شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم ..باب: لا يَـبِع حَاضِـرٌ لِبَادٍ
- من واجب الإمام أنْ يُرشِد النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم داخِلَ الأسواقِ لما فيه الخير لهم
- الإسلامُ دِينُ المحبَّةِ والتَّعاونِ والإيثارِ وقدْ مَنَعَ منْ استغلالَ الإنسانِ لأخيهِ الإنسانِ في حاجاتِه الضَّروريَّةِ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى لله عليه وسلم - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُه:ُ «حَاضِرٌ لِبَادٍ؟», قَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَاراً. الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1157) باب: تحريم بيع الحاضر للبادي.
- قوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى لله عليه وسلم - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ» تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، هو أنْ يُقابِلَ التُّجَّارَ الذين يَأتُون بتِجارَتِهم لبَيعِها في الأسواقِ، فيَشترِيَ منهم بِضاعتَهم قبْلَ دُخولِهم السُّوقَ، ثُمَّ يَبِيعَها هو بِأكثرَ مِمَّا اشْتَرَاها به، استِغلالاً لجَهْلِ البَائعِ، أو لِحاجةِ المُشتري، وهذا فيه ضَرَرٌ على البائعِ؛ لأنَّه قد يَبِيعُها بأقلَّ مِن ثَمَنِها الحقيقيِّ في أسواقِ هذا البلدِ، كما أنَّ ذلك قد يَضُرُّ بأهلِ البلدِ؛ لأنَّ هذا المشترِيَ قد يَتحقَّقُ له احتكارُ السِّلعةِ، فيَتحكَّمُ في سِعْرِها، ويَزِيدُه كما يَشاءُ في الأسواقِ.
- قوله: «وأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» أي: ونَهى - صلى لله عليه وسلم - عن بَيعِ الحاضرِ للبادِي؛ وهو أنْ يَأتِيَ أحدُ أهلِ البادِيةِ -وهي الصَّحراءِ- ليَبِيعَ سِلعتَه في إحْدَى القُرَى أو المُدُنِ، فيَقولَ له أحدُ سُكَّانِ هذه القريةِ أو المدينةِ مثلًا: اتْرُكْها لي وأنا أَبِيعُها لك بثَمَنٍ أعْلى، فيكونُ له سِمْسَاراً.
فوائد الحديث
- أنّ النَّبيُّ - صلى لله عليه وسلم - نَهى عن المُعامَلاتِ الَّتي يَترتَّبُ عليها ضَرَرٌ على النَّاسِ، وهذا مِنْ حِرصِه - صلى لله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خَيرٌ لأُمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
- وفيه: أنَّ من واجب الإمام ووَلِيّ الأمرِ؛ أنْ يُرشِد النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم داخِلَ الأسواقِ، لما فيه الخير لهم.
- الأحكامُ الشَّرعيَّةُ جاءت لِتَكبَحَ جِماحَ النَّفْسِ المَجبولة على حُبِّ الخيرِ لنَّفْسِها، والحِرصِ عليهِ، ولو أَضَرَّت بغَيرِها.
باب: النَّهْي عن الحُكْرة
عن مَعْمَرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى لله عليه وسلم -: «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَراً الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ كَانَ يَحْتَكِرُ. الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1227) باب: تحْريم الاحْتكار في الأقوات، ومعمر هو الصَّحابيّ مَعْمَر بنَ عبدِ اللهِ بن نافع العدوي، مِنْ مهاجري الحَبشة.
- قوله: «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» يقول النَّبيُّ - صلى لله عليه وسلم -: إنَّ مَنْ احتَكَرَ فهو خَاطئٌ، أي: عاصٍ آثمٌ، والخاطئُ مَنْ تَعمَّدَ ما لا يحلّ له ولا يَنْبغي، كما في قوله -تعالى-: {إنّ فِرعونَ وهامان وجنودَهُما كانوا خاطئين} (القصص: 8)، وأمّا المُخطِئُ: فهو مَنْ أرادَ الصَّوابَ؛ فصارَ إلى غيرِه.
تَحْريم الاحْتكار
قال الحافظ النووي: «وهذا الحديثُ صَريحٌ في تَحْريم الاحْتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المُحرّم هو الاحْتكار في الأقوات خاصّة، وهو أنْ يَشْتري الطعام في وقتِ الغَلاء للتجارة، ولا يَبيعه في الحال، بل يدَّخره ليَغْلو ثمنه، فأمّا إذا جاء مِنْ قَريته، أو اشْتراه في وقتِ الرُّخْص وادّخَره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليَبيعه في وقته، فليسَ باحْتكار، ولا تَحْريم فيه». قال: «وأمّا غيرُ الأقْوات؛ فلا يَحْرمُ الاحْتكار فيه بكلّ حَال، هذا تفصيلُ مذهبنا».الحِكْمة في تحريم الاحتكار
قال العلماء: والحِكْمة في تحريم الاحتكار: دفعُ الضّرر عن عامّة الناس، كما أجْمعَ العُلماء على أنّه لو كان عند إنسانٍ طعام، واضْطرّ الناس إليه، ولمْ يَجدوا غيره، أجْبرَ على بَيعه؛ دفعاً للضّرر عن الناس. قوله: فَقيلَ لِسعيدِ بنِ المسيِّبِ -وهو مِن رُواةِ هذا الحديثِ-: «فإنَّكَ تَحتكرُ؟» فقال سعيدٌ: إنَّ الصَّحابيَّ مَعْمَرَ بنَ عبدِ اللهِ، الَّذي كان يُحدِّثُ هذا الحَديثَ عن النَّبيِّ - صلى لله عليه وسلم - كان يَحتَكِرُ، والمقصودُ منه الاحتكارُ المُباحُ، وهو إذا كان لا يَضُرُّ بِأهلِ البلدِ، أو أنَّهما كانَا يَحتكرانِ الزَّيتَ، وحَمَلَا الحديثَ على احْتِكارِ الأقواتِ عند الحاجةِ إليها والغلاءِ. وقيل: إنَّ العِلَّةَ هي الإضرارُ بالمسْلِمين، ويَسْتوي في ذلك القُوتُ وغيرُه؛ لأنَّهم يَتضرَّرون بالجَميعِ. وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، وهو صحيح.فوائد الحديث
- النَّهْيُ عَنِ احتِكارِ الطَّعامِ ونحوِه مِمَّا يَحتاجُه النَّاسُ في وقتِ الشِّدَّةِ.
- أن الإسلامُ دِينُ المحبَّةِ والتَّعاونِ والإيثارِ، يَدْعو إلى كلِّ ما يُحقِّقُ ذلك، وقدْ مَنَعَ منْ استغلالَ الإنسانِ لأخيهِ الإنسانِ، في حاجاتِه الضَّروريَّةِ.

موقف الاقتصاد الإسلامي من الاحتكار
اتفق علماء الأمة على تحريم احتكار السلع التي يحتاج إليها الناس إذا ترتب على ذلك الإضرار بهم، ولا سيما الأقوات والأغذية الأساسية؛ لأن في ذلك تضييقًا على الناس وإخلالًا بمصالحهم العامة؛ ولهذا أجازت الشريعة لولي الأمر أن يُلزم المحتكر ببيع ما لديه بسعر المثل عند حاجة الناس إليه، دفعًا للضرر وتحقيقًا للمصلحة العامة. وقد وسّع بعض الفقهاء، كالمالكية والظاهرية وأبي يوسف من الحنفية، مفهوم الاحتكار المحرم ليشمل كل ما يحتاج إليه الناس من السلع والمنافع، وليس الطعام وحده، متى أدى احتباسه إلى الإضرار بالمجتمع أو رفع الأسعار. أما التاجر الذي يجلب السلع من خارج البلد، فلا يُمنع من بيعها أو ادخارها؛ لأنه لم يتسبب في الإضرار بالناس، بل أسهم في توفير السلع وتحمل في سبيل ذلك التكاليف والمشقة، واستند الفقهاء في ذلك إلى ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في إكرام الجالبين وعدم التضييق عليهم، ويرى ابن العربي أن هذا الحكم مبني على مراعاة المصلحة العامة؛ لأن التضييق على التجار الجالبين قد يؤدي إلى انقطاع السلع وإلحاق الضرر بالمستهلكين. ومن هنا يتضح أن تحريم الاحتكار في الإسلام يستهدف حماية المجتمع من آثاره الاقتصادية والاجتماعية السلبية؛ فهو يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وإضعاف المنافسة، والإضرار بالمستهلكين، كما يفتح أبواب الفساد والرشوة، ويكرّس التفاوت الطبقي والاحتقان الاجتماعي. ولذلك حرصت الشريعة على تحقيق التوازن بين حرية التجارة وحماية مصالح الناس، بما يضمن عدالة الأسواق واستقرارها.
لاتوجد تعليقات