سلسلة الأخلاق الإسلامية – المعاتبة الحسنة.. أدبٌ يحفظ المودة ويصلح الخطأ(2-2)
- المعاتبة الحسنة وسيلة للإصلاح وليس للخصومة فهي تحفظ المودة وتزيل سوء الفهم وتقوّي العلاقات الإنسانية
- العتاب ليس مطلوبًا في كل حال وإنما يُقدَّر بميزان المصلحة والمفسدة فإن غلب على الظن إصلاح العلاقة شُرع وإلا كان تركه أولى
- التغافل خُلق عظيم وكثير من دوام العلاقات واستقرارها يكون بترك الاستقصاء والوقوف عند كل زلة
- نجاح المعاتبة مرتبط بضوابط شرعية وتربوية أهمها: إخلاص النيّة والليّن والسريةّ والإنصاف وإحسان الظن
ما زال حديثنا مستمرا عن المعاتبة الحسنة وأثرها في العلاقات الإنسانية؛ حيث ذكرنا أنَّ الإنسان مجبول على النقص، ولا يكاد يسلم من تقصير في حق قريب، أو كلمة تؤذي صديقًا، أو تصرف يُساء فهمه، وهنا تظهر قيمة المعاتبة الحسنة؛ فهي سبيل إلى تصحيح الخطأ، وتنقية الصدر، وحماية المودة من أن تفسدها الظنون أو يهدمها الجفاء؛ فالمعاتبة الصادقة ليست خصومة، ولا تشهيرًا، ولا محاكمةً؛ وإنما هي رسالة محبة تقول للمخطئ: مكانتك باقية، ولكن هذا التصرف آلمني.
متى تكون المعاتبة ومتى تُترك؟
لابد أن يُنظر إلى المعاتبة في ضوء ما يترتب عليها من مآلات؛ فهي ليست سلوكًا مطلقًا يُمارس في كل حال، وإنما هي تصرفٌ شرعيٌّ وتربويٌّ يخضع لميزان المصلحة والمفسدة. فمتى غلب على الظن أن العتاب يحقق إصلاح العلاقة ويعيدها إلى حالها الأولى دون أن يترتب عليه ضررٌ أكبر، كان مشروعًا؛ بل مطلوبًا، لأن المقصود منه إزالة سوء الفهم، ومنع تكرار الخطأ، وحفظ المودة من التآكل والتصدع، فإذا كان أثره المتوقع هو إعادة القلوب إلى صفائها وتقريب النفوس بعضها من بعض، كان ذلك من الحكمة التي يندب إليها الشرع والعقل معًا. أما إذا كان العتاب سيؤدي في المقابل إلى زيادة الشحناء، أو اتساع دائرة الخلاف، أو فتح أبواب خصومة طويلة يصعب إغلاقها، أو كان سببًا في كشف عيوب أعمق وإثارة ما كان مستورًا من الخلافات، فإن تركه يكون أولى، بل قد يكون هو الصواب بعينه، لأن المقصود من المعاتبة الإصلاح لا الإفساد، وجمع القلوب لا تفريقها. وقد جرى على هذا المعنى كلام أهل الحكمة، إذ قيل: ليس كل ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يُقال يُطلب له جواب، إشارةً إلى أن ضبط الكلام وترك بعضه في موضعه من تمام العقل. وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل، وهو أصلٌ كبير يدل على أن كثيرًا من حفظ العلاقات إنما يكون بترك الاستقصاء والوقوف عند كل زلة.ضوابط المعاتبة
لكي تكون المعاتبة نافعة وليست مؤذية، لا بد من ضبطها بضوابط عدة:- سلامة القصد أن يكون الهدف الإصلاح لا الانتصار للنفس؛ لأن فساد النية يحول العتاب إلى خصومة مغلفة بالدين.
- اختيار الأسلوب فاللين يفتح القلوب، والشدة تغلقها، وقد قال الله لنبيه: {ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك}.
- السرية فالعتاب العلني فضيحة، ولو كان باسم النصيحة.
- عدم الاستقصاء جمع الزلات القديمة في لحظة عتاب واحدة يفسد المقصود، ويحول الحوار إلى محاكمة.
- الإنصاف بذكر المحاسن قبل المساوئ، لأن النفس لا تقبل النقد المجرد من التقدير.
- فتح باب العذر فالمؤمن يلتمس لأخيه عذرًا قبل أن يلزمه بالخطأ.
أخطاء شائعة في المعاتبة
في الواقع المعاصر تحولت المعاتبة عند كثير من الناس إلى سلوك سلبي يضر أكثر مما ينفع، ومن أبرز ذلك:- العتاب عبر وسائل التواصل؛ حيث أصبح بعض الناس يعاتبون بالرسائل العامة أو التلميحات أو المنشورات، وهذا من أعظم أسباب الفساد الاجتماعي، لأنه ينقل الخلاف من خاص إلى عام.
- تحويل العتاب إلى فضيحة بدل أن يكون العتاب إصلاحًا، يصبح كشفًا للأسرار، واستدعاءً لأخطاء قديمة، مما يهدم أصل العلاقة.
- العتاب وقت الغضب فالغضب يفسد اللغة ويُفسد النية، فيخرج العتاب أقرب إلى الانتقام منه إلى الإصلاح.
- استحضار الماضي كله جمع كل الأخطاء في موقف واحد يجعل العتاب غير قابل للإصلاح، لأنه يتحول إلى هجوم شامل.
- مقارنة الآخرين قول: «فلان أفضل منك» أثناء العتاب، يقتل روح الإصلاح، ويزرع الكراهية.
- التشكيك في النوايا من أخطر ما يفسد العلاقات: تحويل العتاب إلى اتهام داخلي دائم.
ثمرات المعاتبة وخلاصتها
إذا وُضعت المعاتبة في موضعها الصحيح، وأُديت على وجهها المشروع، وأُحكمت بأدبها وحكمتها، أثمرت آثارًا جليلة تنعكس على الفرد والمجتمع، من أعظمها إصلاح ما بين القلوب بعد التباعد، وإزالة ما يعلق بها من سوء الظن، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية على أساس من الفهم والصفاء، وتقليل النزاعات قبل أن تتسع دوائرها وتستفحل آثارها، وبناء ثقافة راشدة تقوم على قبول النصيحة والاعتذار، وإشاعة الرحمة بين الناس بدل القسوة والجفاء، حتى يصبح العتاب وسيلة لحماية العلاقات لا تهديدًا لها ولا معولًا لهدمها.نظام أخلاقي متكامل
ومن مجموع ما تقدم يتبين أن المعاتبة في التصور الإسلامي ليست موقفًا عابرًا يُمارس عند الغضب أو الانفعال، وإنما هي نظام أخلاقي متكامل يقوم على أصول واضحة، قوامها الرحمة في الأصل، والحكمة في التطبيق، والعدل في الحكم، والستر في الأسلوب، والإصلاح في الغاية، فإذا فقدت هذه الأصول خرجت عن معناها الشرعي وتحولت إلى خصومة وإن لبست لباس النصيحة، وإذا استكملتها صارت خلقًا راقيًا من أخلاق الإيمان ووسيلة من وسائل تهذيب النفوس وبناء المجتمعات.الإنسان بفطرته غير معصوم
كما يتبين أن الإنسان بطبيعته غير معصوم من الخطأ، وأنه لا يسلم من الزلل أحد، وإنما تتفاوت الناس في طريقة تعاملهم مع هذه الحقيقة؛ فمنهم من يجعل الخطأ سببًا في هدم العلاقة وقطع أسبابها، ومنهم من يحوله إلى مدخل للإصلاح وإعادة البناء وتقوية أواصر المودة، وقد جاء الإسلام بمنهج متوازن لا يترك الإنسان في فوضى الانفعال، ولا يجعله أسير القطيعة، بل يربيه على إدارة القلوب قبل إدارة المواقف، ويجعل من الكلمة وسيلة للبناء لا للهدم، ومن المعاتبة بابًا للتقريب لا للتبعيد.هدي القرآن والسُنَّة
ولو تأمل الإنسان هدي القرآن والسنة في هذا الباب لعلم أن كثيرًا من الخصومات التي تقع بين الناس اليوم لا تحتاج إلى تصعيد أو قطيعة، وإنما يكفي فيها قدر من الرفق، أو صمت في موضعه، أو عتاب صادق لا تشوبه رغبة في انتصار النفس ولا نزعة إلى التشهير، وإنما تحركه إرادة الإصلاح وبقاء الود. وخلاصة القول: ليس المطلوب أن يُترك العتاب بالكلية، ولا أن يُمارس بلا ضابط، وإنما المطلوب أن يُضبط بضوابط الشرع والعقل، وأن يتعلم الإنسان كيف يعاتب كما عاتب القرآن الكريم، وكما عاتب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما جرى عليه الصالحون من بعده؛ بقلوب رحيمة، وألسنة حكيمة، ونيات خالصة، تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.
لاتوجد تعليقات