اليمن والمصير المجهول- ماذا بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء؟
خلال 24 ساعة فقط لحق اليمن بالعراق الذي لم يبق من هويته سوى الذكرى وصفحات التاريخ، ذاب اليمن من دون أن يشعر أحد بما حدث أو يهتم له، صمت غامض غلف المناخ الدولي، امتد إلى الداخل اليمني فطال كل المؤسسات الأمنية، بينما تسرب (الحوثي) مثل تيار ناعم إلى أن استوطن صنعاء، وقبض معصمها، وغيّر بوصلتها، فمن المستفيد من الصفقة؟ وكيف توافقت الأطراف على هذه النهاية الحزينة؟ وإلى ماذا يمكن أن تؤدي؟
مطمع فارسي قديم
اليمن كان مطمعًا منذ القدم للفرس، وما حكاية سيف بن ذي يزن مع كسرى واستنجاده به لطرد الغزو الحبشي، ثم هيمنة الفرس على اليمن بعد قدومهم، وحكمهم له حتى بداية الإسلام، إلا دليل على قدم هذا الحلم اليمني في وجدان الأكاسرة قديمًا وعقولهم، والملالي حاليًا.
ولا شك أن سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء هو فرصة ذهبية لإيران لتحقيق هذا الحلم القديم وافتراش اليمن بكامله، ولاسيما بعد تَكَوّْنِ الحكومة الجديدة التي ستوقع اتفاق دفاع مع إيران وصولاً إلى انتزاع اليمن كليًا من تاريخه، وحينها سيكون مضيقي هرمز وباب المندب بين سبابتين إيرانيتين.
فرصة ذهبية
ومع انشغال القوى الدولية والإقليمية بالحرب العالمية على (داعش) تجد إيران نفسها أمام فرصة ذهبية لتغرز مزيدًا من المخالب في الجسد اليمني المنهك، تريد إيران أن تتسلل إلى التراب اليمني كاملاً عبر نقع الغبار الذي بدأ يتصاعد من معركة التحالف الدولي ضد (داعش)، فالذئاب لا تفتك إلا إذا ارتفع غبار القطيع وصعبت الرؤية واستحال الهرب.
أهداف استراتيجية
ولا شك أن إيران ستحقق، من خلال سيطرتها على اليمن، هدفين استراتيجيين:
- الأول: حلحلة الطوق الذي تفرضه الثورة السورية بدعم من خصوم إيران.
- الثاني: تثبيت القدم في موقع استراتيجي بالغ الخطورة في شبه الجزيرة العربية.
فلو تمكنت إيران من تنفيذ هذ المخطط وفرض السيطرة الكاملة على اليمن عبر ذراعها الحوثي دون منغصات أو مضايقات، فلا ريب في أن هذه ستكون ورقة مساومة وابتزاز لدول المنطقة بل العالم أجمع، ووقتها سيدرك الذين تواطؤوا مع هذه الذراع الخبيثة لتصفية حسابات مع بعض القوى الإسلامية في اليمن أنهم ككُليب بن ربيعة الذي قتل غدرًا وقالت فيه العرب:
المستجير بعمرو عند كُربته..
كالمستجير من الرمضاء بالنار
والذي يدقق في آيديولوجية إيران المتطرفة وأدبياتها وأفعالها في سوريا والعراق ولبنان وما وصلنا من «فلتات» ألسنة قادتها حول أحلامها التوسعية، يدرك تمامًا أنها تعد العدة لجعل اليمن قاعدة تتمدد من خلاله بعد السيطرة عليه والزحف من الشمال العراقي مكونة كماشة طائفية خطيرة، وذلك في حالة حدوث المزيد من الفوضى في المنطقة بسبب تعقيدات ملفاتها السياسية والطائفية والأمنية، وكذلك حالة عدم الاستقرار الذي خلفه ما يسمى الربيع العربي المشؤوم.
على نفسها جنت براقش
ويرى مراقبون أن من أخطر تداعيات سيطرة الحوثيين على اليمن اتساع الحاضنة الاجتماعية لتنظيم القاعدة في البلاد بما يمكنها من التمدد والسيطرة على مساحات واسعة من اليمن وحتى العاصمة على طريقة داعش في العراق وسوريا، فاليمن بلد معقد اجتماعيًا، وهناك مسافة غير قليلة تفصله عن البنية الحديثة للدولة، ومن ثم فهو مجتمع صعب السيطرة عليه من قبل سلطة مركزية، ولاسيما إذا كانت طائفية مثل الحوثي دون إجماع قبلي أو شبه إجماع.
كما أن الإحساس بالخيانة والإحباط وعدم القدرة على رد صولة الحوثيين من الطبيعي أن يدفع قطاعات متزايدة من الشعب اليمني للبحث عن قوة عنيفة ومتطرفة مقابلة تواجه تطرف الحوثيين وعنفهم، وهذا ما يجعل البلاد على حافة فوضى شاملة أسوأ من التي يشهدها العراق وسوريا، كذلك فإن حالة الاختناق والغضب الشديدة التي يلاحظ انتشارها في دول الخليج العربي على نطاق واسع حاليا وتظهر بوضوح من خلال رصد ردود الأفعال الشعبية ومتابعتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت تعطي إحساسا بالقلق الشديد من أن المنطقة قد تكون مقبلة على انفجارات اجتماعية وسياسية بالغة العنف قد تغير الكثير من أوضاع الخليج بكامله.
امتداد للثورة الخمينية
خلاصة القول: إن اليمن أمام امتحان عسير، ويتعرض إلى عملية تذويب لطمس كل ما فيه من عروبة، من خلال محاولة ابتلاعه من قِبل الإخطبوط الإيراني، كما صرح مندوب مدينة طهران في البرلمان الصفوي3 «علي رضا زاكاني» المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي، أن العاصمة اليمنية صنعاء أصبحت «العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد»، موضحًا أن ثورة الحوثيين في اليمن هي «امتداد للثورة الخمينية»، وأن إيران تمر في هذه الأيام بمرحلة (الجهاد الأكبر)، منوها أن هذه المرحلة تتطلب سياسة خاصة، وتعاملاً حذرًا من الممكن أن يترتب عليه عواقب كثيرة.
وهكذا يتآكل الجسد العربي تدريجيًا، ويبتلعه الإخطبوط الصفوي واحدًا تلو الآخر، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولو أن أشقاء اليمن استوعبوا الأهمية الإستراتيجية لأمن واستقرار اليمن لأدركوا تمامًا أن حماية هذا البلد هو إنقاذ لبلدانهم، وتلك مسؤولية يجب النظر إليها بعين الاعتبار حتى لا نشهد موت اليمن كما شهدنا موت العراق وليبيا وسورية وقبل ذلك موت الصومال.
لاتوجد تعليقات