شرح كتاب المُزارَعة من صحيح مسلم .. باب: النّهْيُّ عن كِرَاء الأرْض
- جاء الإسلام لينظم العلاقات والمعاملات بين الناس على أسس من التعاون والألفة والمحبة والمودة بما يعزز التآلف والتراحم ويصون الحقوق ويمنع أسباب النزاع والشقاق
المُزارَعةُ لغةً: مُفاعَلةٌ مِن الزَّرعِ، وهو طَرحُ البَذْرِ في الأرضِ، والمُزارَعةُ: هي المُشارَكةُ بَينَ اثنَينِ كالمُنازَعةِ، والمُخاصَمةِ، والمُزارعَةُ اصْطِلاحاً: عَقدٌ على الزِّراعةِ ببعضِ ما يخرُجُ مِنَ الأرضِ، نَحوَ الثُّلثِ والرُّبع، وقيل: المُزارَعةُ مُعاقَدةُ دَفعِ الأرْضِ إلى مَنْ يزرَعُها، على أنَّ الغَلَّةَ بَينَهما على ما شرَطا، وقد جاء الإسلامُ لِيُنظِّمَ العَلاقاتِ والمُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ، وجَعَلَ هذه العَلاقاتِ قائمةً على مَبدأِ التَّعاونِ والأُلْفةِ، والمَحبَّةِ والمَودَّةِ، والبُعْدِ عن النِّزاعِ والشِّقاقِ، والضَّررِ والظُّلْمِ، والخِداعِ.
باب: النّهْيُّ عن كِرَاء الأرْض
عن جَابِر بْن عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1176) باب: كراء الأرض، في هذا الحديثِ يَحكي جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّ الصَّحابةَ كانوا في زمَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَزرَعونَ الأرضَ بالثُّلثِ والرُّبُعِ والنِّصفِ، فقال لهمْ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كانتْ له أرضٌ فلْيَزرعْها» أي: بنفْسِه، «أو لِيَمْنحَها» يَجْعلْها مَنيحةً -أي: عَطيَّةً- لغيرِه إنْ عَجَزَ عن زراعتها بنفْسِه.قوله: «وَلَا يُكْرِهَا»
قوله: «وَلَا يُكْرِهَا» وفي لفظ: «ولا يُكاريها»، أي: لا يُعْطيها أحَداً على الكِراءِ وهو الإجارةُ، وفي لفظ: «فإنْ لم يَفعَلْ؛ فليُمسِكْ أرضَه» فلا يَمنَحُها، ولا يُكْريها. وفي لفظ: «بثُلُثٍ ولا برُبُعٍ»، أي: بثُلُثِ ما يَخْرُجُ منها ولا برُبُعِها، «ولا بطعامٍ مُسمًّى»، أي: لا يُكْريها بشيءٍ مِن جَميعِ ما يَقَعُ عليه اسْمُ طَعامٍ، سواءٌ أنْبتَتْه الأرضُ أمْ لا. وقد استُشكِلَ هذا بأنَّ في إمساكِها بغَيرِ زِراعةٍ تَضييعاً لمَنفعَتِها، فيكونُ مِن إضاعةِ المالِ، وقد ثَبَتَ النَّهيُ عنه، وأُجِيبَ بحَمْلِ النَّهيِ عن إضاعةِ عَينِ المالِ، أو مَنفعةٍ لا تُخلَفُ؛ لأنَّ الأرضَ إذا تُرِكَت بغَيرِ زَرعٍ لم تَتعطَّلْ مَنفعتُها؛ فإنَّها قد تُنبِتُ مِن الكلَأِ، والحَطَبِ، والحَشيشِ ما يَنفَعُ في الرَّعْيِ وغيرِه، وعلى تَقديرِ ألَّا يَحصُلَ ذلك، فقدْ يكونُ تَأخيرُ الزَّرعِ عن الأرضِ إصلاحاً لها، فتُخلِفُ في السَّنةِ التي تَلِيها ما لعلَّه فات في سَنةِ التَّرْكِ، وهذا كلُّه إنْ حُمِلَ النَّهيُ عن الكِراءِ على عُمومِه، فأمَّا لو حُمِلَ الكِراءُ على ما كان مَألوفاً لهم مِن الكِراءِ، بمِثلِ ما وَرَدَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا يَستلزِمُ ذلك تَعطيلَ الانتفاعِ بها في الزِّراعةِ، بلْ يُكْريها بالذَّهبِ، أو بالفِضَّةِ. وفي صَحيحِ البُخاريِّ: مِن رِوايةِ رافعِ بنِ خَديجٍ - رضي الله عنه -: «كُنَّا نُكْري الأرضَ بالناحيةِ منْها، مُسمًّى لسيِّدِ الأرضِ، فمِمَّا يُصابُ ذلك وتَسلَمُ الأرض، وممَّا يُصابُ الأرضُ ويَسلَمُ ذلك، فنُهِينا»، وفي لفظٍ لمُسلمٍ: «إنَّما كان النَّاسُ يُؤاجِرون على عَهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على المَاذِياناتِ، وأقْبالِ الجَداولِ، وأشياءَ مِن الزَّرعِ، فيَهلِكُ هذا ويَسلَمُ هذا، ويَسلَمُ هذا، ويَهلِكُ هذا»، فبَيَّنت الرِّواياتُ أنَّ قولَه: «بالثُّلُثِ والرُّبُعِ والنِّصْفِ» يُرادُ به تَخصيصُ ناحية من الأرضٍ بما تُنبِتُه، وليس جُزءاً مِنَ الثَّمَرِ مِن كلِّ الأرضِ.الَّذي نَهى عنه - صلى الله عليه وسلم -
فهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ الَّذي نَهى عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ كان أمراً بيِّنَ الفسادِ، وهي المُزارَعةُ الظالمةُ الجائرةُ، فلذلك زَجَرَ عنها، وأمَّا بشَيءٍ مَعلومٍ مَضمونٍ، بالدِّينارِ أو الدِّرهمِ، فلا شَيءَ فيه، كما ورَدَ في الأحاديثِ والرِّواياتِ. ولا يُخالِفُ ذلك أيضًا: ما صالَحَ عليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَهودَ خَيْبرَ على أنْ يَزْرَعوا الأرضَ ولهم النِّصْفُ، وللنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النِّصْفُ، وظَلَّ العملُ به إلى مَوتِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وبه عَمِلَ الخُلفاءُ الرَّاشدون مِنْ بَعْدِه؛ فالمُزارَعةُ على جُزءٍ مِن الثَّمَرِ غيرُ المُزارَعةِ والمُؤاجَرةِ على تَخصيصِ أرضٍ بما تُنبِتُه.
لاتوجد تعليقات