باختصار .. المجالس أمانات
من أجلِّ الأخلاق التي عظَّمها الإسلام حفظُ الأمانات وصونُ الأسرار، ولا سيما أمانة المجالس؛ فهي موطن البَوْح، ومحلّ الثقة، ومستودع السِرّ، يتحدث فيها المرء بما لا يقوله في الملأ، آمنًا أن حديثه سيُصان، وسرَّه لن يُذاع. وليس حفظ السرّ مشروطًا دائمًا بأن يقول صاحبه: «لا تخبر أحدًا»؛ فقد تنطق الحال وإن سكت المقال، وتدل طبيعة الحديث والمجلس والقرائن على أن ما قيل أمانةٌ يجب أن تُصان. وقد عظَّمت الشريعة شأن الأمانة، وحذَّرت أشد التحذير من الخيانة، فقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58)، وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(النساء:58)، والأمانة ليست مقصورة على مال يُحفظ، أو وديعة تُرد؛ بل منها كلمةٌ تُصان، وسرٌّ يُكتم، وخصوصيةٌ لا تُنتهك.
- ليس كل ما يُعرف يُقال: إنَّ من رجاحة العقل، وسداد الرأي، أن يُفرّق المرء بين ما يَعرفه، و بين ما يَحِقُّ له أن يَنقله؛ فقد تقال كلمةٌ في ساعة غضب، أو رأي عابر؛ فينتزعها ناقلها من سياقها؛ فإذا بها تتحول إلى خصومة وعداوة، وربما قطيعة تدوم سنوات، وهذا ولا شك من النميمة ونقل للكلام على وجه الإفساد؛ وقد حذَّرَت الشريعة من ذلك فقد قال الله -تعالى-: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} (القلم).
- هَدْمٌ لجسور الثقة: لا يقف شرر خيانة المجالس عند صاحب السِّرّ وحده، بل يمتد ليحرق مساحات الثِّقَة بين الناس؛ فالمجتمعات لا تجمعها المصالح وحدها، وإنما تشدُّ أواصرها الأمانة وحُسن الظن؛ فإذا خشي المرء أن تُنقل كلماته، وتُهتك أسراره، وتُذاع خصوصياته، حلَّ الحذر محلَّ الأمان، والشَّكُّ محلَّ الاطمئنان؛ وحينها لا تكون الخيانة قد أفشت سِرًّا فحسب؛ بل هدمت جسور الثِّقَة، وزرعت بذور الشَّكّ، وصدَّعت الروابط، وأوهنت العلاقات.
- الخيانة في العصر الرقمي: إنَّ الوسائل وإن تبدَّلت، فالأمانة لا تتبدَّل، والأدوات وإن تطوَّرت؛ فحدود الشرع لا تتغيَّر؛ فما حَرُم بثُّه باللسان لا يحل نشره بالبنان، وما وجب ستره في المجالس لا يجوز هتكه في المحافل، وفي زمنٍ غدت فيه الأسرار رهينةَ ضغطة، والأخبار أسيرةَ لمسة، اشتدَّ الخطر وعظُم الأثر؛ فصورةٌ تُلتقط، ورسالةٌ تُحوَّل، وتسجيلٌ يُنقل، وإذا بسِرٍّ كان طيَّ الكتمان يصبح حديثَ المجالس، تتناقله الألسن وتتقاذفه الشاشات؛ وهنا مكمن الخطر!
- أسرار البيوت أشد حُرْمَّة: وتعظم خيانة المجالس، ويتفاقم أثرها، حين تتسلل إلى أسرار البيوت وخصوصيات الأزواج؛ فقد شدَّدت الشريعة في صيانة هذه الأسرار، وحذَّرت من إفشائها أيَّما تحذير؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مِن أشرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجلَ يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم ينشر سرَّها»؛ فالبيوت بالستر تُصان، وبالثِّقة تُبنى، وبكتمان السِّر تدوم مودتها وسكينتها.
- الأمانة لا تنتهي بالخصومة: ومن الفهم الخطأ، أن يظن المرء أن انقطاع الصداقة، أو انتهاء الشراكة، أو تبدُّل العلاقة، يبيح له كشف ما استُودع من أسرار أيام الصفاء؛ فالأمانة لا تسقط بالخصومة، والوفاء لا ينتهي بالجفاء، وصاحب المروءة يصون سِرَّ من خالفه كما صانه يوم وافقه، ويحفظ حرمته عند الفراق كما حفظها زمن الوفاق؛ فعند الخصومة تُختبر المروءة وتنكشف معادن الرجال.
- ينفضُّ المجلس وتبقى أمانته: إنَّ حفظ أمانة المجالس عبادةٌ وديانة، وخُلُقٌ ومروءة، وخيانتها ليست زلَّةً هيِّنة ولا هفوةً عابرة؛ فهي خيانةٌ للثقة، وإيذاءٌ للخلق، وقد يجتمع معها غيبةٌ ونميمة، وقطيعةٌ وفتنة، فما أجمل أن يكون المرء مأمون الجانب، مصون اللسان، مستودعًا للأسرار؛ إذا جلس اطمأن إليه جليسه، وإذا انفضَّ المجلس ترك حديثه حيث قيل، فلم يحمله حيث رحل، ولم يَطُف به بين الناس؛ فالمجالس وإن انفضَّت تبقى أمانتها، والأحاديث وإن انتهت لا تنتهي حرمة أسرارها.
لاتوجد تعليقات