رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 11 أبريل، 2011 0 تعليق

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري (12) خطـر التكفـير!

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.  والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.  والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

باب: في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}.

2133. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَلَتْ {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ {السَّلَامَ}.

الشرح:

      الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

        الباب الحادي عشر من كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري: باب في قوله تبارك وتعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} وهي الآية الرابعة والتسعون من سورة النساء، وقد روى الإمام مسلم هذا الحديث في كتاب التفسير. وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

قوله: لقى ناس من المسلمين رجلا في غنيمة له فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه وأخذوا تلك الغُنيمة، فنزلت {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} قرأها ابن عباس: السلام.

        هذا الحديث هو حكاية حادثة حدثت على عهد النبي[، ونزلت فيها آية الباب، وهي أن رجالا من الصحابة كانوا في غزوه مسافرين، وفي أثناء السفر لقوا رجلا يرعى غنما له، فسلّم عليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا: سلَّم علينا ليحمي نفسه؟! وليعصم دمه وماله منا؟! فقتلوه.

        قوله: «وأخذوا تلك الغنيمة»، الغنيمة تصغير الغنم، يعني: معه شيء يسير من الغنم، فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة مغنما؟! باعتبار أنه رجل كافر؟! فنزلت هذه الآية.

        فقال الله تعالى فيها معاتبا، وآمرا عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيله، وابتغاء مرضاته، وإعلاء كلمته، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا، والتثبت إنما يكون في الأمور غير الواضحة والملتبسة، أما الأمور الواضحة فإنها لا تحتاج إلى تثبت، فالأمر الجلي البين، لا يحتاج فيه الإنسان إلى التثبت والتحري، أما الأمور الخفية والمشتبهة والمشكلة، فعلى المسلم أن يسأل ويتأكد من الأمر، وينظر هل يقدم عليه أو يحجم؟ هل يفعل أو لا يفعل؟

        والتثبت في الأمور المشكلة فيه فوائد كثيرة، ويحصل به العصمة من شرور كثيرة، فالعبد إذا توقف وتبين قبل أن يقدم على الأمر، استطاع بعد التأكد والتثبت أن يفعل الصواب، أما المستعجل فقد يضع الأمور في غير نصابها بسبب العجلة، كما جرى لهؤلاء النفر من الصحابة رضي الله عنهم الذين عاتبهم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية؛ لأنهم لم يتثبتوا، وقتلوا من أظهر الإسلام – وهو من سلّم عليهم – وكان معه شيء يسير من المال، وظنوا وتأولوا أنه إنما فعل ذلك من أجل أن يعصم نفسه، ويحمي دمه وماله!

       وهذا الخطأ من الصحابة غير مقصود، بل هو اجتهاد خاطئ؛ ولهذا عاتبهم الله سبحانه وتعالى وناداهم باسم الإيمان، فقال: {يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} أي: سافرتم لأجل الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله في الأرض {فتبينوا} أي: تثبتوا في الأمور المشتبهة، ولا تستعجلوا، {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} أي: لا تقولوا لمن أظهر لكم الإسلام، وقال لكم: السلام عليكم، وهي كلمة الإسلام المشتهرة عندكم، وهي من شعائر دينكم، ومما يميزكم عن غيركم، لا تقولوا له:  لست بمسلم؟! إذ كيف تقولون له ذلك، وهو قد أظهر الإسلام؟! فهل شققتم عن قلبه؟! واطلعتم على داخلة نفسه؟

        وقد قال النبي [ مرة لخالد بن الوليد رضي الله عنه لما قال: ألا أضرب عنقه؟ لما اعترض الرجل على قسم النبي[ للغنائم، فقال[ له: «لا، لعله أن يكون يصلي؟ « فقال خالد: كم من مصل يقول بلسانه  ما ليس في قلبه؟ فقال له[: «إني لم أؤمر أن أنقّب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم؟» رواه البخاري ومسلم.

       أي إن الله عز وجل لم يأمرنا أن نشق عن صدور الناس، ونرى ما في قلوبهم، ونرى هل قالوا هذه كلمة الإسلام بصدق وإخلاص؟ أم قالوها نفاقا وتقية؟ نحن شرعاً لم نؤمر بذلك، بل أمرنا الله ورسوله بأن نعامل الناس بالظواهر، والله يتولى السرائر، وهذا من القواعد الثابتة في الشريعة الإسلامية: أن الأمور تؤخذ بظواهرها، وأما البواطن فإنها موكولة إلى الخالق سبحانه وتعالى علام الغيوب، حتى إن النبي[ كان يقبل من المنافقين اعتذارهم إذا تخلفوا عن الجهاد معه؛ عملا بهذه القاعدة.

       وقوله تعالى: {لمن ألقى إليكم السَّلَام} وفي قراءة لابن عباس: {لمن ألقى إليكم السلم} يعني: أظهر لكم السّلم، أي المهادنة وليس الحرب، فلم يبارزكم بحرب، ولا رفع عليكم سيفا، ولا طعنكم برمح، فلماذا بارزتموه أنتم بالعداوة وقتلتموه؟! وإنما بعثكم الله ميسرين، ولم يبعثكم معسرين، وقد أثنى الله تعالى على رسوله [، فقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107).

       وقوله تعالى: {تبتغون عرض الحياة الدنيا} أي: حصل هذا عند بعضهم، فطمع في العرض الفاني، لما رأى ما مع الرجل من الغنم، حمله حب المال على الاستعجال في القضية، وارتكاب ما لا ينبغي شرعا؛ قال الله سبحانه وتعالى لهم: {فعند الله مغانم كثيرة} أي: لا ينبغي لكم أن تفوتوا ثواب الله سبحانه وتعالى، وهو العظيم الجزيل الباقي، في الدنيا والآخرة، لا تفوتوه بالقليل الفاني؛ فإن الدنيا كلها متاع قليل، والإنسان العاقل لا يبيع الكثير الجزيل، الباقي الأبدي، بالنزر القليل، الفاني المضمحل، بل إذا كان عقله صحيحا لا يمكن أن يوافق على هذه الصفقة الخاسرة!!

        وهذا أيضا: فيه موعظة لحال العبد مع الله عز وجل في هذه الدنيا؛ فإنه إذا رأى نفسه مائلة إلى الدنيا وزخارفها وشهواتها، فعليه أن يوازن بينها وبين نعيم الآخرة، كما قال بعض السلف: «من باع ذهباً يفنى، بخزف يبقى، فهذا خاسر» أي: لو خيرك إنسان بين ذهب يفنى، فقال لك: أعطيك هذا الإناء من الذهب لتأكل فيه، لكن عمره شهر، أم أعطيك هذا الإناء من الخزف الذي عمره دائم باقي؟ فالعاقل ماذا يقدم؟ يقدم بلا شك الخزف الذي يبقى، على الذهب الذي يفنى، فكيف إذا قدم واختار الخزف الذي يفنى على الذهب الذي يبقى؟ فهذا أشد خسرانا!

      وهذه هي حقيقة الحياة الدنيا بالنسبة للحياة الأخرى؛ فإن الحياة الأخرى ذهب يبقى، والدنيا خزف يفنى، فينبغي للعبد أن يقدم ما عند الله سبحانه وتعالى، كما قال: {ما عنكم ينَفد وما عند الله باقٍ ولنجزينّ الذين صَبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:96).

        ثم يذكّر الله تبارك وتعالى صحابة رسوله خاصة، وكل من منّ عليه بالإسلام من الناس كافة، يذكرهم بما كانوا عليه قبل الإسلام والإيمان، فيقول: {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ} (النساء: 94) أي: تذكروا حالكم من قبل أن تسلموا، فالصحابة كانوا ضلالا فهداهم الله، جهالا فعلّمهم الله ورسوله[، كفارا فأسلموا، جاحدين فآمنوا، فكما حصلت لكم الهداية بفضل الله ونعمته عليكم ، تحصل لغيركم من خلق الله.

        وقيل: معنى {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ} أي: كنتم تخفون إسلامكم عن المشركين.

         فهذا كله تنبيهات من عند الله سبحانه وتعالى لعبادة؛ لاستعمال الحكمة والعقل، والتبين والتثبت في الأمور؛ ولهذا أكدّ الأمر مرة أخرى، فقال: (فتبينوا) وهذا تكرير للتأكيد، وتكرار الأمر يدل على تأكده بحق المأمور، وأهميته وخطره.

فكل من خرج إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا بد أن يكون عنده تثبت وتبين وتأنّ في الأمور؛ لأن الخطأ في الجهاد يؤدي إلى إزهاق أرواح بغير حق، وتعدٍّ على أنفس معصومة، وإتلاف أموال لم يأذن الله بإتلافها؛ فلهذا وجب التأني والتثبت، وقد قال[ في الحديث: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان» رواه البيهقي في «الشعب» عن أنس رضي الله عنه.

       وهكذا الداعية إلى الله عز وجل ينبغي له أن يتبين ويتأكد، وأن يتثبّت من الأخبار، ولا يستعجل أو يتهور، في إصدار الأحكام على الناس، أو القضايا التي يسأل عنها؛ لئلا يقع في الأخطاء الفادحة، التي تضر به وبدعوته وبأتباعه، وربما شوهت جمال الإسلام، وصدت الناس عنه، كما حصل في هذا الزمان كثيرا، من بعض المستعجلين والمتحمسين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

        وهكذا الحاكم والقاضي إذا عرضت عليه قضية من القضايا، فلا بد له من العلم بواقعة حالها، بالإضافة إلى العلم بالحكم الشرعي بها، فيحتاج إلى علمين: علم بالشرع وأحكامه، ثانيا: العلم بواقعة الحال، وتفاصيلها المعتبرة والمؤثرة في الحكم، حتى ينظر هل تنطبق عليها الآيات والأحاديث أم إنها لا تدخل في ذلك؟ وكلما كانت القضية كبيرة ومهمة وتمس الأمة كلها، فإنها تحتاج للتشاور مع أهل العلماء، وسماع أقوالهم وفتاويهم.

        وقد قال الفقهاء: إن من قتل كافرا بعد أن قال: لا اله إلا الله، قُتل به؛ لأن الكافر إذا قال هذه الكلمة، فقد أسلم، وعصم دمه وماله،  وإنما سقط القصاص عن هؤلاء النفر من الصحابة في زمن النبي[؛ لأنهم كانوا قد اجتهدوا وتأولوا، وظنوا أن من قالها خوفاً من السلاح، لا يكون مسلما، ولا معصوم الدم والمال، وأنه لا بد أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف، ولم تكن أحكام الشرع قد تكاملت وعلمت للجميع؛ ولذا عذرهم الرسول [.

لكن لا بد للكافر بعد قول هذه الكلمة، من الاستسلام والانقياد لشرع الله عز وجل بالقول والعمل، فلو قال: لا اله إلا الله، ثم أبى أن ينقاد لشرائع الإسلام، فأبى أن يصلي مثلا، أو أبى أن يتطهر ويتوضأ، أو أبي أن يصوم، أو أن يحرّم الحرام، فهذه الكلمة لا تنفعه؛ فليس الإسلام مجرد قول هذه الكلمة، ثم عدم الانقياد والاستسلام لأوامر الله عز وجل، وشرائع الإسلام.

والله تعالى أعلى وأعلم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك