رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: forqan 8 يونيو، 2026 0 تعليق

ضحايا الاعتداءات الآثمة على مطار الكويت الدولي – استهداف الآمنين.. جريمة قانونية وأخلاقية

  • استهداف المدنيين اعتداء على مقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض

لم يكن مطار الكويت الدولي ثكنةً عسكرية، ولا موقعًا للمواجهة أو الاشتباك؛ بل كان مرفقًا مدنيًا نابضًا بالحياة، يعجّ بالمسافرين والموظفين والعاملين، يحمل كل واحد منهم قصةً خاصة، وحلمًا مؤجلًا، ووجهةً يقصدها، وأسرةً تنتظر عودته، غير إن الضربات الإيرانية الأخيرة حوّلت هذا المكان الآمن إلى مشهدٍ من الخوف والدمار، بعدما أسفرت عن مقتل شخص وإصابة 63 آخرين من المدنيين، في اعتداء استهدف منشأة مدنية، يفترض أن تكون بمنأى عن نيران الصراعات والحروب.

       ولم تكن هذه الأرقام مجرد بيانات تُسجَّل في التقارير والإحصاءات؛ بل كانت تعبيرًا عن معاناة إنسانية حقيقية؛ فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل إصابة أسرة تعيش ساعات من القلق والترقب والألم، وخلف كل قطرة دم سالت حكاية لا تختزلها الأرقام ولا تنقلها البيانات الرسمية، وحين تتأمل وجوه المصابين وصرخات المفجوعين، تدرك أن القضية أكبر من مجرد حادث أمني عابر، إنها قضية إنسان انتهكت حرمته وحقه في الأمن والحياة! وبُحسب ما أُعلن، فقد تنوعت الإصابات بين الكسور البليغة، وإصابات الرأس، والنزيف الدماغي، وبتر بعض الأطراف، كما خضع عدد من المصابين لعمليات جراحية كبرى عاجلة، وهو ما يكشف حجم المأساة وشدة الاعتداء، ويؤكد أن المستهدف الحقيقي لم يكن مبنى أو منشأة فحسب؛ وإنما أمن الناس واستقرارهم، وحقهم في العيش بعيدًا عن أهوال الحروب. إن مشاهد الدمار، كلها تعكس حقيقة مؤلمة؛ وهي أن الحروب حين تتجاوز حدود المواجهات العسكرية إلى استهداف المدنيين، فإنها تفقد ما تبقى لها من غطاء أخلاقي أو إنساني.

سقوط أخلاقي قبل أن يكون جريمة قانونية

        إن استهداف المطارات والمنشآت المدنية لا يمثل مجرد مخالفة للقوانين والأعراف الدولية؛ بل يعكس انهيارًا في المنظومة الأخلاقية التي يفترض أن تظل حاكمة حتى في أوقات النزاعات المسلحة؛ فالقانون الدولي الإنساني قام أساسًا على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وحماية غير المشاركين في الأعمال القتالية، وتجنيبهم آثار الحروب قدر الإمكان. وقد نصّت الاتفاقيات الدولية المتعاقبة على حماية المدنيين والأعيان المدنية، ومنعت الهجمات العشوائية التي لا تميز بين هدف وآخر؛ ولذلك فإن الاعتداء على المطارات المدنية أو المرافق الخدمية أو الأحياء السكنية لا يمكن النظر إليه بوصفه عملًا عسكريا مشروعًا؛ بل هو اعتداء مباشر على المدنيين وعلى حقهم في الحياة والأمن,  ومن المؤسف أن العالم المعاصر، رغم ما يرفعه من شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي، ما زال يشهد بين حين وآخر انتهاكات جسيمة يدفع ثمنها الأبرياء الذين لا ناقة لهم في النزاعات ولا جمل.

سِجل مُتكرر من الاعتداءات

       ولا تبدو هذه الحادثة معزولة عن سياقها العام، بل تأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب في فبراير 2026؛ حيث تكررت الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي طالت مرافق مدنية وحيوية في عدد من دول الخليج. وقد شملت هذه الاعتداءات استهداف مطارات ومنشآت خدمية وبنى تحتية مرتبطة بالنقل والطاقة، كما تسببت في اضطراب حركة الملاحة الجوية وتعليق عدد من الرحلات، وإرباك الحياة العامة، ورفع مستويات القلق الأمني لدى السكان. وإذا كانت الخسائر المادية قابلة للتعويض مع مرور الزمن، فإن الخسائر البشرية والنفسية لا تعوض بسهولة؛ فالطفل الذي يشاهد الانفجارات، والأسرة التي تفقد أحد أفرادها، والمصاب الذي يعيش بقية عمره بإعاقة دائمة، كل هؤلاء يدفعون ثمنًا باهظًا لا تظهره التقارير الرسمية ولا تعكسه لغة الأرقام.

