شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهيُّ عن الحَلفِ في المَبيع
- إلْحاقُ الضَّررِ والأَذى بالنَّاسِ أمْرٌ مُستقبَحٌ في الدُّنيا وجالبٌ لِصاحِبِه الخُسرانَ والبَوارَ في الآخرةِ
- الحلفُ في التّعامل مع الصّدق مَكروه وأمّا مع الكذبِ فَحَرامٌ وهو كبيرةٌ ويمينٌ غَمُوس
- إثباتُ صِفةِ الكلامِ والنظر للهِ عزَّوجلَّ على الوجْهِ اللَّائقِ به جلَّ جَلالُه مِن غَيرِ تَشبيهٍ ولا تَمثيلٍ ولا تَكييفٍ
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ». (1607/132)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ، يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ، ورَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاما؛ لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ». (108/173)، وفي الباب حديثان:
الحديث الأول
- قوله: « إيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ!» أي: احذروا كثرة الحلف في البيع والشراء، ولو كنتُم صادقين؛ لأنّ كثرة الحلف مظنة الوقوع في الكذب، فمثلًا لا ينبغي للإنسان أن يقول: والله لقد اشتريتها بمائة، ولو كان صادقًا، ولو قال: والله لقد اشتريتها بمائة، وهو لم يشترها إلا بثمانين صار أشد؛ لأنّه يكون بذلك كاذباً حالفًا في البيع.
- قوله: «فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ» أي: ينفق مِنَ التّنفيق أي الترويج، أي: يُروِّج، ثم يُحق أي: يَنقص وتذهب بركته. و»ثمّ» للتراخي في الزمان، أي: ينفق حالا ويمحق مآلاً. والمراد مِنَ المَحق: عدم انتفاعه دِينا ودُنيا.
من فوائد الحديث
- الحثُّ على ترك الحَلِف في التّعاملات والتحذير منه؛ لما فيه من جعل الله -تعالى- آلةً لترويج البضاعة، وجَلب الرِّبْح، والحصول على عَرَض من الدنيا قليل.
- الحلفُ في التّعامل مع الصّدق مَكروه، وأمّا مع الكذبِ فَحَرامٌ، وهو كبيرةٌ ويمينٌ غَمُوس.
الحديث الثاني
والحديث أخرجه البخاري في الأحكام (7212) باب: من بايع رجلاً لا يُبايعه إلا لدنيا؛ في هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَن ثَلاثةِ أنواعٍ من النَّاسِ، لا «يُكلِّمُهمُ اللهُ يَومَ القِيامةِ» أي: كَلامًا يَسُرُّهم؛ استِهانةً بهم، وغضَباً عَليهِم، وهذه عُقوبةٌ لهم على جُرمٍ قد وقَعوا فيهِ. «وَلا يَنظُرُ إلَيهمْ» وهذِه مُبالَغةٌ في العُقوبةِ؛ فلا يَنظُرُ اللهُ إلَيهِم نَظرةَ رَحمةٍ فيَرحَمَهُم، «وَلا يُزَكِّيهمْ» فَلا يُطهِّرُهم من ذُنوبِهم، ولا يَغسِلُهم من دَناءتِهم ولا يَغفِرُ لهم، «وَلهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ» أي: فَوقَ كلِّ تلكَ العُقوباتِ؛ فسَوفَ يَدَّخِرُ اللهُ لهم عذاباً عَظيماً في الآخِرةِ، فيُضاعِفُ علَيهمُ العُقوبةَ؛ بسَببِ ما ارْتَكَبوه، ومعنى «عذاب أليم» أي: مؤلم، قال الواحدي: هو الذي يَخلصُ إلى قُلُوبهم وَجَعُه. قال النووي: أي: لا يُكلّمهم تكليم أهل الخَيْرات بإظْهار الرِّضا، بل بكلام أهل السّخط والغَضَب، ولا يَنْظر إليهم، فيُعْرض عنهم؛ لأنَّ نظره لعباده رحمة ولطف، «ولا يزكيهم» أي: لا يُطهّرهم مِنْ دَنَس ذُنُوبهم، وقيل: لا يُثْني عليهم.الرجل الأول
