رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ 26 أكتوبر، 2026 0 تعليق

منارات في مسيرة طلب العلم (3) طالب العلم بين فقه الواقع والعلم بالواجب

  • الواجبات تتنوع بتنوع المراحل والأحوال فطالب العلم في بداية الطلب يحتاج إلى التأسيس والحفظ والفهم فإذا تقدم في العلم اتسعت مسؤوليته في التعليم والبحث
  • ينبغي أن يتحرر طالب العلم من أسْر المثاليات التي قد تعوقه عن العمل فليست القضية دائمًا كيف يختار البيئة التي يريدها وإنما كيف يحسن التعامل مع البيئة التي وجد نفسه فيها
  • ليس كل طالب علم مطالبًا بالتصدي لكل مسألة أو الخوض في كل خلاف فقد يكون نفع الأمة بتأصيله علميا وترسيخ قدمه في علوم الشريعة أعظم من انشغاله بجدالات لا تثمر علمًا ولا إصلاحًا.
  • لكل واقع ما يناسبه من الواجبات والأعمال فما يُطلب في حال القدرة والسعة قد يختلف في بعض تفاصيله عما يُطلب منه في حال العجز والضيق مع بقاء أصل التكليف بحسب الاستطاعة
  • من أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم أن يجمع بين أمرين متلازمين: العلم بما أوجبه الشرع والفهم الدقيق للواقع الذي يريد تنزيل ذلك العلم عليه
 

إن طلب العلم الشرعي ليس رحلة لتحصيل المعلومات وحفظ المتون وجمع المسائل فحسب، وإنما هو مسيرة إيمانية وتربوية تتكامل فيها المعرفة مع البصيرة، والعلم مع العمل، وصلاح النفس مع إصلاح المجتمع، وكلما ازداد طالب العلم رسوخًا في هذا الطريق، ازدادت حاجته إلى إدراك حقيقة رسالته، وفهم البيئة التي يعيش فيها، ومعرفة ما يتعين عليه من واجبات، حتى يكون علمه نورًا يهديه، وخيرًا يمتد أثره إلى غيره.

        وللعلم مقامات متكاملة، أشار إليها ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين، وهي الرواية والدراية والرعاية؛ فالرواية تعنى بنقل العلم وضبطه، والدراية بفهم معانيه وإدراك مقاصده، والرعاية بحفظ حدوده والعمل بمقتضاه، ولا يكتمل البناء العلمي والتربوي لطالب العلم إلا باجتماع هذه المقامات؛ إذ لا يكفي أن يحمل العلم في ذاكرته حتى يظهر أثره في قلبه وسلوكه ومعاملاته.

أهم القضايا التي تواجه طالب العلم

        ومن أهم القضايا التي تواجه طالب العلم في مسيرته علاقته بواقعه وبيئته؛ فقد يبلغ في التحصيل منزلة رفيعة، ويقطع في طريق التعلم أشواطًا بعيدة، ثم يجد نفسه أمام واقع لا يشبه الصورة التي رسمها في ذهنه، فتضطرب موازينه، أو تتشتت جهوده، أو ينصرف إلى معارك جانبية تستنزف وقته، وربما أصابه الإحباط حين لا يجد لعلمه الأثر الذي كان يرجوه، وهنا تظهر الحاجة إلى فقه عظيم، يجمع بين العلم بالواجب، والفهم الصحيح للواقع، وحسن تنزيل الأحكام عليه، وترتيب الأولويات عند تزاحم الواجبات؛ فليس كل ما يُعلم يُقال في كل مقام، ولا كل ما يُطلب من الإنسان في حال يُطلب منه على الصورة نفسها في حال أخرى، وإنما الحكمة أن يعرف المرء ما ينبغي فعله، ومتى يفعله، وكيف يؤديه، وبأي قدر يستطيع تحقيقه.

