رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 18 يونيو، 2012 0 تعليق

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 2) باب: في المسجد الذي أسس على التقوى

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 وبعد:

 فهذا تتمة الكلام على أحاديث كتاب «الصلاة» من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.

237.عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ.

الشرح:

قال الإمام المنذري: باب المسجد الذي أسس على التقوى.

       وقد رواه الإمام مسلم في كتاب الحج (2/ 1015) وبوب عليه النووي (9/ 168): باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي  صلى الله عليه وسلم  بالمدينة.

        وأورد فيه حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن وهو ابن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، تابعيٌ ثقة مكثر، مات سنة 94 أو 104 هـ، روى له الستة.

وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، تابعي أيضا ثقة، مات سنة اثنتي عشرة، روى له مسلم والأربعة.

        قال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله، فقال: «قلت: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟» يعني الآية من سورة التوبة، حيث يقول الله تبارك وتعالى: {لمسجدٌ أُسّسَ على التَّقوى منْ أول يوم أحقُّ أنْ تقوم فيه، فيه رجالٌ يُحبون أن يتطهروا والله يحبُ المطّهرين} (التوبة: 108).

       فالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، اختلف فيه أهل العلم، فقالت طائفة: هو مسجد قباء. وقال آخرون: هو مسجد النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وهذا ما اختاره أبو سعيد الخدري، ورواه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  ، حيث إن ابنه عبدالرحمن سأله: «أيُّ المسجدين الذي أُسس على التقوى؟ فقال: دخلت على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض» الحصباء هي الحصى الصغار، وكان مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أرضه من الحصباء، ولم يكن مفروشا بالسجاد، ولا بالحصر ولا غيره، وإنما كان من تراب عليه حصباء.

       فلما سئل النبي  صلى الله عليه وسلم  : أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ هل هو مسجد قباء أو المسجد النبوي؟ أخذ النبي  صلى الله عليه وسلم  كفا من الحصباء، ثم ضرب به الأرض، ثم قال: «هو مسجدكم هذا» يعني مسجد المدينة. أي: هو مسجده الشريف، وذلك أنه إذا كان مسجد قباء هو المقصود بالآية، وأنه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، وبُنيت قواعده على البر والتقوى، والصلاح والإخلاص، فمسجد الرسول  صلى الله عليه وسلم  أولى بهذا الفضل والشرف، وهو داخل في الآية من باب أولى؛ لأنه أفضل عند الله عز وجل من جميع المساجد، إلا المسجد الحرام الذي بأم القرى.

        وفي رواية أخرى: عن أبي سعيد رضي الله عنه أيضا: أنه اختلف رجلان من بني خدرة في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أبو سعيد الخدري: هو مسجد رسول الله، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فسألاه عن ذلك؟ فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، وقال: «في ذلك خيرٌ كثير» الحديث عند الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي.

وقوله: «في ذلك خيرٌ كثير» يعني: مسجد قباء فيه خير كثير.

        فثبت أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد الرسول أولا، وما سواه من المساجد في الإسلام تبعٌ له؛ لأنه أشرفها وإن كان المسجد الحرام أعظم منه لكنه بني قبل الإسلام، فمسجد النبي  صلى الله عليه وسلم  هو أفضل مسجد أسس في الإسلام، وقد أثنى الله تعالى على أهله، فقال {فيه رجالٌ يحبون أن يتطّهروا} (التوبة: 108).

       وقوله {فيه رجال} هذا وصف لهم بالرجولة، وصفات الرجولة هي الشجاعة ونصرة الحق والكرم والسماحة والحلم وغير ذلك، ووصفهم بأنهم يحبون أن يتطهروا من النجاسات، ومن الذنوب والخطايا والسيئات، ويطهروا قلوبهم مما لا يحب الله تعالى من الكفر والشك والنفاق، والحقد والغل والشقاق {والله يحب المطهرين} الطهارة المعنوية والحسية.

43-باب: فضل الصلاة في مَسْجِدِ المدينة ومكة

240.عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللَّهُ، لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «صَلَاةٌ فِيهِ، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ».

الشرح:

قال المنذري: باب فضل الصلاة في مسجد المدينة ومكة.

وهذا الحديث رواه مسلم في الحج (2/ 1014) وبوب عليه النووي (9/166) باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.

       قال ابن عباس: «إن امرأة اشتكت شكوى» أي مرضت مرضا، فنذرت فقالت: «إن شفاني الله، لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس» إنْ شفاها الله عز وجل من مرضها، وبرأت من سقمها، أن تخرج وتصلي في بيت المقدس، أي: المسجد الأقصى، والمقدس هو المطهر والمنزه.

       قوله «فبرأت» أي: شفاها الله عز وجل من مرضها «ثم تجهزت تريد الخروج» أي: لأجل أن توفي بنذرها «فجاءت ميمونة زوج النبي  صلى الله عليه وسلم  تسلم عليها» أي: جاءت من أجل أن تسلّم على ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها زوج النبي  صلى الله عليه وسلم  قبل أن تسافر، وهذه سنةٌ مستحبة، أن الإنسان إذا أراد أن يسافر، يسلم على أهله وعلى أصحابه قبل السفر، وأما إذا جاء من السفر فإنّ أصحابه يأتون للسلام عليه.

        فلما أخبرتها بذلك، وأنها تريد السفر لأجل الصلاة في المسجد الأقصى، لأجل أن توفي بنذرها، قالت لها ميمونة رضي الله عنها: «اجلسي فكُلي ما صنعتِ» أي: اجلسي ولا تسافري، وكلي ما صنعت، يعني ما تجهزت به للسفر من الزاد والطعام وصلي في مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، فإني سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: «صلاةٌ فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة».

       وهذا من فضل سؤال أهل العلم والاتصال بهم؛ فإنهم يفيدونك بفوائد عظيمة، وينفعونك نفعا كثيرا، ويوفرون عليك الوقت والجهد والمال، والبركة والخير إنما تكون مع أهل العلم والأكابر منهم، فميمونة قالت لها: اجلسي هنا ولا تسافري، فالأمر لا يحتاج منك للسفر إلى المسجد الأقصى، وأنت بقربك المسجد النبوي؛ لأني سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: «صلاةٌ فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد» ويدخل فيه المسجد الأقصى، إلا مسجد الكعبة، فإذا صليت في مسجد الرسول  صلى الله عليه وسلم  ، فقد وفيت بنذرك وزيادة؛ وذلك لفضل المسجد النبوي على غيره من المساجد.

       وعلى هذا: فمن نذر أن يفعل طاعة أو يتطوع بعبادة، فجاء بأفضل منها، فإنه يكفيه عن نذره، فلو نذر أنْ يذبح شاة، فذبح بقرة أو بعيرا بدلا من الشاة، فإنه يكفيه عن نذره وزيادة؛ فإنّ البعير والبقرة عن سبعة من الغنم، كما هي المسألة هنا، فإن المرأة نذرت أن تصلي في المسجد الأقصى، فإذا صلت في مسجد الرسول  صلى الله عليه وسلم  فإنه يكفيها عن نذرها، لأن الصلاة فيه أفضل من كل المساجد، إلا مسجد الكعبة، وذلك أن الصلاة بالمسجد النبوي بألف صلاة.

        ولو نذر رجلٌ أن يصلي في المسجد النبوي، فصلى في مسجد الكعبة، كفاه أيضا عن نذره؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. وهذا من الفقه والعلم الذي استفادته أم المؤمنين ميمونة زوج الرسول  صلى الله عليه وسلم  من زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

        وفي هذا الحديث: فضل الصلاة بمسجد المدينة، مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، وأن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه من المساجد، وهو يعم الصلوات كلها فرضها ونفلها.

وفيه: أن المسجد الحرام أفضل عند الله تعالى من جميع المساجد.

        وفي هذا الحديث: دليل على جواز الفُتيا والقضاء، والنبي  صلى الله عليه وسلم  حيٌ، إذا وثق الصحابي بعلمه وما عنده من الدليل، وذلك أن ميمونة رضي الله عنها أفتت ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  حي موجود بين أظهرهم، وقد أفتت المرأة بما سمعت من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وفهمت من كلامه.

        ولو حصل خطأ من الصحابي في الفتيا أو التبليغ في زمن النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فإنّ الوحي سيبلغ النبي  صلى الله عليه وسلم  بقوله، أو إن النبي  صلى الله عليه وسلم  لا يقره على كلامه، وينكر عليه، كما أفتى بعض الصحابة الصحابي الذي أصابته جنابة وفي رأسه شجةٌ – أي جرح – بوجوب الغسل، ولم يرخصوا له بالتيمم لقدرته على الماء، وأمروه أن يغتسل فاغتسل فمات رضي الله عنه، فبلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فقال: «قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذْ لم يَعلمَوا؛ فإنما شفاء العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود (336) من حديث جابر وابن عباس رضي الله عنهما.

        وفي حديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إنْ اغتسلت أنْ أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي  صلى الله عليه وسلم  ، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنتَ جنب؟» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول {ولا تقتُلوا أنفسَكم إنَّ الله كان بكم رحيما} (النساء: 29). فضحك رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ولم يقلْ شيئا.     رواه أبو داود (334).

أي إنه  صلى الله عليه وسلم  أقره على اجتهاده.

        وهناك جملة وافرة من فتاوى الصحابة في حياة النبي  صلى الله عليه وسلم  وبعد وفاته، وقد اعتنى بها العلماء قديماً وحديثا لمكانتها من الدين، ولأنها فهم السلف الصالح لهذه الأمة، وهي مصداق قوله  صلى الله عليه وسلم  : «تَسمعون ويُسمعُ منكم، ويُسمعُ ممن يَسمعُ منكم» رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس.

        قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما أقوال الصحابة؛ فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء، وإن قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر؛ فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم».

(مجموع الفتاوى / الجزء العشرون: فصل في أقوال الصحابة)

        وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين»:  «فصل: الأصل الثاني: فتاوى الصحابة: الأصل الثاني من أصول فتاوى الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها،لم يعدُها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئا يدفعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب: «لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد» وهكذا قال أنس بن مالك: «لا أعلم أحدا رد شهادة العبد» حكاه عنه الإمام أحمد، وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة، لم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا».

ثم قال: «فصل: الأصل الثالث: الاختيار من أقوال الصحابة إذا اختلفوا.

        الأصل الثالث من أصوله إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإنْ لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكي الخلاف فيها ولم يجزم بقول».

(إعلام الموقعين: فصل الأصول التي بنيت عليها فتاوى ابن حنبل).

        وقد اعتنى بأقوال الصحابة وفتاواهم الأئمة قديماً وحديثا، كالإمام مالك في الموطأ، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما، والبخاري في كتبه، وابن حزم في المحلى، وابن عبد البر في الاستذكار، والنووي في شرح المهذب، وابن قدامة في المغني، وغيرهم كثير، وفي هذه الكتب من أقوال الصحابة في المسائل الفقهية وغيرها الشيء الكثير الكثير.

كما اعتنى الإمام الطبري وابن كثير والقرطبي والسيوطي في تفاسيرهم بذكر أقوال الصحابة في تفسير القرآن ومعانيه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك