شبهات حول المرأة في الإسلام-شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل نص القرآن على أن المرأة كالرجل(6)
ما زال حديثنا مستمرا حول حقوق المرأة وحريتها، ومحاولات العلمانيين في تشويه صورة المرأة، وإظهارها وكأنها مظلومة ومسلوبة الحقوق مكسورة الجناح؛ فالإسلام بنظرهم فرّق بينها وبين الرجل في الحقوق وجعل العلاقة بينهما تقوم على الظلم والاستبداد لا على السكن والمودة، الأمر الذي يستدعي -من وجهة نظرهم- قراءة الدين قراءة جديدة، تقوم على مراعاة الحقوق التي أعطتها الاتفاقيات الدولية للمرأة، ومحاولة تعديل مفهوم النصوص الشرعية الثابتة كي تتوافق مع هذه الاتفاقيات، واليوم نتكلم عن شبهة مهمة دائمًا تثار حول المرأة وهي: لماذا شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل؟
هذه الشبهة من الشبه الزائفة التي تثار حول موقف الإسلام من شهادة المرأة، التي يقول مثيروها: إن الإسلام قد جعل المرأة نصف إنسان، وذلك عندما جعل شهادتها نصف شهادة الرجل، ومصدر الشبهة التي بحسب مثيريها، أن الإسلام قد انتقص من أهلية المرأة، بجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} هو الخلط بين «الشهادة» وبين «الإشهاد» الذى تتحدث عنه هذه الآية الكريمة، فالشهادة التى يعتمد عليها القضاء فى اكتشاف العدل المؤسس على البينة، واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها، ومن ثم قبولها أو رفضها، وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة بصرف النظر عن جنس الشاهد، ذكرًا كان أم أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود، فالقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين، أو امرأتين، أو رجل وامرأة، أو رجل وامرأتين، أو امرأة ورجلين، أو رجل واحد أو امرأة واحدة، ولا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له من البينات.
التحدث عن «الإشهاد»
أما آية سورة البقرة، التي قالت: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}، فإنها تتحدث عن أمر آخر غير «الشهادة» أمام القضاء، تتحدث عن «الإشهاد» الذى يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه، وليس عن «الشهادة» التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين، فهي - الآية - موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع، بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود فى كل حالات الدَّيْن، وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط إلى دائن خاص، وفى حالات خاصة من الديون، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية، فهو دين إلى أجل مسمى، ولابد من كتابته، ولابد من عدالة الكاتب، ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة، ولابد من إملاء الذى عليه الحق، وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل، والإشهاد لابد أن يكون من رجلين من المؤمنين، أو رجل وامرأتين من المؤمنين، وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة، ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة، وليست هذه الشروط بمطلوبة في التجارة الحاضرة، ولا في المبايعات.
فقه العلماء المجتهدين
ثم إن الآية ترى في هذا المستوى من الإشهاد الوضع الأقسط والأقوم، وذلك لا ينفى المستوى الأدنى من القسط.
ولقد فقه العلماء المجتهدون هذه الحقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن «الإشهاد» في دَيْن خاص، وليس عن الشهادة، وإنها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن ذي المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضي الحاكم في المنازعات، ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم.
فقال ابن تيمية -فيما يرويه عنه ويؤكده ابن القيم-: قال عن «البينة» التى يحكم القاضى بناء عليها، والتي وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه» رواه البخاري والترمذى وابن ماجه: «إن البينة في الشرع، اسم لما يبيّن الحق ويظهره، وهى تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص فى بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكولاً، ويمينًا، أو خمسين يميناً أو أربعة أيمان، وتكون شاهد الحال، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على المدعى»، أى عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له، «فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر، تقوم بشهادة المرأة الواحدة، أو أكثر، وفق معيار البينة التى يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضى.
التمييز بين طرق حفظ الحقوق
وقد فصّل ابن تيمية القول في التمييز بين طرائق حفظ الحقوق، التى أرشدت إليها ونصحت بها آية الإشهاد - (الآية ٢٨٢) من سورة البقرة وهى الموجهة إلى صاحب «الحق الدَّين» وبين طرق البينة، التي يحكم الحاكم القاضى بناء عليها، وأورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان (الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه)، فقال: «إن القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين فى طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر النوعين من البينات في الطرائق التي يحفظ بها الإنسان حقه، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، فأمرهم، -سبحانه-، بحفظ حقوقهم بالكتاب، وأمر من عليه الحق أن يملى الكاتب، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طُلبوا لذلك، ثم رخّص لهم في التجارة الحاضرة ألا يكتبوها، ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر ولم يجدوا كاتباً، أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة.
نصوص الفقهاء
هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها، وهي القضايا التي لم تجر العادة باطلاع الرجال على موضوعاتها، كالولادة والبكارة، وعيوب النساء والقضايا الباطنية، وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده، وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها، على أنهم قدروا قبول شهادتها في الدماء إذا تعينت طريقاً لثبوت الحق واطمئنان القاضي إليها، وعلى أن منها ما تقبل شهادتهما معاً.
المرأة كالرجل سواء بسواء
ومالنا نذهب بعيداً، وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء في شهادات اللعان، وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين، حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقول شهود: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
أربع شهادات من الرجل، يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويقابلها ويبطل عملها، أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فهذه عدالة الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة، وهى عدالة تحقق أنهما في الإنسانية سواء.
هكذا وضحت صفحة الإسلام، وصفحات الاجتهاد الإسلامي في قضية مساواة شهادة المرأة وشهادة الرجل، طالما امتلك الشاهد أو الشاهدة مقومات ومؤهلات وخبرة هذه الشهادة؛ لأن الأهلية الإنسانية بالنسبة لكل منهما واحدة، ونابعة من وحدة الخلق، والمساواة في التكاليف، والتناصر في المشاركة بحمل الأمانة التي حملها الإنسان، أمانة عمارة هذه الحياة.
لاتوجد تعليقات