الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – الضوابط المتعلقة بصيغة الوقف – يصحّ استثناء منفعة العين الموقوفة أو بعضها مدّة معلومةً
معنى الضابط: إذا وقف إنسانٌ وقفاً، فيجوز له أن يستثني غلّة الوقف لتكون له مدّة معلومة، وكذلك بعض الغلّة من باب أولى، ويكون الوقف مع ذلك منعقداً صحيحاً.
وقد اختلف أهل العلم في ذلك على أقوالٍ، هي:
الأوّل: الوقف صحيحٌ بهذا الشرط، والشرط صحيحٌ كذلك، وإليه ذهب الحنفيّة والحنابلة في المعتمد، ووجهٌ للشافعيّة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة.
منافع الأعيان الموقوفة
قال في (مرشد الحيران)(ص5 مادة17): «يجوز أن تُجعل منافع الأعيان الموقوفة لواقفها نفسه، فينتفع بها إن اشترط ذلك لنفسه مدّة حياته، ومن بعده تنتقل إلى الجهة التي اشترطها لها، ويصحّ أن تُجعل تلك المنافع لشخص معيّن أو لأشخاص عدة معيّنين، سواء كانوا من أولاد الواقف أم من أقاربه أم أجانب منه، ويجوز جعلها لشخص قبل وجودِه، بشرط أن يكون آخرها في كل الأحوال لجهة بِرٍّ لا تنقطع». والثاني: يبطل الوقف بهذا الشرط، وهو المذهب عند الشافعيّة والمالكيّة. والثالث: الوقف صحيح منعقد، والشرط باطل، وهو قول عند الحنابلة. ولا ريب أنّ القول الأوّل هو الراجح، لظهور أدلّته، ومنها: كلُّ ما دلّ على اعتبار الرّضا في عقود المعاوضات والتبرّعات جميعاً، وكذا كلُّ ما دلّ على صحّة الشّروط المقيِّدة على الوقف، وقد تصدَّق الزبير بدُوْره، وقال: للمردودة من بناته أن تسكن غير مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإن استغنت بزوجٍ فليس لها حقّ. وجعل ابن عمر نصيبَه من دار سُكْنَى لذوي الحاجة من آل عبد الله.
قول أبي يوسف
وفي المادة (614) من )قانون العدل والإنصاف): «يصحّ الوقف -على قول الإمام أبي يوسف، بشرط أن يأخذ الواقف لنفسه غلّة الموقوف جميعها أو بعضها ما دام حيًّا، وصرفها من بعده على جهة برٍّ لا تنقطع، ويلزم العمل بشرطه». وحتى المانعون من صحّة الوقف مع هذا الشّرط، أو المبطلون للشّرط وحدَه، استثنوا صوراً صحّحوا فيها هذا الاشتراط. قال الخطيب الشربيني: «ويستثنى من عدم صحّة الوقف على النّفس مسائل؛ منها: ما لو وقف على العلماء ونحوهم كالفقراء واتّصف بصفتهم، أو على الفقراء ثم افتقر، أو على المسلمين؛ كأن وقف كتابًا للقراءة ونحوِها، أو قِدْرًا للطّبخ فيه، أو كيزانًا للشُّرب بها، ونحو ذلك، فله الانتفاع معهم لأنّه لم يقصد نفسَه».
التطبيقات
1- إذا وقف وقفاً واشترط لنفسه أن يأكل منه مدّة حياته، صحّ وقفه وصحّ شرطُه.
2- إذا وقف وقفاً واشترط أن يدخل فيه بعض أقاربه مدّةً معلومةً ممّن لا ينتمون للجهة الموقوف عليها، كأن يكون أقاربه أغنياء، صحّ ذلك منه كذلك.
3- إذا وقفَ وقفاً وكان من شرطه أن قال: إذا نزل بي الموتُ وعلَيَّ دَيْنٌ، فأوّل ما يُبدأ به من غلّة ما بعد الوفاة هو قضاء دَيْنِي، فذلك صحيحٌ جائزٌ.
4- إذا وقفَ بئراً، وشَرَطَ أن يشرب منه، أو مقبرةً وشَرَطَ أن يُدفن فيها، فهو صحيحٌ جائزٌ.
الضابط الثالث: هل يُشترط التأبيدُ
في الوقف أم يحتمل التأقيت؟
سبقت الإشارة إلى قضيّة التأبيد والتأقيت في الوقف عند الكلام على الضّابط الذي صُغناه بلفظ: (الراجح صحّة وقف المنافع المباحة، ولو دون الأعيان)، وأشرنا عند الكلام عليه إلى أنّ وقف المنافع مسألةٌ تتفرّع عن القول باشتراط التأبيد لصحّة الوقف أو عدم اشتراطِه، لكنّنا ركّزنا في شرحه على مسألة ماليّة المنافع، لأنّ كلام أهل العلم على وقْف المنافع كان ملتصقاً بهذا المأخذ أكثر، والآن نبيّن على نحوٍ مختصرٍ خلافَ أهل العلم في مسألة التأبيد والتأقيت، وننقل مذاهبهم من مصادرها، فنقول:
مذهب الحنفيّة: التأبيدُ شرطٌ لصحّة الوقف، وتوقيتُه ممتنعٌ.
قال في (الإسعاف) -في تعداد شروط الصحّة المختلَف فيها بين أبي يوسف ومحمد-: «ذِكْر التأبيد أو ما يقوم مقامه كالصدقةِ ونحوِها، شرطٌ عند محمد -رحمه الله-، وليس بشرطٍ عند أبي يوسف -رحمه الله-، فلو قال: وقفتُ أرضي هذه، أو قال: جعلتُها موقوفةً ولم يَزِدْ عليه، جازَ عندَه وصارت وقفاً على الفقراء، وبه أفتى مشايخُ بلخ، وعليه الفتوى، لأنّ قولّه: وقفتُ، يقتضي إزالتَه إلى الله تعالى ثمّ إلى نائبه وهو الفقير، وذا يقتضي التأبيد، فلا حاجةَ إلى ذكره كالإعتاق، وعند محمد: لا يجوز، لأنّ موجَبه زوالُ الملك بدون التّمليك، وذلك بالتأبيد كالعتق، وإذا لم يتأبّد لم يتوفّر عليه موجبه، ولهذا يُبطِله التأقيت كما يُبطِل البيعَ»، إلى أن قال: «فظهرَ بهذا أنّ الخلافَ بينهما في اشتراطِ ذكر التأبيدِ وعدمه إنما هو في التنصيص عليه، أو على ما يقوم مقامَه، كالفقراء ونحوهم، وأمّا التأبيدُ معنىً فشرطٌ اتّفاقًا على الصحيح، وقد نصّ عليه محقّقو المشايخ -رحمهم الله تعالى».
مذهب الشافعيّة: التأبيدُ شرطٌ لصحّة الوقف
مذهب الشافعيّة: التأبيدُ شرطٌ لصحّة الوقف على الصّحيح المعتمد، وعندهم قولٌ بصحّة الوقف مع التوقيت، وقولٌ آخر بصحّة الوقف مع التوقيت مقيّداً إذا كان لا يُشترطُ لنفاذه القبول.
قال النّووي: «فصلٌ: لو قال: وقفتُ هذا سنةً، فالصحيح الذي قطع به الجمهور: أنّ الوقف باطلٌ. وقيل: يصحّ، وينتهي بانتهاء المدة، وقيل: الوقف الذي لا يشترط فيه القبول لا يفسد بالتوقيت كالعتق، وبه قال الإمام، ومن تابعه». مذهب الحنابلة: التأبيد شرطٌ لصحّة الوقف كذلك، مع كونه يُحتمل أنّه لو شَرَطَ شرطاً يقطع التأبيد، كأن يشترط أنّ له بيعه، أو هبته، أو الرجوع فيه، متى شاء، فيحتمل أن يصحّ الوقف ويبطل الشرط، والمعتمد أنّ الوقف باطلٌ والشرط باطل.
