محو الأمية التربوية
قد يفهم كثير من الناس بكافة مستوياتهم الثقافية معنى الأمية التعليمية، لكن الخطأ المشترك بين كل هؤلاء، الذي يقع فيه حتى عِلية القوم من المثقفين، هو جهلهم بمعنى الأمية التربوية؛ ولذلك يستخدمون مع أبنائهم أساليب تربوية خطأ، سواء كانت تنتهج القسوة أم التدليل، وسواء كانت موروثة أم مستوردة؛ ولهذا فالواجب على كل أب أن يتعلم أسس التربية، ويلتزم الطريقة الصحيحة في ذلك.
اهتمام الإسلام بتربية النشء
الإسلام كالبناء الجميل، من أي النواحي أتيته أعجبت بجماله وبهائه وروعته؛ فسواء نظرت إليه من جهة عقيدة التوحيد التي تميز بها، أم كمال التشريعات التي شرعها، أم النظام الاقتصادي في الإسلام، أم النظام السياسي، أم الإعجاز العلمي، أم بلاغة القرآن وآدابه؛ كما لا يغفل الإسلام كذلك موضوع التربية والاهتمام بتنشئة الأطفال والأجيال التي تشكل الحاضر والمستقبل.
المنهج التربوي الإسلامي
ويتميز المنهج التربوي الإسلامي بوسائل معينة توصل إلى أهداف محددة؛ أما الهدف فهو إنقاذ هذه الذرية من النار، وأن يشبوا أبناء صالحين، يعملون لدينهم ودنياهم، ويسعدون في الدارين بالصلاح والتقوى والإيمان والتوحيد.
وقد بين الله -سبحانه وتعالى- ذلك حينما قال -عزوجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (التحريم:6)، قال علي بن أبي طالب: علموهم وأدبوهم. والمعنى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم:6)، بالتربية والتعليم والتأديب والتهذيب، فيكفي في بيان خطر هذه المسؤولية: أن الخلل فيها يؤدي إلى عقوبة النار.
الرحمة في قلوب الآباء
وحينما كانت امرأة من الأسرى تجد في البحث عن ولدها، فحينما رأته بعد بحث وعناء ألصقته ببطنها في حنان شديد، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لأصحابه: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لله عزوجل أرحم بعباده من هذه بولدها»؛ فالله -سبحانه وتعالى- وضع الرحمة في قلوب الآباء الأسوياء، ومن ثم لم تكثر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي توصي الآباء بالأبناء، وإنما رأينا العكس، فكثير من النصوص توصي الأبناء بالآباء؛ لأن الله -عزوجل- تكفل بوضع هذه الرحمة الذي تضمن لهم هذا المعين التي ينبض بالحب والحنان والعطف. وقد جعل الله -سبحانه وتعالى- من دعاء الصالحين وعباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74)، فحينما يراهم صالحين أتقياء فلا شك أنهم يكونون قرة أعين للعبد الصالح، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم - من أن يجني الأب على ولده، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «ألا لا يجن والد على ولده»، رواه الدارقطني.
تربية الإسلام للطفل
وهناك كثير من النصوص فيما يتعلق بإعطاء الإسلام أهمية كبرى لموضوع التربية، فتربية الإسلام للطفل ليست كأي تربية أخرى، إنما هي تربية لغاية ولمقصد ولمستقبل في الدارين، فيقول النبي -عليه الصلاة والسلام- للأطفال: «ارموا فإن الرمي أنكأ للعدو»، فمن أول طفولتهم يخاطبهم بهذا الخطاب. فحينما رأينا الإسلام العظيم ربط الهدف التربوي بهذه الغاية العظمى، وهي سعادة الدارين، في الوقت نفسه وجدنا تعريفات التربية جميعها في المفهوم الغربي الذي يلهج به كثير من المسلمين تركز على إعداد الطفل ليكون قادراً على تحقيق رغباته الدنيوية، بغض النظر عن كون التعريف بالتربية علمانياً ينفصل تماماً عن التربية الإسلامية. وقد اهتم المسلمون اهتماماً شديداً بموضوع تربية الطفل، والحفاظ على نفسيته من التشويه والإعاقة النفسية، أذكر مثالاً عارضاً لذلك: كان المسلمون الأوائل يوقفون الأموال على الأطفال أو العبيد الذين إذا أرسلهم آباؤهم لشراء شيء معين وضاعت منهم الأموال، فمن أجل حماية هؤلاء الأولاد من العقوبة أو القتل التي قد يتعرضون لها أوقفوا أموالاً ليعوض هؤلاء الأطفال من هذه الأموال، حماية لهم من قسوة الآباء الذين قد يعاقبونهم بشدة؛ بسبب ضياع المال منهم.
مفهوم الأمية التربوية
لا نتصور أن مثل هذه القضية التي هي غاية في الخطورة يمكن أن تناقش وتعطى حقها في هذا الزمن القليل، فليكن كلامنا مجرد مدخل ومقدمة لسلسلة تستمر -إن شاء الله -تعالى- فيما بعد عن هذا الموضوع، بالنسبة لمفهوم الأمية التربوية لابد أن يتداعى الناس بين وقت وآخر للحديث عنها، والإعلان عن مراكز محو الأمية وأهمية محو الأمية، بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، لكننا قل أن نجد من يلتفت إلى نوع آخر من الأمية، وهي الأمية في مجال التربية، فضلاً عن أن يفكر في محوها، وسلوك منهج علمي دقيق في محو هذه الأمية.
الأمية التربوية والأمية بالقراءة والكتابة
هناك فرق شديد بين أمية القراءة والكتابة وبين أمية التربية؛ إذ إن أمية القراءة والكتابة من حيث آثارها أخف بكثير جداً من أمية التربية، أما أمية التربية قد تخرج أجيالاً مشوهة نفسياً، تعاني وتتعذب وتنحرف في كل مظاهر الحياة، الأمية في القراءة والكتابة قد نجدها تتفشى في طائفة معينة من الناس، ولكن الأمية التربوية لا ترحم؛ فإنها قد تتفشى كالداء الوبيل، وقد نجدها في أعلى الناس؛ من حيث المستوى العلمي، كأستاذ الجامعة، أو حتى خواص الناس وليس عوامهم، فهؤلاء بلا شك أعلى الناس؛ من حيث تنزههم عن أمية القراءة والكتابة، ولكن مما يؤسف عليه: أن الأمية التربوية متفشية فيهم بطريقة مؤلمة جداً على أعلى المستويات، بل على مستوى الوزراء وغيرهم من علية القوم، وهذه الظاهرة نلمسها في مناهج التعليم، أو وسائل الإعلام، كل هذه تعكس وتشير إلى مدى الأمية التربوية؛ هذا مع حسن الظن بهم!
الأمية بالقراءة والكتابة قد تكون ظاهرة، أما الأخرى فهي تتخفى، ثم تظهر لنا فيما بعد آثارها الخطيرة على الأبناء والأولاد، أي: يمكن أن يكون الرجل خبيراً وقائداً في التربية وهو رجل فقير لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك تجد سلوكه مع أولاده سلوكاً راقياً مهذباً مستنيراً يخرج الأولاد الأصحاء، وقد يكون رجلاً على النقيض من ذلك، ومع ذلك يكون غارقاً في الأمية التربوية. إذاً: ليس المقصود من محاضرتنا هذه محو الأمية التربوية كما هو العنوان، ولكنه تحت عنوان مضمر: أهمية محو الأمية التربوية؛ فإن المحو لهذه الأمية يحتاج زمناً طويلاً وجهوداً مكثفة، والمقصود هو أن ننقل هذه القضية إلى دائرة الاهتمام ليسلط الضوء عليها، ونعطيها القدر الذي تستحقه.
عوائق معالجة الأمية التربوية
كان ينبغي معالجة هذه القضايا منذ زمن بعيد، لكن هناك عوائق وعقبات أمام ذلك، وأكبر عقبة أنه كان يفترض في هذه القضايا التربوية أن يقسم الناس فيها إلى شرائح عمرية، ويوجه لكل طائفة كلام غير الكلام الذي يوجه للطائفة الأخرى، إلا أن مشكلاتنا في مجتمع المسجد أنه تتواجد فيه جميع الفئات العمرية من الجنسين، ولا شك أن هذا توجد معه بعض الصعوبة؛ من حيث اختلاف مستويات الناس في فهم الأشياء. أيضاً الكلام الذي يقال للأطفال غير الذي يقال للشباب المراهقين، وهو غير الذي يقال للناضجين، وهو غير الذي يقال للشيوخ، كذلك ما يقال للبنات غير ما يقال للبنين؛ علاوة على أن هناك قضايا لابد من طرقها لكن لا يناسب طرحها بصورة مكشوفة أمام كل هذه المجموعات العمرية، لأنها تناسب طائفة معينة؛ فهناك من الشباب مثلاً من له بعض المشكلات الخاصة جداً التي لا يناسب أن تذكر أمام الجميع، أو تناقش بانفتاح أمام هذه المجموعات كلها. أيضاً: يحتاج هذا الموضوع لتوعية نفسية وصحية، ونحن وإن كنا قد أغنانا الله -سبحانه وتعالى- بنور القرآن ونور السنة وهدي السلف الصالح، لكننا في الوقت نفسه نحتاج لتوعية نفسية وصحية في قضايا لا تكون كالقضايا التي نعتاد على دراستها في المسجد، لكننا نرجع فنذكر أنفسنا بأن المسجد طالما كان له دور شامل لجميع مقاصد الحياة، ويشمل كل مجالات الحياة، فلا حرج على الإطلاق إن شاء الله -تعالى- من تناول هذه الأشياء، من باب تصديق قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك»، كما أن هذه الأمور النافعة تفيدنا ديناً ودنيا، فلا حرج إن شاء الله -تعالى- من ذكرها. أيضاً مما يتخوف منه الإنسان: أن بعض الناس يسيء أحياناً فهم الكلام، وبالتالي تطبيق الإرشادات، لكن مع التفصيل والإيضاح نأمل تجاوز هذه المخاطر. ما دمنا نتكلم عن التربية؛ فمحور هذه القضية هو أهم شريحتين في الأمة: الأطفال والشباب؛ لأنهما الطائفتان القابلتان للتربية والتوجيه، وكلما تقدم السن كلما كان الأمر أصعب.
لاتوجد تعليقات