الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – الضابط الثاني – لا يصحّ الوقف من مكره ولا هازل ولا مخطئ
باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه، ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط، ولاسيما بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله، واليوم مع الضابط الثاني وهو: (لا يصحّ الوقف من مكره ولا هازل ولا مخطئ)
المُكرَه: مفعولٌ من أكرَهَهُ يُكرِهُهُ إكراهاً، والإكراه شرعًا: «حمل الآخر على أمرٍ يكرهه، ولا يريد مباشرتَه لولا الحمل عليه»، وقيل: «هو اسمٌ لفعلٍ يفعله الإنسان بغيره؛ فينتفي به رضاؤُه، أو يفسُد به اختيارُه»، وقيل: «هو حمل الآخر على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو خُلّيَ ونفسه»، وكلّها متقاربة.
والهازلُ: اسم فاعلٍ من الهَزْل، والهَزْل: «نقيض الجدّ»، قال فخر الإسلام البزدوي: «تفسيرُه اللّعب، وهو أن يُراد بالشيء ما لم يوضَع له، وهو ضدّ الجدّ، وهو أن يُراد بالشيء ما وضع له؛ فصار الهَزْل ينافي اختيارَ الحكم والرضاء به، ولا ينافي الرّضاء بالمباشرة واختيار المباشرة»، وعليه: فـ «الهازل من حيث هو هازلٌ لا قصد له في إيقاع ما هزل به».
والمخطئ: اسم فاعلٍ من أخطأ يخطئ خطأً، قال الحافظ: «قال الدّاودي: وقوع الخطأ في الطلاق والعتاق، أن يريد أن يلفظ بشيء غيرِهما فيسبق لسانه إليهما»، والمخطئ هو «من أرادَ الصّوابَ فصار إلى غيره».
ومقتضى هذا الضّابط أن من تلفّظ بالوقف، أو جاءَ بما يدلّ على إرادته لذلك، لكنه كان في تصرُّفه ذاك مُكْرَهًا أو هازلاً أو مخطئًا؛ فلا يصحّ منه الوقف، والحقّ أنّ هذا هو الرّاجح رجحاناً بيّنًا، مع وجود خلافٍ يسيرٍ في المُكْرَه.
أوّلاً: وقف المكرَه
المُكْرَه على أن يتلفّظ بأنّه وقف مالَه، أو على فعل ما يدلّ على ذلك، كمن أُكْرِهَ على ترك بيتِه وتخليته للنّاس للصّلاة فيه، أو أرضِه ليدفن النّاس فيها موتاهم، معدوم الرّضا بذلك الفعل، وليس له فيه نيّةٌ ولا قصد، لكن له فيه اختيارٌ؛ فإنّه هو الذي نطقَ ولم ينطق أحدٌ بالنّيابة عنه، إلّا أنّه بسبب عارض الإكراه نطق على وفق إرادة غيره لا على وفق إرادته، فما حكم هذا الوقف؟
ذهب جمهور أهل العلم من المالكيّة، والشافعيّة، والحنابلة، إلى بطلان هذا الوقف.
قال الدّردير: «وشرط صحّة وقفه: أنْ يكون من أهلِ التبرّع، كما نبّه عليه بقوله: «إنْ كان» الواقف أهلاً للتبرّع، وهو البالغ الحرّ الرّشيد المختار؛ فلا يصحّ من صبيٍّ ولا مجنون ولا عبدٍ ولا سفيهٍ ولا مُكْرَهٍ».
وقال الخطيب الشربيني: «ولابدّ أنْ يكون مختارًا؛ فلا يصحّ من مُكْرَهٍ».
وقد نصّ الحنابلة على أنّ الاختيارَ المنافي للإكراه شرطٌ في صحّة الهبة، والوقف منها بذات السّبيل بجامع التبرّع في كليهما.
وذهب الحنفيّة إلى أنّ وقفَ المُكْرَه صحيحٌ، لكنّه غير نافذ، بل موقوف على إجازة المُكْرَه بعد زوال عارض الإكراه؛ فإنْ أمضاهُ صار لازماً، وهذا تفريعٌ منهم على قاعدتِهِم في إيقاع تصرُّفات المُكْرَه عموماً وإمضاءها؛ فإنّهم يصحّحون الكثيرَ من تصرُّفاته، وإن كان تحت الإكراه.
والرّاجح القول بالبطلان، وإن كان القولان متقاربان؛ من حيث الثمرة، لدلالة النّصوص بوضوحٍ على اشتراط الرّضا لصحّة سائر التصرُّفات الماليّة، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}(النّساء: 29)، وقال -تعالى-: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}(النساء: 4)، قال رسول الله[: «لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبِ نفسٍ منه».
وكلُّ هذا ظاهرٌ في اشتراط الرّضا عند إنشاء العقود الاختياريّة، ومنها التبرُّع بالمال.
ثانياً: وقف الهازل
الهازلُ كما تقدّم هو من اختارَ تصرُّفًا ظاهراً من قولٍ أو فعلٍ، وليس له قصدٌ باطنٌ في تحقيق مقتضى ذلك التصرُّف.
ولمّا كان الرّضا بالتبرُّع بالمال مشروطًا ظاهراً وباطناً، للأدلّة التي تقدّمت في وقف المُكْرَه، لم يكن وقف الهازل صحيحاً، لتخلُّف القصد والرّضا عنه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ؛ النّكاح، والطّلاق، والرّجعة»، وليس منها ولا فيها الوقف، أو شيءٌ من التبرّعات أصلاً.
ثالثاً: وقف المخطئ
المخطئُ ملحقٌ بالهازلِ في عدم صحّة وقفِه، ومناطُ بُطلانِ وقفِه غياب القصد والرّضا أيضاً؛ فكلُّ ما يُستدلُّ به على بطلان وقف الهازل يُستدلُّ به هنا سواءً.
ومن بديع تقريرات الإمام ابن قيّم الجوزيّة -رحمه الله-؛ ممّا يمكن أن تدخُل فيه هذه الصّور الثلاث جميعاً، قولُه:
«إذا قال العبد لسيّده -وقد استعمله في عمل يَشُقُّ عليه-: أعتقني من هذا العمل، فقال: أعتقتك، ولم يَنْوِ إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك، وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرم بذلك، ولم يكن مُظَاهِرًا.
والصّريح لم يكن موجبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجَبَه لأنّا نستدلّ على قصد المتكلّم به لمعناه؛ لجريان اللّفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قَصْدُه بخلافِ معناه لم يَجُزْ أنْ يُلْزَمَ بما لم يُرِدْهُ، ولا التزَمَه، ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جنايةٌ على الشّرع، وعلى المكلّف.
واللَّه -سبحانه وتعالى- رَفَعَ المؤاخذة عن المتكلّم بكلمة الكفر مُكْرَهًا لمّا لم يقصد معناها ولا نواها؛ فكذلك المتكلّم بالطّلاق، والعتاق، والوقف، واليمين، والنّذر مكرهًا، لا يلزمه شيءٌ من ذلك؛ لعدم نيّته وقصده، وأتى باللّفظ الصريح؛ فعُلِم أنّ اللّفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به.
واللَّه -تعالى- رفع المؤاخذة عمَّن حدَّثَ نفسَه بأمر بغير تلفُّظٍ أو عمل، كما رفعها عمّن تلفّظ باللّفظ من غير قصد لمعناه، ولا إرادة؛ ولهذا لا يكفر مَنْ جَرَى على لسانه لفظُ الكفر سَبْقًا من غير قصدٍ لفرح أو دَهَش وغير ذلك، كما في حديث الفرح الإلهِيِّ بتوبة العبد، وضرب مَثَلَ ذلك بمن فَقَدَ راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المُهْلكة فأيس منها ثم وجدها، فقال: اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك، «أخطأَ من شدّة الفرح»، ولم يؤاخَذْ بذلك»
لاتوجد تعليقات