قال الموفّق: «فصلٌ: وإنْ شَرَطَ أن يبيعَه متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه، لم يصحّ الشرطُ ولا الوقف، لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنّه ينافي مقتضى الوقف، ويحتمل أنْ يفسُد الشرط، ويصحّ الوقف، بناءً على الشروط الفاسدة في البيع، وإن شرطَ الخيارَ في الوقف، فسَدَ، نصّ عليه أحمد... ولنا، أنّه شرطٌ ينافي مقتضى العقد فلم يصحّ، كما لو شَرَطَ أنّ له بيعَه متى شاء، ولأنّه إزالة ملك لله تعالى، فلم يصحّ اشتراطُ الخيار فيه كالعتق، ولأنّه ليس بعقد معاوضة، فلم يصحّ اشتراط الخيار فيه، كالهبة».
مذهب المالكيّة: التأبيد ليس شرطًا لصحّة الوقف
- مذهب المالكيّة: التأبيد ليس شرطًا لصحّة الوقف، بل يصحّ الوقف مؤقّتاً، وعند انتهاء توقيته يرجع ملكاً للّذي وقفَه! قال الدردير: «(ولا) يُشترطُ (التأبيدُ)، فيصحّ مدةً، ثمّ يرجعُ ملكًا». وقال النّفراوي الأزهري -في كلامه على أركان الوقف-: «والصيغةُ، وهي كلُّ ما دلَّ على إعطاءِ المنفعةِ ولو مدّةً من الزمان، لأنّه لا يُشترط فيه التأبيدُ».
اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة
وقد سبقت الإشارة إلى اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله- لمذهب المالكيّة، وهو الراجح إن شاء الله -تعالى. ومن دواعي ترجيحه: أنّ أدلّة مشروعيّة الوقف بعمومها لا تمنعه، بل تشملُه بحُكمِها وهو المشروعيّة، وكذا الأدلّة التي قرّرت صحّة الاشتراط في الوقف، ومثلها الأدلّة التي تدلّ على اشتراط رضا الواقف واختياره بكلّ ما ينشئُه من التصرُّفات في ماله جملةً وتفصيلاً، مشروطاً ومطلقاً، فكلُّ ذلك يدلّ على صحّة ما ذهب إليه المالكيّة. ويُضاف إليه من الوجوه: أنّ هذا القول هو الذي فيه الترغيب في الخير، وتيسير سبيله على النّاس ولو مدّةً مؤقتةً محدودةً، وهذا ملحظٌ مقاصديٌّ تشهد الكليّات له وتقوّي اعتبارَه. ومن الفروع الفقهيّة التي عُدّي المعنى الملحوظ فيها إلى مسألة التوقيت والتأبيد، واستُدلّ بها على صحّة التوقيت، تصحيح أهل العلم لوقف الحيوان، وهو لا يتأبّد كما هو معلوم، وكذا اشتراطُ الواقف توقيتَ انتفاع بعض المستحقّين من الغلّة مدةً معلومةً، فإنّ معناه توقيتُ الوقف عليهم خاصّة، فإذا جاز توقيت الانتفاع فقد جاز توقيت حبس المنفعة في نفسه. وممّا قيل في نُصرة هذا القول كذلك: أنّه إذا جاز له أن يقف بعض ماله، ويستثني بعضَه الآخَر، فقد جازَ له أن يقف مالَه بعض الزمان، ويستثني بعضَه الآخر في وجوهٍ أخرى كثيرةٍ.
التطبيقات
1- يجوز لمقيمٍ في بلدٍ، أن يقف سيّارته لصالح مؤسّسةٍ أو جمعيّةٍ خيريّةٍ، أو في أيّ وجهٍ من وجوه الخير، مدّةً إقامته في تلك البلد، فإذا أرادَ السّفرَ والانتفاعَ بها رجعَت إليه.
2- يجوز لمن استأجرَ داراً أن يقفها على سُكنى المحتاجين مدّة إجارتها، فإذا انقضت المدّة فقد انتهت وقفيّتها.
3- يجوز لمن كان يملك داراً أن يقفها على المساكين سنةً، فإذا انقضت السنة رجعت إلى ملكه. يصحّ تعليق الوقف على الموت
لاتوجد تعليقات