الناس بالباطل
حين يدفع المريض مالًا مقابل علاج لم تثبت فاعليته بدليل علمي معتبر، مع إيهامه بقدرته على الشفاء، فإن الأمر لا يقف عند الخطأ العلمي، بل يدخل في الغش وأكل أموال الناس بالباطل؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، وقال -تعالى-: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} (النساء: 29)، ومن هنا يصبح تضليل المرضى بادعاءات علاجية غير مثبتة قضية تتداخل فيها المسؤولية الصحية والشرعية والقانونية.خامسًا: إشكال عقدي قبل أن يكون نفسيا
لا شك أنَّ الأخذ بالأسباب الشرعية والتفاؤل وحسن الظن بالله ووضع الأهداف والتخطيط لها كل ذلك مشروع ومطلوب، وليس هو محل الاعتراض، لكن الخطير في تلك الأفكار والممارسات الاعتقاد بأن مجرد التفكير والتركيز وإرسال «ذبذبات» معينة إلى الكون يؤدي إلى تحقيق النجاح وجذب المال والصحة والزواج والنجاح، فالفرق كبير بين أن تقول: «سأحسن الظن بالله وأعمل وأجتهد وأدعو»، وبين أن تقول: «أفكاري ترسل ذبذبات إلى الكون فتجذب إليّ الأحداث التي أفكر فيها»، فالأول توكل وأخذ بالأسباب، والثاني تحويل للفكرة النفسية إلى «قانون كوني» لم يقم عليه دليل علمي ولا شرعي، وعقيدة أهل السُنَّة والجماعة أنَّ الأقدار بيد الله، مع أمر الإنسان بالسعي: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (النجم: 39)، فالإسلام لا يبني الحياة على «اجذب ما تريد»، وإنما على: آمن، واعمل، وادع، وخذ بالأسباب، ثم ارض بما يقدره الله لك.سادسًا: أسباب انتشار هذه الممارسات
انتشار هذه الممارسات لا يعني بالضرورة أن جمهورها قليل الثقافة؛ بل يمكن أن يقع فيها المتعلم كذلك؛ لأنها تقدم في قالب نفسي جذاب وتستخدم مصطلحات تبدو علمية: «طاقة»، و«ذبذبات»، و«ترددات»، و«برمجة»، و«عقل باطن»، و«تنشيط جيني»، و«مجال طاقي»، ويزيد انتشارها حين تتوافر أربعة عناصر: شخص يعاني، ووعد سريع بالحل، ومدرب يمتلك خطابًا مؤثرًا، ومنصة رقمية لا تسأل كثيرًا عن الدليل، كما أنَّ الإنسان بفطرته يبحث عن حل سهل للألم؛ ولذلك فإن الوعد بـ«جلسة تغير حياتك» أكثر جاذبية من رحلة علاج طويلة تحتاج تشخيصًا ومراجعة وتدرجًا وصبرًا.
لاتوجد تعليقات