الكويت ليست طرفًا في الحروب

        غالبًا ما تبدأ الحروب بشعارات سياسية وتنتهي بمآسٍ إنسانية، وبين البداية والنهاية يكون المدنيون هم الحلقة الأضعف والأكثر دفعًا للثمن؛ فالذين يسقطون في المطارات والأسواق والمستشفيات والمدارس ليسوا صناع القرار، وليسوا من يخططون للعمليات العسكرية، بل هم أناس بسطاء خرجوا طلبًا للعمل أو السفر أو العلاج أو الرزق. ولذلك فإن التاريخ يخبرنا أن الحروب مهما اختلفت دوافعها وشعاراتها، فإن أكثر من يدفع ثمنها هم المدنيون. وقد أثبتت الدراسات الحديثة في النزاعات المعاصرة أن نسبة كبيرة من ضحايا الحروب خلال العقود الأخيرة كانوا من المدنيين، في تحول خطير عن نظام الحروب التقليدية التي كانت تدور غالبًا بين الجيوش في ساحات القتال. إن الضحية التي تسقط في مطار أو مدرسة أو مستشفى ليست رقمًا يضاف إلى قائمة الضحايا، بل عالم كامل انهار في لحظة واحدة، وأحلام توقفت، ومستقبل انقطع، وأبناء فقدوا آباءهم أو أمهاتهم، وآباء وأمهات فقدوا فلذات أكبادهم.

حُرمة الدّماء في ميزان الإسلام

        لقد جاء الإسلام بتعظيم شأن النفس الإنسانية وصيانة الدماء وحفظ الحقوق، وجعل الاعتداء على النفس البريئة من أعظم الجرائم وأشدها خطرًا؛ قال الله -تعالى-: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، وقال -سبحانه-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». ولم يقتصر الأمر على تحريم قتل المسلمين فحسب، بل نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والأطفال والرهبان وسائر من لا يشاركون في القتال، حتى أصبحت حماية غير المقاتلين أصلًا ثابتًا من أصول الشريعة الإسلامية قبل أن تعرفه القوانين والمواثيق الحديثة بقرون طويلة. ومن هنا فإن استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر المباشر لا يمثل مجرد مخالفة قانونية، بل هو كذلك اعتداء على مقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض.

الكويت... رسالة إنسانية

        لقد ارتبط اسم الكويت على مدى عقود طويلة بالعطاء الإنساني والإغاثي، حتى غدت مركزًا عالميا للعمل الخيري والإنساني، ولم تكن مساعداتها تفرق بين دين أو عرق أو جنسية، بل وصلت إلى المحتاجين في شتى بقاع الأرض، ومن المفارقات المؤلمة أن دولة عُرفت بمد يد العون للمنكوبين تصبح هي نفسها هدفًا لاعتداء يروع المدنيين ويهدد أمنهم. غير إن مثل هذه الأحداث لا تزيد الشعوب المتماسكة إلا صلابةً ووحدةً وإيمانًا بحقها في الأمن والاستقرار. لقد أثبت الكويتيون في الأزمات السابقة أن قوة الأوطان لا تقاس بما تملكه من إمكانات مادية فحسب؛ بل بما تملكه من تماسك اجتماعي ووحدة وطنية وإيمان بعدالة قضيتها. وما حدث اليوم ينبغي أن يكون باعثًا على مزيد من التكاتف والتلاحم، لا على الخوف أو التراجع.

بأي ذنب استهدفوا؟!

       ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل صاحب ضمير: ما ذنب المسافر الذي كان ينتظر رحلته؟! وما ذنب الموظف الذي خرج صباحًا لأداء عمله؟! وما ذنب الأسرة التي كانت تستقبل قريبًا أو تودع مسافرًا؟! وما ذنب أولئك الذين وجدوا أنفسهم فجأة بين قتيل وجريح ومفجوع؟! إنه السؤال ذاته الذي خلّده القرآن الكريم في قوله -تعالى-: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}، وهو سؤال لا يوجه إلى الضحايا؛ بل إلى كل من استباح الدماء، واستخفّ بحُرمة الأرواح، وجعل المدنيين وقودًا للصراعات والنزاعات، وستبقى الدماء البريئة شاهدًا لا يسقط بالتقادم، وستبقى المآسي الإنسانية تذكرنا دائمًا بأن أعظم انتصار يمكن أن تحققه البشرية ليس في ميادين الحرب، وإنما في حماية الإنسان وصيانة كرامته وحفظ حقه في الحياة الآمنة الكريمة.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك