مداد حواء – مرفأ الكَلِم .. المدرسة تبدأ قبل أول يوم..
- المدرسة ليست مجرد مكان للحصول على الدرجات، وإنما بيئة يتعلم فيها الإنسان العلم والانضباط والتعاون وتحمل المسؤولية
يازي العنزي
مع بدء العام الدراسي، تنشغل الأسر بتفاصيل العودة: زيٌّ مدرسيٌّ جديد، وحقيبة، ودفاتر، وأقلام، وقائمة طويلة من المستلزمات التي تشغل البيوت؛ غير إن ثمة استعدادًا أعمق من كل ما تشتريه الأسرة، وأشد أثرًا في نجاح الطالب واستقراره؛ إنه الاستعداد الذي يبدأ من داخله؛ فالطالب لا يدخل المدرسة بحقيبته وحدها، وإنما يدخل إليها بما تحمله نفسه من مشاعر، وما اعتاده من سلوك، وما اكتسبه من عادات، وما تكوّن لديه من تصور عن التعلم والمدرسة والنجاح؛ ولهذا فإن تجهيز الطالب للعام الدراسي لا ينبغي أن يُختزل في الجانب المادي، بل هو عملية تربوية متكاملة تشترك فيها الأسرة والطالب والمدرسة.
البداية من النفس
بعد أسابيع طويلة من الراحة والانطلاق، قد تبدو العودة إلى نظام الدراسة انتقالًا مفاجئًا للطالب؛ فقد اعتاد ساعات نوم مختلفة، ووقتًا أوسع للعب، ومساحة أكبر للترفيه، ومن هنا تأتي أهمية التهيئة التدريجية، حتى لا يشعر الطالب أن المدرسة انتزاع مفاجئ لحريته؛ بل انتقال مألوف إلى مرحلة جديدة.
ومن الخطأ أن تبدأ الأسرة حديثها عن المدرسة بالتهديد والوعيد: «إن لم تدرس ستفشل»، أو «هذا العام سيكون أصعب»، أو «لا نريد أن نرى درجاتك منخفضة»؛ فمثل هذه العبارات قد تجعل المدرسة في ذهن الطالب مرتبطة بالخوف والضغط قبل أن تبدأ الدراسة أصلًا، والأجدر أن يُفتح معه حديث مختلف: ماذا ترجو أن تتعلم هذا العام؟ ما المهارة التي تريد أن تتحسن فيها؟ ما الشيء الذي تحب أن تحققه؟ وبذلك تتحول العودة من مصدر للقلق إلى فرصة للنمو والإنجاز.
تنظيم الحياة قبل تنظيم الحقيبة
من أهم ما يحتاج إليه الطالب مع بدء الدراسة استعادة ترتيب يومه تدريجيًا؛ بتنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ، وتوزيع وقته بين الدراسة والراحة والعبادة والواجبات؛ فالتدرج يسهّل الانتقال إلى الروتين المدرسي، ويجعل الانضباط مهارة تعين الطالب على إدارة يومه وتحمل مسؤولياته.
أن نُعلِّمه الاستقلال لا الاتكال
ومن أجمل ما يمكن أن تقدمه الأسرة للطالب قبل المدرسة أن تمنحه مساحة مناسبة من المسؤولية؛ فبدل أن تقوم الأم بكل شيء: تجهيز الحقيبة، وترتيب الملابس، وإحضار الأدوات، وتذكير الطالب بكل مهمة؛ يمكن أن تُشركه في هذه الأعمال بما يناسب عمره، يختار بعض مستلزماته، ويرتب حقيبته، ويجهز ملابسه، ويتعلم المحافظة على أدواته؛ فقد تبدو هذه الأعمال بسيطة، لكنها تبني في الطالب معنى مهمًا: أنا مسؤول عن نفسي.
والاستقلالية لا تعني أن تترك الأسرة الطالب وحده؛ وإنما أن تنتقل به تدريجيًا من الاعتماد الكامل إلى القدرة على القيام بما يستطيع القيام به بنفسه، وقد أكدت توصيات تربوية حديثة أهمية تدريب الطالب على ترتيب أغراضه وتنظيم وقته قبل بدء الدراسة؛ لما لذلك من أثر في تعزيز ثقته بنفسه.