  • أولًا: فقه الواقع بين المثالية والحقيقة
الواقع الذي يعيشه طالب العلم أوسع من أن يُحصر في المكان الذي يقيم فيه أو المجتمع الذي ينتمي إليه؛ فهو يشمل أسرته وأصدقاءه، ومجال دراسته وعمله، والظروف الاجتماعية والفكرية المحيطة به، وما يتاح له من فرص التعليم والدعوة والإصلاح. وقد يعيش طالب العلم في بيئة تعظم العلم وتكرم أهله، وتفتح أمامه أبواب التعلم والتعليم، وقد يعيش في بيئة تقل فيها العناية بالعلم، أو تكثر فيها المخالفات والفتن، أو تضعف فيها فرص التأثير والإصلاح، وربما وجد نفسه في مجتمع يجتمع فيه الخير والشر، والقوة والضعف، والإقبال والإعراض، فيحتاج إلى بصيرة تميز بين هذه الأحوال، وحكمة تعينه على التعامل معها. وقد يكون أقرب الناس إليه عونًا له على طلب العلم، يشاركونه همومه ويقدرون رسالته، وقد يجد نفسه وحيدًا في بيئة لا تدرك قيمة ما يسعى إليه، وربما تمنى أن تكون له مكتبة عامرة، ومجلس علم منتظم، ووظيفة تعينه على التفرغ، ومساحة واسعة للدعوة، ثم تمضي به الحياة في طريق آخر لا تتحقق فيه تلك الصورة المنشودة.

التحرر من أسر المثاليات

       وهنا ينبغي أن يتحرر طالب العلم من أسر المثاليات التي قد تعوقه عن العمل؛ فليست القضية دائمًا كيف يختار البيئة التي يريدها، وإنما كيف يحسن التعامل مع البيئة التي وجد نفسه فيها، وكيف يستثمر ما أتيح له من أسباب الخير، ويقلل ما يستطيع من أسباب الضرر، وقد عاش الصحابة -رضي الله عنهم- في مرحلتين مختلفتين من تاريخ الدعوة؛ مرحلة مكة بما فيها من استضعاف وأذى وضيق في القدرة، ومرحلة المدينة بما فيها من قيام المجتمع المسلم واتساع مجالات العمل والتشريع. ولم تكن التكاليف العملية ووسائل الدعوة في المرحلتين على صورة واحدة، وإن ظلت أصول الدين وثوابته قائمة لا تتبدل، وفي هذا درس عظيم لطالب العلم؛ أن اختلاف الأحوال يقتضي اختلافًا في الوسائل والأولويات وما يناسب كل مرحلة من الأعمال، دون أن يعني ذلك التنازل عن الثوابت أو تعطيل الواجبات، ومن هنا جاء التوجيه النبوي الجامع: «سددوا وقاربوا»؛ فهو دعوة إلى طلب الصواب، والاجتهاد في بلوغه، ومراعاة الطاقة البشرية، بعيدًا عن الغلو الذي يرهق النفس، أو التفريط الذي يضيع المسؤولية.
  • ثانيًا: العلم بالواجب وفهم الواقع
من أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم أن يجمع بين أمرين متلازمين: العلم بما أوجبه الشرع، والفهم الدقيق للواقع الذي يريد تنزيل ذلك العلم عليه، فقد يكون الإنسان واسع الحفظ، كثير الاطلاع على النصوص والأحكام، لكنه لا يحسن تصور أحوال الناس وظروفهم، ولا يدرك ما يحيط بهم من إمكانات وعوائق، فيقع في الخطأ عند التطبيق، وإن كان أصل الحكم الذي يعرفه صحيحًا، وقد يقع في الطرف المقابل من يكثر الحديث عن الواقع ومتغيراته، ويبالغ في مراعاة الظروف والمصالح، دون رسوخ في العلم الشرعي وضوابطه، فيجعل الواقع حاكمًا على النصوص بدل أن يكون محلًا لتنزيلها، والمنهج الصحيح هو الجمع بين الأمرين؛ فلا فقه صحيح للواقع بغير علم يهديه، ولا تنزيل سديد للأحكام بغير تصور دقيق للوقائع.

إدراك ثلاث حقائق أساسية

ولذلك يحتاج طالب العلم إلى إدراك ثلاث حقائق أساسية.
  • الحقيقة الأولى: أن لكل واقع ما يناسبه من الواجبات والأعمال، فما يُطلب من الإنسان في حال القدرة والسعة قد يختلف في بعض تفاصيله عما يُطلب منه في حال العجز والضيق، مع بقاء أصل التكليف بحسب الاستطاعة، قال -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16)، وقد يجتمع في واقع واحد قدر من التمكين في جانب، والاستضعاف في جانب آخر؛ فيكون طالب العلم قادرًا على التعليم، لكنه محدود القدرة على الإصلاح المؤسسي، أو متمكنًا من الكتابة والبحث، لكنه غير مهيأ للخطابة والمناظرة. وهنا يحتاج إلى فقه يميز بين المجالات، ولا يعمم حكم جانب على سائر الجوانب.
  • الحقيقة الثانية: أن الواجبات تتنوع بتنوع المراحل والأحوال، فطالب العلم في بداية الطلب يحتاج إلى التأسيس والحفظ والفهم، فإذا تقدم في العلم اتسعت مسؤوليته في التعليم والبحث، وإذا تولى عملًا أو أسس أسرة ظهرت واجبات أخرى ينبغي أن يراعيها، وليس من الحكمة أن يظل الإنسان يتعامل مع جميع مراحل حياته بمنهج واحد، دون أن يراجع مسؤولياته ويعيد ترتيب أولوياته.
  • الحقيقة الثالثة: أن معرفة الواجب لا تكفي دون معرفة ما يتقدم منه عند التزاحم، فقد تجتمع على طالب العلم واجبات متعددة، ولا يتسع وقته للقيام بها جميعًا على الوجه الأكمل؛ فيحتاج إلى فقه الموازنة والترجيح، وتقديم المتعين على غير المتعين، والأهم على المهم، مع مراعاة الحقوق والقدرة والمآلات، وهذا هو جوهر فقه الأولويات، وأحد أهم أسباب سلامة المسيرة العلمية والدعوية.
 
