رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 17 أكتوبر، 2016 0 تعليق

الجهاد …تعريفه -أحكامه – ضوابطه- فضائـل الجهـاد

قال الشافعي: إذا ضَعُف المسلمون عن قتال المشركين أو طائفة منهم لبعد دارهم أو كثرة عددهم  أو خَلَّة بالمسلمين  جاز لهم الكف عنهم  ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين

قال ابن العربي : إذا كان المسلمون على عزّةٍ ومنعة وجماعةٍ عديدة وشدّة شديدة  فلا صُلح  وإنْ كان للمسلمين مصلحة في الصُّلح  لنفعٍ يجتلبونه أو ضررٍ يدفعونه؛ فلا بأس أنْ يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه

 

فضائل الجهاد كثيرة جداً، فهو من أفضل القُربات، ومن أعظم الطاعات، وهو ذروة سنام الإسلام، وبابٌ عظيم من أبواب الشريعة الغراء، يقوم به ذوو الفضل والشرف والسُّؤدد في الدّين، دعوة ودفعاً؛ لما يترتّب عليه من مصالح عظيمة لأمة الإسلام، من نصر للمؤمنين، وإعلاء لكلمة الدين، وقمع للمنافقين والكافرين، وتسهيل لانتشار الدعوة الإسلامية بين العالمين، وإخراج للعباد من الظلمات إلى النور، ونشر محاسن الإسلام، وأحكامه العادلة بين الخلق أجمعين، وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة للمسلمين.تحدثنا في الحلقة السابقة عن مراحل تشريع الجهاد في الكتاب والسنة، واليوم نستكمل الحديث عن هذا الموضوع فنقول:

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- ملخّصاً هذه المراحل:

     (فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين، من حين بعث إلى حين لقي الله تعالى): أول ما أَوحى إليه ربه، أنْ يقرأ باسم ربّه الذي خلق ، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ، ولم يأمره إذْ ذاك بتبليغ ، ثم أنزل عليه {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر قُمْ فَأَنذِرْ}(المدثر :1-2)، فنبّأ قومه، ثم أنذر مَن حولهم من العرب ، ثم أنذر العرب قاطبة ، ثم أنذرَ العالمين .

     فأقام بضعة عشر سنة بعد نبوته، ينذر بالدعوة بغير قتالٍ ولا جزية، ويُؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أُذنَ له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أنْ يقاتل مَن قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كلُّه لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهلُ صلحٍ وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة.

     فأُمر أنْ يُتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأنْ يُوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة، نبذ إليهم عهدهم، ولم يقاتلهم حتى يُعلمهم بنقض العهد، وأُمر أنْ يقاتل مَن نقضَ عهده، ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمر أنْ يقاتل عدوه مِن أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغِلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحُجَّة واللسان، وأمره فيها بالبراءة منْ عُهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:-

أقسام أهل العهد

قسماً: أمره بقتالهم ، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم.

وقسماً: لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أنْ يُتم لهم عهدهم إلى مدتهم .

وقسماً: لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أنْ يُؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم .

     إلى أنْ قال: فقاتل الناقض لعهده، وأجّل مَن لا عهد له، أو له عهد مُطلق أربعة أشهر، وأمره أنْ يُتم للمُوفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلمَ هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدّتهم، وضرب على أهل الذّمة الجزية، فاستقرَّ أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام : محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آل حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام ، فصاروا معه قسمين : محاربين، وأهل ذمّة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلمٌ مؤمن به، ومُسالم له آمن، وخائفٌ محارب». اهـ باختصار من زاد المعاد (3/158-160) .

تَنبيهٌ مهم

هذه المراحل في تشريع الجهاد ، هل هي منسوخة، أم هي باقية، بحسب حال الأمة قوةً وضعفاً؟ إذا كان الأمر على ما وَصفنا من استقرار الأمر على المرحلة الأخيرة، فما حُكم المراحل السابقة هل زال حُكمها بالكلية، أم يعمل بها عند الحاجة؟  

الحق أن أكثر أهل العلم صرحوا بنسخ آيات الصفح والصبر والكف ونحوها، من المسالمة والموادعة، وأنكر بعضهم النسخ كالزَّركشي في البرهان (41:21-24).

خلاصة التحقيق

     وبهذا التحقيق ، تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف، أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك، بل هي مِن المنسَّأ، بمعنى أنّ كل أمرٍ ورد يجب امتثاله في وقتٍ ما، لعلةٍ تُوجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حُكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبداً .

وإلى هذا أشار  الشافعي في (الرسالة) إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدَّافة، ثم ورد الإذن فيه، فلم يجعله منسوخاً، بل من باب زوال الحكم لزوال علَّته، حتى لو فجأ أهل ناحية جماعةٌ مضرورون ، تعلّق بأهلها النهي.

     ومن هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم}(المائدة: 105)، كان ذلك في ابتداء الأمر، فلما قَوِي الحال، وجبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقاتلة عليه، ثم لو فُرض وقوع الضَّعف ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : «بدأَ الإسلامُ غَريباً ، وسيعودُ غريباً كما بَدأ» عادَ الحكم .

     وهو -سبحانه وتعالى- حكيمٌ، أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال، رأفةً بمن تَبعه ورحمة؛ إذْ لو وجب لأورث حرجاً ومشقة; فلما أعزَّ الله الإسلام وأظهره ونصره، أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة، من مطالبة الكفار بالإسْلام، أو بأداء الجزية إن كانوا أهل كتاب، أو الإسلام، أو القتل إنْ لم يكونوا أهل كتاب.

 الضعف والمسايفة عند القوة

     ويعود هذان الحكمان -أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة- بعود سببهما وليس حكم المسايفة ناسخاً لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته. انتهى من كتاب (البرهان في علوم القرآن) فصل في أنواع علوم القرآن، النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخه من منسوخه، تنبيهات: التنبيه الثالث في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر، وذكر السيوطي هذا الكلام في الإتقان، ولم ينْسبه للزركشي. (الإتقان : 66).

الخلاف بين الفريقين

     والحقيقة أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي لا حقيقة له؛ إذْ مصطلح النسخ عند السلف، يشمل التقييد والتخصيص ، وبيان الإجمال، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الإكليل (ص116)؛ فالجميع متفق على أنه لا يُكلف المستضعف الذي يشبه حاله حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة، ما لا طاقة له به من القتال ، كما سبق من كلام الزركشي .

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (7/198): «قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين، جازت لهم مهادنتهم على غير شيءٍ يعطونهم؛ لأنَّ القتل للمسلمين شهادة، وإنَّ الإسلام أعزَّ أنْ يعطي المشركين على أنْ يكفوا عنهم».

     وقال أيضاً: «وإذا ضَعُف المسلمون عن قتال المشركين، أو طائفة منهم لبعد دارهم، أو كثرة عددهم، أو خَلَّة بالمسلمين، أو بمن يليهم منهم، جاز لهم الكف عنهم، ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين، وإنْ أعطاهم المشركون شيئاً قلَّ أو كثر كان لهم أخذه».

وقال الشيباني في السير الكبير: وإذا خاف المسلمون المشركين، فطلبوا موادعتهم، فأبى المشركون أنْ يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالاً، فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة.اهـ (92/16) .

     وهكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (ص 221): «فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مُسْتضعف، أو في وقتٍ هو فيه مستضعف، فليعملْ بآية الصَّبر، والصفح والعفو عمن يُؤذى الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهلُ القوة فإنما يعملون بآيةِ قتال أئمة الكفر، الذين يَطعنون في الدِّين، وبآيةِ قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون». انتهى .

     وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}(الأنفال: 61).   وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء والخراساني وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِر}(التوبة : 29)، وفيه نظر !!

لأنَّ آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أَمكن ذلك؛ فأما إذا كان العدو كثيفاً؛ فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلّت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؛ فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم. انتهى (حسن التحرير 2/290) .

 وقال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: {وإنْ جَنحوا للسَّلْم فاجنحْ لها وتوكَّل على الله إنه هو السَّميعُ العليم}، وقد اختلف في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا؟ فقال قتادة وعكرمة: نسخها {فاقْتُلوا المشركينَ حيثُ وَجَدتموهم}، {وقاتِلوا المشركينَ كافةً}، وقالا : نسخت (براءة) كلّ موادعة، حتى يقولوا لا إله إلا الله. وقال ابن عباس: الناسخ لها {فلا تَهنُوا وتدْعوا إلى السَّلم}.

     قال: وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية. وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيراً من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم كثيراً من أهل البلاد على مالٍ يُؤدونه، من ذلك: خيبر، ردّ أهلها إليها بعد الغلبة، على أنْ يعملوا ويؤدوا النصف. وقال السدي وابن زيد: معنى الآية: إنْ دَعوك إلى الصلح فأجبهم، ولا نسخ فيها.

     قال ابن العربي: قد قال الله تعالى: {ولاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} (آل عمران : 139). فإذا كان المسلمون على عزّةٍ ومنعة، وجماعةٍ عديدة، وشدّة شديدة ، فلا صُلح، وإنْ كان للمسلمين مصلحة في الصُّلح، لنفعٍ يجتلبونه، أو ضررٍ يدفعونه، فلا بأس أنْ يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه ، وقد صالح رسول الله  صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروطٍ نقضوها، فنقض صلحهم ، وقد صالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران ، وقد هادنَ قريشاً لعشرة أعوام، حتى نقضوا عهده ، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة. انتهى.

وقال ابن قدامة في المغني (8/ 459 -461): لا تجوز المهادنة مطلقاً من غير تقدير مدّة؛ لأنه يُفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، وقال : وتجوز مهادنتهم على غير مال. انتهى.

      وبهذه النقول كلها: يتَّضح لك أنّه لا خلافَ بين العلماء أنَّ العمل بالمرحلة الأخيرة من الجهاد، إنما هو حسب الإمْكان والقُدرة والاسْتطاعة، وأما مالا قُدرة عليه فلا يكلّف الله نفساً إلا وُسعها ، وأنَّ عليهم الأخذ بأسباب القوة والقدرة، وإعداد العُدة، حتى يزول عنهم هذا الضعف والقلّة، ويعودوا أمةً قوية، لها عزتها وكلمتها وشأنها في الأرض بين الأمم .

ولا يصح إنكار هذه المرحلة بالكلية ، أو اعتبارها جُبناً وهواناً، أو تركاً للواجب، فالمصلي العاجز عن القيام في الصلاة لا يؤمر به ، وتصح صلاته قاعداً .

وكذلك إلزام مَن يقول بهذا القول، أنه يدعو إلى ترك سائر الواجبات التي فُرضت بعد المرحلة المكية هو غُلوٌ وتنطع مخالف لكلام أهل العلم، الذي سبق ذكره ونقله، والله أعلم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك