خلق السماوات والأرض
- إن منهج السلف في قضايا الغيب،يقوم على الإيمان بها، وعدم التوسع فيها، وعدم إدخال العقل لمحاولة تفسيرها؛ فإن العقل لم يخلق لتفسير الغيب، ولا يمكنه ذلك، ومن يفعل ذلك يتخبط، فإذا ثبت أمر غيبي في كتاب الله أو السنة الصحيحة، نؤمن به، نصدقه ونقول به كما قال ربنا، وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون الخوض في التفاصيل والاستنتاجات العقلية. كنت في زيارة للجنة التعريف بالإسلام في مسجد الملا صالح، وسط البلد، مكان ينشرح فيه الصدر، ترى حماس هؤلاء المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، من الصين، ونيبال، واليابان، وأوروبا الشرقية وأوروبا الغربية، واستراليا، والأمريكتين. وجه الدعوة لي صديقي الهولندي (إدريس)، في بيان منهج السلف في الغيبيات. - والأمثلة على ما قلت كثيرة؛ لنبدأ بمسألة ناقشتها وأخي (إدريس) حول بدء الخلق: الثابت لدينا أن الله كان، ولم يكن معه شيء، وخلق بعد ذلك، العرش، والماء؛ فهما أول مخلوقين، ويمكن أن نتكلم عن العرش بما ورد في الأحاديث الصحيحة ولكن موضوعنا هو (بدء الخلق)، فقال بعض العلماء: (العرش) أول مخلوق، وقال آخرون: (الماء) أول مخلوق، وهنا لا ينبغي أن نصوب أو نخطئ أحدا، هذا له أدلته وكذلك الآخر، والموضوع ليس فيه تكليف! وقال بعض العلماء: إن أول مخلوق هو (القلم)! والصحيح أن القلم خلق بعد خلق الماء والعرش كما في الحديث: عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ربّ ماذا أكتب؟ قال -عز وجل-: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». والمعنى واضح أن خلق القلم كان لكتابة مقادير كل شيء، وذلك بعد خلق العرش والماء؛ فالقلم مخلوق أمر بكتابة المقادير بأمر الله -عز وجل-، وقد كتبها القلم امتثالا لأمر الله -عز وجل-. وأين كتبها؟! في اللوح المحفوظ، وذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والعقل لا يمكن أن يستوعب هذا الأمر، ولكن نؤمن به، ونصدقه؛ لأنه ثبت بالحديث الصحيح! وورد عن ابن عباس وصف للوح المحفوظ، ولكن أفضل أن نؤمن به، دون تفصيل، ولا مجال للاجتهاد في أمور الغيب. في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء»، ونسبت الكتابة إلى الله في هذا الحديث؛ لأنه -سبحانه- أمر القلم بالكتابة؛ فكتب والله على كل شيء قدير. استأذن أحد الحاضرين بالسؤال. - هل أستطيع أن أسأل الآن أم بعد انتهاء المحاضرة؟ - بل الآن، ولكن عرّف عن نفسك. - أنا (عبدالرحمن أحمد) من الصين اعتنقت الإسلام منذ إحدى عشرة سنة والحمدلله. - هل يجب علينا الإيمان بوصف اللوح المحفوظ، أنه من ياقوتة حمراء أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك، كتابه نور وقلمه نور، ينظر الله -عز وجل- فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة. - هذه روايات وردت في بعض كتب التفسير تنسب إلى ابن عباس، ولم ترد في حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي بعض الروايات، عن ابن عباس أيضا: «أن أول شيء كتبه الله -تعالى- في اللوح المحفوظ: إني أنا الله لا إله إلا أنا ومحمد رسولي، من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقّا وبعثته مع الصديقين»، لا ننسب هذه الأقوال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما نذكرها كما أوردها أهل العلم في كتب التفسير؛ فليست مما سنسأل عنه يوم القيامة! وجزاك الله خيرا يا (عبدالرحمن). - تابعت حديثي؛ فيكون ترتيب بداية خلق المخلوقات، الماء، ثم العرش، ثم القلم، ثم السماوات والأرض، وخلق السماوات والأرض ورد في آيات كثيرة في كتاب الله -عز وجل-، وفي أحاديث صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أول هذه الأمور أنه -سبحانه- خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام! وجاء تفصيل هذه الأيام في سورة فصلت: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (فصلت). في تفسير السعدي: ينكر -تعالى- ويعجِّب، من كفر الكافرين به، الذين جعلوا معه أندادًا يشركونهم معه، ويبذلون لهم ما يشاؤون من عباداتهم، ويسوونهم بالرب العظيم، الملك الكريم، الذي خلق الأرض الكثيفة العظيمة، في يومين، ثم دحاها في يومين، بأن جعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل وعدم الاستقرار، فكمل خلقها، ودحاها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}، {ثُمَّ} بعد أن خلق الأرض {اسْتَوَى} أي: قصد {إِلَى} خلق {السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} قد ثار على وجه الماء، {فَقَالَ لَهَا} ولما كان هذا التخصيص يوهم الاختصاص، عطف عليه بقوله: {وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أي: إنفاذًا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه، {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ليس لنا إرادة تخالف إرادتك. {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}؛ فَتَمَّ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، مع أن قدرة اللّه ومشيئته صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة، ولكن مع أنه قدير، فهو حكيم رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة.
لاتوجد تعليقات