أمّا الأوَّلُ: «رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ، يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ» أي: رَجُلٌ حَرَم النَّاسَ مِن الماءِ الزَّائدِ عن حاجتِه، وفي رِوايةٍ في الصَّحيحينِ: قيَّدَ المنْعَ بابنِ السَّبيلِ، وهو المسافرُ المُضطرُّ للماءِ لنفْسِه، أو حَيوانٍ مُحترَمٍ معه. فيَقولُ اللهُ له يومَ القيامةِ: «اليومَ أَمْنَعُك فَضْلِي، كما مَنَعْتَ فضلَ ما لم تَعْمَلْ يَداك»؛ وذلك لأنَّه لم يَكُنْ له عمل ولا كسب في هذا الماءِ الَّذِي منَع النَّاسَ الزَّائدَ منه على حاجتِه، بَلِ اللهُ -تعالَى- هو الَّذِي أنْزَلَه مِن السَّماءِ بغَيرِ حَولٍ ولا قُوَّةٍ لأحدٍ مِن البَشَرِ، فكما مَنَع هذا الرَّجُلُ فضْلَ اللهِ، يَمْنَعُه اللهُ فضْلَه يومَ القيامةِ.الرجل الثاني
أمّا الثاني: «ورَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ» أي: بائِعٌ حلَفَ كذِباً أنَّه اشْترَى سِلْعةً بأكثرَ مِن الثَّمنِ الَّذِي اشْتَراها به حَقيقةً، ويُريدُ أنْ يَبِيعَها به، فصَدَّقَه المُشتري لأجْلِ تلك اليمينِ، وهو كاذِبٌ فيها، أو أنّها أصلية وجيدة ونحو ذلك، ممّا يرغب فيها فتشترى منه، فحلَفَ بالله كَذِباً، ليأكل شَيئاً مِن مالِ أخِيه بغَيرِ حقٍّ، فيَحلِفُ ليَأخُذَ مالَ غيرِه الَّذي لا يَحِلُّ له. وخَصَّ وقْتَ العَصْرِ بتَعظيمِ الإثْمِ فيه- وإنْ كانت اليَمِينُ الفاجِرَةُ مُحرَّمةً في كلِّ وقتٍ-؛ لأنَّ اللهَ عظَّمَ شَأنَ هذا الوقتِ، بأنْ جَعَل المَلائكةَ تَجتمِعُ فيه، وهو وقْتُ خِتامِ أعْمالِ اليومِ، والأُمورُ بِخَواتِيمِها.الرجل الثالث
أمّا الثالث: فقال: «وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً؛ لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ؟» الثالث: رجُلٌ بَايَعَ الإمامَ- وهو الخَليفةُ ونحوه- وعاهَدَه على الطَّاعةِ والسَّمعِ، لكنْ لمْ يكُنِ ذلك امتثالاً منه لِأمْرِ اللهِ وأمْر رَسولِه - صلى الله عليه وسلم -َ؛ وإنَّما لِيَنالَ مِنْ عَطاء الخَليفةِ ومَتاعِ الدُّنيا، فإذا أُعطِيَ ما أرادَ؛ رَضيَ به وتابَعَه، وإنْ مُنِعَ؛ سَخِطَ وغضِبَ عليه. وإنَّما استَحقَّ هذا الوعيدَ الشَّديدَ: لكَونِه غَشَّ إمامَ المُسْلمينَ، ومِنْ لوازِمِ غِشِّ الإمامِ؛ غِشُّ الرَّعيَّةِ؛ لِما فيه مِنْ السَّببِ إلى إثارةِ الفِتنةِ، ولا سيَّما إنْ كان الرجلُ ممَّن يُتَّبَعُ على ذلك. وذِكرُ هؤلاء الأصنافِ الثَّلاثةِ في هذا الحديثِ: لا يَعْني الحَصْرَ، ولا يَمنَعُ مِن وُجودِ أصنافٍ أُخرى استَحقَّت نفْسَ العَذابِ، كما في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - مرفوعاً: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ: المَنَّانُ الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مَنَّه، والمُنَفِّقُ سِلعَتَه بالحَلِفِ الفاجِرِ، والمُسبِلُ إزارَه». وكما في صَحيحِ مُسلمٍ، وفيه أيضاً: مِن حَديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه -: «شَيْخٌ زَانٍ، ومَلِكٌ كذَّابِ، وفقيرٌ مُستكبِرِ».من فوائد الحديث
- كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَثيراً ما يُحذِّرُ أصحابَه -رَضيَ اللهُ عَنهم- من سَيِّئِ الصِّفاتِ، وقَبيحِ الأعمالِ، وكانَ -صلى الله عليه وسلم - شَديدَ الحِرصِ على كلِّ ما يُقرِّبُهم منَ الجَنَّةِ في الآخِرةِ.
- إلْحاقُ الضَّررِ، والأَذى بالنَّاسِ أمْرٌ مُستقبَحٌ في الدُّنيا، وجالبٌ لِصاحِبِه الخُسرانَ والبَوارَ في الآخرةِ.
- إثباتُ صِفةِ الكلامِ والنظر للهِ -عزَّ وجلَّ- على الوجْهِ اللَّائقِ به -جلَّ جَلالُه-، مِن غَيرِ تَشبيهٍ ولا تَمثيلٍ ولا تَكييفٍ؛ فإنْ لم يُكلِّمِ الأصنافَ الثَّلاثةَ ولم يَنظُرْ إليهم، فهو يُكلِّمُ غيرَهم ويَنظُرُ إليهم.
لاتوجد تعليقات