لا نريد طالبًا يخاف من الخطأ
ومن الضروري أن تُصحح الأسرة مفهوم النجاح في ذهن أبنائها؛ فالطالب الذي يعتقد أن قيمته مرتبطة بدرجته وحدها قد يعيش العام الدراسي في خوف دائم من الخطأ؛ أما الطالب الذي يتعلم أن الخطأ مرحلة من مراحل التعلم، وأن المطلوب منه أن يبذل وسعه ويتقدم عن مستواه السابق، فإنه يكون أكثر قدرة على المحاولة والاستمرار، ولهذا ينبغي أن يكون السؤال بعد عودته من المدرسة أوسع من: «كم أخذت؟»؛ فلنسأله أيضًا: ماذا تعلمت؟ ما الشيء الذي أعجبك؟ هل واجهت أمرًا صعبًا؟ هل احتجت إلى مساعدة؟ فالحوار اليومي الهادئ يفتح للوالدين نافذة على عالم الطفل، ويتيح له أن يتحدث عن مشكلاته التعليمية والاجتماعية والنفسية قبل أن تتحول إلى عقبات أكبر.
الأسرة شريك في صناعة الطالب
ليس دور الأسرة إن تراقب الدرجات من بعيد، كما أن دور المدرسة لا يبدأ وينتهي عند جدران الفصل؛ فالطالب ثمرة بيئة متكاملة، تتعاون فيها الأسرة مع المدرسة، ويجد فيها الطالب القدوة والتوجيه والمتابعة والتشجيع، ومن المهم أن يكون الوالدان نموذجًا لما يطلبانه من أبنائهما؛ فإذا أردنا منهم الانضباط، رأوه في حياتنا، وإذا أردنا منهم القراءة، وجدوا الكتاب حاضرًا في البيت، وإذا أردنا منهم احترام الوقت، رأونا نحترم مواعيدنا؛ فالطالب لا يتعلم من التعليمات وحدها، وإنما يتعلم كثيرًا مما يراه يتكرر أمامه كل يوم.
المدرسة بداية طريق لا موسم درجات
إن أجمل ما يمكن أن نغرسه في أبنائنا: أن المدرسة ليست مجرد مكان للحصول على الدرجات، وإنما بيئة يتعلم فيها الإنسان العلم والانضباط والتعاون وتحمل المسؤولية، ويكتشف فيها قدراته، ويخطئ ويتعلم، ويكوّن صداقات، ويتدرج في بناء شخصيته؛ ولذلك فإن تجهيز الطالب الحقيقي لا يكون بكثرة المشتريات، ولا بكثرة التعليمات، ولا بإغراقه بالواجبات قبل أن يبدأ العام؛ وإنما بأن نساعده على دخول المدرسة مطمئنًا، منظمًا، واثقًا، محبًا للتعلم، مستعدًا لتحمل المسؤولية، فالحقيبة تُجهَّز في المساء، أما الطالب فيُجهَّز على مدى سنوات، والمستلزمات تُشترى من المتجر؛ أما العادات فلا تُشترى؛ بل تُبنى بالتدرج.
والعام الدراسي قد يبدأ في صباح يوم محدد، لكن الاستعداد الحقيقي له يبدأ قبل ذلك بكثير: يبدأ حين تعلّم الأسرة أبناءها أن العلم قيمة، والوقت أمانة، والخطأ فرصة للتعلم، والنجاح ثمرة للسعي، وأن الإنسان لا يُقاس بدرجة واحدة في ورقة، وإنما بما يبنيه في نفسه من علم وخلق ومسؤولية، وحين ندخل أبناءنا المدرسة بهذه المعاني، نكون قد جهزنا للعام الدراسي أكثر من طالبٍ يحمل حقيبة؛ جهزنا إنسانًا يعرف لماذا يتعلم، وكيف يتعلم، وإلى أين يريد أن يمضي.
لاتوجد تعليقات