  • ثالثًا: فقه الأولويات
قد يجد طالب العلم نفسه بين دراسته الجامعية، وطلبه للعلم الشرعي، ومسؤولياته الأسرية، والتزاماته الوظيفية، ومشاركاته الدعوية، وما يحيط به من قضايا فكرية واجتماعية تحتاج إلى معالجة، وكل واحد من هذه المجالات قد يحمل جانبًا من الخير والمصلحة، غير أن اجتماعها لا يعني أن يتساوى نصيبها من الوقت والجهد، فربما كان الواجب المتعين عليه في مرحلة معينة أن يعتني بتكوينه العلمي، ويثبت أصوله، ويحسن أدواته، ثم ينطلق بعد ذلك إلى التعليم والإصلاح على بصيرة، وربما كان انشغاله المبكر بكل قضية ومخالفة سببًا في إضعاف هذا التكوين، وتشتيت جهوده قبل أن تكتمل ملكته العلمية. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المبتدئين أنهم ما إن يلمحوا خلافًا علميًا أو مخالفة شرعية حتى يشعروا أن عليهم التصدي لها، فينصرفون عن دروسهم ومتونهم إلى المجادلات والردود، ويظنون أن هذا الانشغال هو الطريق الأقرب إلى نصرة الحق، ولا شك أن بيان الحق ورد الباطل من الأعمال الجليلة، ولكنها تحتاج إلى علم وأهلية وحكمة، وليس كل طالب علم مكلفًا بالتصدي لكل مسألة، ولا كل خلاف يصلح أن يكون ميدانًا للمبتدئين، وقد تكون حاجة الأمة إلى طالب علم يتأسس تأسيسًا صحيحًا، ويترسخ في الفقه والحديث والتفسير، أعظم نفعًا من مشاركته في عشرات المناقشات التي لا تثمر علمًا ولا إصلاحًا، لذلك فإن بناء طالب علم راسخ في قرية أو حي قد يكون مشروعًا إصلاحيًا طويل الأمد، تتجاوز ثماره كثيرًا من الأنشطة التي تكثر فيها الحركة ويقل فيها البناء، ويرتفع فيها صوت الجدل ويضعف فيها أثر التربية.

من مظاهر اختلال الأولويات

         ومن مظاهر اختلال الأولويات أن تُثار مسألة دقيقة من مسائل الاعتقاد أو الفقه، فينصرف إليها طلاب العلم جميعًا، ويشعر كل واحد منهم أن عليه أن يكون صاحب موقف ورأي، وإن لم تكتمل أدواته العلمية للنظر فيها، وقد يكون أصل المسألة واضحًا عند أهل الاختصاص، لكن كثرة الخوض فيها بغير علم تنقلها من الوضوح إلى الإشكال، ومن التحرير العلمي إلى الخصومة الشخصية، وليس من النقص أن يسكت طالب العلم عما لا يحسن، ولا من المداهنة أن يترك الخوض في مسألة لم يتأهل لها؛ بل قد يكون سكوته في موضع السكوت من تمام علمه وورعه.  

أهمية واجب الوقت

         «واجب الوقتََ»؛ وهو معرفة ما يتعين على الإنسان القيام به في ظرفه الحاضر، بحسب حاله وقدرته ومسؤولياته، فقد يكون واجب الوقت أداء عبادة، أو رعاية أهل، أو تحصيل علم، أو تعليم جاهل، أو دفع ضرر، أو إصلاح ذات بين، والفقه الحقيقي ليس في كثرة الأعمال وحدها، وإنما في وضع كل عمل في موضعه، وإعطائه قدره الذي يستحقه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك