الضوابط الفقهية في الأعمال الوقفية 31- الاعتبار بما هو أنفع لأهل الوقف عند الإنشاء أو الاستبدال
يقول المولى -تبارك وتعالى-: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(القصص: 77)، وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم نافع ، أو ولد صالح يدعو له».
معنى الضابط: المعيار الذي تُقدَّم مراعاته عند إنشاء عقد الوقف، وكذا عند استبدال آخر به عند قيام الدّاعي لذلك، هو المنفعة المتحقّقة لأهل الوقف، وهم الجهة الموقوف عليها.
ولأجل ذلك كان الشرط الأوّل المتّفق عليه في العين الموقوفة هو أن تكون مالاً مباحاً، لكي يمكن الانتفاع به؛ إذ غير المباح لا منفعة فيه للموقوف عليه ولا للواقف؛ لأنّ الله -تعالى- طيّب لا يقبل إلى طيّباً.
قال الموفّق -في شروط صحّة الوقف-: «أنْ يكون على بِرٍّ؛ كالمساكين والمساجد والقناطر والأقارب، مسلمين كانوا أم من أهل الذّمّة، ولا يصحّ على الكنائس وبيوت النّار وكتابة التوراة والإِنجيل، ولا على حربيٍّ ولا مرتدٍّ، ولا يصحّ على نفسه في إِحدى الروايتين».
هذا فيما يتعلّق بإنشاء الوقف وابتدائه، أمّا استبدال آخر به فيكون بواحدةٍ من صورتين: فإما أن تُبْدَلَ العين الموقوفة بعينٍ أخرى تكون وقفاً مكانها، أو تُباع العين الموقوفة ويُشترى بها عين أخرى تكون وقفاً مكان الأولى.
قال شيخ الإسلام: «والإبدالُ يكون تارةً بأنْ يُعَوَّضَ فيها بالبدل، وتارةً بأن يُباع ويُشترى بثمنها المبْدَل».
وتظهر ثمرة القول بصحّة استبدال الوقف في حالتين مهمّتين:
- الأولى: إذا تعطّلت منافع الوقف.
- الثانية: إذا ظهرت مصلحةٌ راجحةٌ في الاستبدال، وأفضليّةٌ بيِّنةٌ له، وإن لم تتعطّل المنافع.
أمّا الصورة الأولى وهي صورة تعطُّل المنافع، فهي كتهدُّم الدّار الموقوفة، وهجران المسجد بسبب تحوُّل النّاس عن المحلّة التي هو فيها، ونحو ذلك.
قال أبو عمر ابن قدامة: «فإنْ تعطّلت منافعه بالكلية؛ كدارٍ انهدمت، أو أرضٍ خَرِبَتْ وعادت مواتاً لا يمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلّى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، فإن أمكن بيعُ بعضِه ليعمر به بقيته، جاز بيع بعض، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بِيْعَ جميعُه».
قال أحمد -في رواية أبي داود-: إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة، جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه، وقال -في رواية صالح-: يحوَّل المسجد خوفاً من اللصوص، وإذا كان موضعه قذراً، قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع الصلاة فيه. ونص على جواز بيع عرصته في رواية عبد الله، وتكون الشّهادة في ذلك على الإمام.
قال أبو بكر: وقد روى علي بن سعيد، أن المساجد لا تُباع، وإنّما تُنقل آلتها. قال: وبالقول الأوّل أقول؛ لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحَبِيسِ -يعني الموقوفة على الغزو- إذا كبرت فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرّحى، أو يُحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصاناً يُتَّخَذُ للطِّرَاق؛ فإنه يجوز بيعها، ويُشترى بثمنها ما يصلح للغزو، نصّ عليه أحمد».
وهذا القول هو الذي ذهب إليه الحنفيّة في الأصحّ عندهم، وهو إحدى الروايتين عن مالك، ووجه عند الشافعيّة، واختاره شيخ الإسلام، وهو الراجح إن شاء الله.
وقد منعَه بعض الحنفيّة لنظرةٍ مقاصديّة سديدة لن يخلو الزمان من الحاجة إلى إعمالها، وهي سدُّ ذريعة تحكُّم القُضاة الطّامعين في الأوقاف؛ فيقضون باستبدالها للاستيلاء عليها لا لأجل مراعاة المصلحة، وقد أشار بعضُهُم إلى حوادث وتجارب عرفها دعتْه إلى الميل إلى المنع لأجل مراعاة هذه النقطة، وتتأكّد مراعاة هذه النّظرة عند تقرير المسألة الآتية، وهي استبدال الوقف إذا لم تتعطّل منافعه للمصلحة الراجحة.
شروط صحة الاستبدال
وفي الجملة فقد اشترطَ الحنفيّة شروطاً لصحّة الاستبدال، هي:
«أن يخرج عن الانتفاع بالكلية، وألا يكون هناك ريعٌ للوقف يعمَّر به، وألا يكون البيع بغبن فاحش، وشَرَطَ في (الإسعاف) أنْ يكون المستبدِل قاضي الجَنَّة المفَسَّر بذي العلم والعمل، كيلا يحصل التطرُّق إلى إِبْطَالِ أوقاف المسلمين كما هو الغالب في زماننا».
فأمّا هذه الصورة الثانية، وهي استبدال الوقف دون أن تتعطّل منافعه، وإنّما لرُجحان المصلحة في الاستبدال؛ فقد اختلف فيها أهل العلم على أقوالٍ، أرجحها ما اختاره شيخ الإسلام، وبه قال جماعة من الحنابلة والحنفيّة، وهو صحّة ذلك.
وقد أخرج البخاريُّ «صحيحه»(1586) عن عائشة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «يا عائشة، لولا أنّ قومك حديثُ عهد بجاهليّة لأمرتُ بالبيت فهُدِم، فأدخلتُ فيه ما أُخْرج منه، وألزقتُه بالأرض، وجعلتُ له بابَيْن؛ باباً شرقيًّا وباباً غربيًّا، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم».
قال شيخ الإسلام: «ومعلومٌ أنّ الكعبة أفضلُ وقْفٍ على وجه الأرض، ولو كان تغييرُها وإبْدالها بما وصفه صلى الله عليه وسلم واجبًا لم يتركه، فعُلم أنه كان جائزاً، وأنّه كان أصلح لولا ما ذكره من حَدَثَان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديلُ بنائها ببناءٍ آخر، فعُلم أنّ هذا جائزٌ في الجملة».
تطبيقات القاعدة
1- إذا وقفَ دكّاناً على طريقٍ من الطُّرُق، فتمّ تحويلُ الطريق حتى كسد الدكّان ورغب عنه المستأجرون؛ فللنّاظر أن يستبدله بغيره، سواءً ببيعه وشراء آخر يكون وقفاً مكانه، أو بمبادلته بعينٍ أخرى اصلح أن تكون وقفاً في موضعٍ آخر يتحقّق به مقصد الواقف، ومصلحة الموقوف عليهم.
2- إذا خَرِبَت الأرضُ الموقوفة على نحوٍ يتعذّر معه استصلاحُها، فيصحّ بيعُها وشراءُ أخرى تكون وقفاً مكانها.
3- من صور استبدال الوقف غير معطّل المنافع للمصلحة الراجحة، بيع الدكّان المنفرد الذي له غلّة قليلة، بآخر أحسن غلّة لكنه مضموم إلى ملك شريكٍ آخر؛ بحيث ينتفع الوقف بتلك الشراكة في تحسين الغلّة والصيانة والتعمير؛ وذلك بشرط ألا تعرِّض هذه الشّراكة العين الموقوفة أو منافعها في الحال أو في المآل لما يضرّ بمقصد الواقف أو مصلحة الموقوف عليهم؛ لأنّ الوقْف تُراعى فيه فكرة تأبيد المنفعة ما وُجد سبيلٌ إلى ذلك، ولا يُنظَر فيه إلى المصلحة
لاتوجد تعليقات