عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. الحروب (السيبرانية) والسيادة الرقمية (2-2)
- يدخل المشهد الرقمي العالمي مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وحساسية من أي وقت مضى فالسيادة الرقمية أصبحت شرطًا أساسيًا للقوة والاستقلال
- الاستثمار في الأمن الرقمي لا يعني حماية الأنظمة وحدها بل حماية القرار الوطني واستمرارية المؤسسات وخصوصية الأفراد ومتانة الاقتصاد
ذكرنا في العدد السابق أن السيادة الرقمية ليست ترفًا تقنيًا، والتشفير الآمن ليس مجرد أداة لحماية المعلومات؛ بل أصبحا أساس الاستقلال في عصر صارت فيه البيانات مصدرًا للقوة، وأن دولنا في ظل تلك التحولات الرقمية الهائلة في حاجة إلى الوثائق السرية، والمراسلات الحساسة، والسجلات المالية، والأسرار التجارية، وبيانات الحكومات والشركات الكبرى، وأن المؤسسات الدولية بدأت مواجهة مثل هذا التهديد الخطير بتطوير ما يُعرف بـ (التشفير ما بعد الكمّ) وهو جيل جديد من أنظمة الحماية، صُمم خصيصًا ليبقى صامدًا حتى في وجود حواسيب كمومية قوية، وأن هذا التحول يمثل نقلة نوعية من التشفير التقليدي إلى حلول أكثر أمانًا واستعدادًا للمستقبل.
ماذا يعني ذلك للمؤسسات؟ لا يجب الانتظار حتى يتجسد الخطر بالكامل؛ ولكن على الشركات والحكومات أن تبدأ مبكرًا في تحديث أنظمتها، وفحص بنيتها الرقمية، ووضع خطة انتقال تدريجية إلى التشفير الجديد. وقد كشفت دراسات حديثة أن عددًا كبيرًا من المؤسسات لا يزال بلا خطة واضحة للانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية، وهذا التأخير قد يكون مكلفًا للغاية؛ لأن تحديث الأنظمة الرقمية عملية تحتاج وقتًا طويلاً للتخطيط والاختبار والتطبيق، ولا تتم بين ليلة وضحاها. والمشكلة في الانتظار أن المؤسسة قد تُفاجأ بأن هذا التهديد أصبح واقعًا ملموسًا! وعندها يكون الوقت قد فات لتحديث الأنظمة بهدوء وأمان؛ أما من يبدأ مبكرًا، فسيكون أكثر قدرة على التكيف، وأقل عرضة للخسائر. هل توجد بدائل أخرى؟ نعم، هناك تقنية واعدة تُسمى (التوزيع الكمّي للمفاتيح)، وهي تعتمد على قوانين الفيزياء نفسها لحماية الاتصالات، وفي هذا الأسلوب فإن أي محاولة تنصت على الإشارة يمكن اكتشافها فورًا؛ لأن مجرد قياس الإشارة يُحدث اضطرابًا يكشف وجود المتنصت، وعلى الرغم من ذلك تظل تلك التقنية باهظة الكلفة ومحدودة الانتشار، وتحتاج إلى بنية تحتية خاصة بها؛ لذلك فهي ليست حلًّا شاملاً لكل الحالات، لكنها تبقى جزءًا مهمًا من مستقبل الاتصالات الآمنة.
- السيادة الرقمية عنصر أساس من عناصر أمن الدول، وليست مجرد خيار تقني.
- الحرب السيبرانية تهديد مفتوح، يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.
- الحوسبة الكمومية قد تجعل أنظمة التشفير الحالية غير آمنة في المستقبل القريب.
- الاعتماد على التشفير القديم دون خطة انتقالية يُعرّض البيانات الحساسة لخطر حقيقي.
- المؤسسات التي تبادر بالتحديث مبكرًا، تملك فرصة أكبر للحماية والاستمرار.
- بناء المرونة الرقمية والتخطيط المبكر باتا من أهم متطلبات المرحلة المقبلة.
المؤسسات ترفع الحد الأدنى لطول كلمات المرور
بدأت جامعات ومؤسسات كبرى في فرض كلمات مرور أطول، يصل الحد الأدنى لها في بعض الحالات إلى 16 خانة، لمواجهة التطور المتسارع في أدوات اختراق الحسابات، ويأتي هذا التوجه بعد زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في تخمين كلمات المرور وتحليل الأنماط الشائعة بسرعة كبيرة، ومع ذلك، تبقى المصادقة الثنائية واستخدام كلمات مرور مختلفة لكل حساب من أهم وسائل الحماية.الخاتمة:
إن الاستثمار في الأمن الرقمي لا يعني حماية الأنظمة وحدها؛ بل حماية القرار الوطني، واستمرارية المؤسسات، وخصوصية الأفراد، ومتانة الاقتصاد؛ فالمستقبل لن يكون لمن يملك التقنية فحسب؛ بل لمن يملك مفاتيحها، ويحسن توجيهها، ويضمن ألّا تتحول من وسيلة للتقدم إلى بابٍ للتبعية والاختراق، وإن من لا يحمي فضاءه الرقمي اليوم، قد لا يملك حرية الاختيار غدًا.
أخبار تـقنية:
ثغرة في (Outlook) تُستخدم لاستهداف جهات حكومية
رصد خبراء أمنيون مجموعات هجومية متقدمة تستغل ثغرة في خدمة (Microsoft Outlook Web Access) للوصول إلى رسائل بريد إلكتروني تابعة لجهات حكومية وقطاعات حيوية في الولايات المتحدة وأوروبا، وتشير التقارير إلى أن بعض المهاجمين تمكنوا من الاحتفاظ بقدرتهم على الوصول إلى الحسابات والبيانات حتى بعد تغيير كلمات المرور، وهو ما يوضح أن تغيير كلمة المرور وحده قد لا يكون كافيًا عند اختراق النظام، بل يجب أيضًا مراجعة الجلسات النشطة والصلاحيات والتطبيقات المرتبطة بالحساب.تصاعد الهجمات على محطات المياه والبنية التحتية
أصدرت وكالة الأمن السيبراني الأمريكية (CISA) تحذيرات بشأن تزايد الهجمات التي تستهدف أنظمة التحكم المستخدمة في محطات المياه والمنشآت الحيوية، ويركز المهاجمون بطريقة خاصة على وحدات التحكم الصناعية المعروفة باسم (PLC)، وهي أجهزة مسؤولة عن تشغيل المضخات والصمامات والآلات، وقد يؤدي اختراقها إلى تعطيل الخدمات أو تغيير طريقة تشغيل المعدات، ما يجعل حماية هذه الأنظمة مسألة مرتبطة بسلامة المجتمع، وليست مجرد مشكلة تقنية.
لاتوجد تعليقات