خطبة الحرم المكي – الحج إصلاح للقلوب وتطهير للنفوس
جاءت خطبة الحرم المكي بتاريخ 24 - 1443 ذي القعدة الموافق 24 يونيو 2022 بعنوان: (الحج إصلاح للقلوب وتطهير للنفوس) لإمام الحرم المكي الشيخ بندر بن بليلة، وتضمنت الخطبة عددًا من العناصر أهمها: موسم الحج موسم خير وبركة ورحمة، وأفضلية فريضة الحج وبعض مقاصدها، والرابطة الأكيدة بين الحج والتوحيد، وبعض مظاهر الوحدة والأخوة الإيمانية في الحج، ومميزات العشر الأول من ذي الحجة وخصائصها.
في بداية الخطبة بين الشيخ ابن بليلة أنَّ موسم الحج قد فاحت أنسامه، ولاحت أعلامه، وهاؤم أولاء ضيوف الرحمن قد وُفِّقوا لامتثال الأوامر، فخرجوا رجالًا وعلى ضامر، قد سَلكُوا سبيلَ الهُدى والرَّشاد، ونالوا الهَنا والمُراد، وعونُ اللهِ لهم مُؤازِر؛ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}(آلِ عِمْرَانَ: 96-97).
ركنُ الإسلامِ العظيم
الحجُّ ركنُ الإسلامِ العظيم، وجَمْعُهُ الفَخِيمُ، الحجُّ رحلةٌ قُدْسيةٌ، ونَفحةٌ أُنْسِيَّةٌ، عبادةً وتقوًى وذِكرًا، وصَفاءً وبِرًّا وطُهرًا، فيه تجديدُ الصِّلة بالخَلَّاق، وتأكيدُ العهدِ والميثاقِ، وهو من أجَلِّ العباداتِ وأفضَلِها، وأرفعِ الطاعاتِ وأحْفَلِها، وكَفاهُ أنَّه مُكَفِّرٌ للذنوبِ وجزاؤهُ الجنةُ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفسُقْ رَجَعَ كيومِ وَلَدَتْهُ أُمُّه»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنةَ»(أخرجهما البخاريُّ ومسلم)، وسُئل - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّ العملِ أفضل؟ «فقال: «إيمانٌ بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌ مبرور» أخرجه مسلم، والحجُّ المبرورُ هو الذي وُفِّيَتْ أحكامُهُ ولا معصيةَ فيه.
تزكية النفس وإصلاح القلب
إنَّ مَن تَلَمَّحَ العباداتِ بعين التَّفَهُّمِ عَلِمَ أنَّها مُلازَمَةُ رَسْمٍ يَدُلُّ على باطنٍ مقصودُهُ تزكيةُ النَّفْسِ، وإصلاحُ القلبِ، وتعليقُه بالربِّ -جل وعلا-، والحجُّ واحدٌ منها؛ فإنَّه مَملوءٌ بالدروس الرائعة، والحِكَم النافعة، إلَّا أنَّ فِئامًا من الناس قد غاب عنهم ذلك، فأمْسَكوا الظواهرَ، وضيَّعوا الجواهرَ!
دُروس الحجِّ وحِكَمه
وإنَّ أهَمَّ دُروسِ الحجِّ وحِكَمِه:
تحقيقُ التوحيدِ وتجريدُهُ
تحقيقُ التوحيدِ، وتجريدُهُ لله -تعالى-؛ فالبيتُ الحرامُ قد أُقِيمَ على التوحيد، وأُسِّسَ على الهُدى، بَناهُ أبو الأنبياء، وإمامُ الحُنفاءِ؛ إبراهيمُ -عليه السلام-، وأُمِرَ في ذلك ألَّا يُشرِكَ بالله؛ بِأَنْ يُخلِصَ لله عملَه، ويُقيمَ البيتَ على اسم الله، قال سبحانه: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(الْحَجِّ: 26)، وكان يدعو حينَ بَناهُ قائلًا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}(الْبَقَرَةِ: 128)، وأعمال الحجِّ ووظائفُهُ مَبْنِيَّةٌ على التوحيد، مُرَسِّخةٌ له، ذُلًّا لله وخُضوعًا، وتوكُّلًا عليه وخُشوعًا، وإفرادًا له -سبحانه- بالعبادة دونَ مَنْ سواه؛ وفي آيات الحج من سورة الحج يقول -تعالى-: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}(الْحَجِّ: 30-31)، فالمسلمُ لا يتوجَّهُ إلَّا إلى الله وحدَه، لا يجوزُ له أن يدعوَ غيرَه، أو يتوسلَ به، أو يُنزِلَ به حوائجَه، أو يصرفَ عملًا ظاهرًا أو باطنًا لغير مولاهُ -جل وعلا.
تخليةٌ للنفس من الرذائل
وفي الحج تخليةٌ للنفس من الرذائل، وتربيةٌ لها على الفضائل، تربيةٌ على التقوى، وترويضٌ على الطاعة، وتنشئةٌ على حُسْنِ التعامُلِ وجميلِ الأخلاق؛ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}(الْبَقَرَةِ: 197).
الوَحدة الإنسانية والأُخُوَّة الإيمانية
في الحج يتجلَّى مَشْهَدُ الوَحدةِ الإنسانيةِ، والأُخُوَّةِ الإيمانيةِ، وذاكَ أَمْرُ ربِّنا -تعالى- بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(آلِ عِمْرَانَ: 103)، وقوله: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}(الرُّومِ: 31-32)، وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الْحُجُرَاتِ: 10)، ونبيُّه -[- هو القائلُ في حَجة الوداع: «إن ربَّكم واحدٌ، وأباكم واحدٌ، ألَا لَا فضلَ لعربيٍّ على عَجَميٍّ، ولا لعَجَميٍّ على عربيٍّ، ولا لأسودَ على أحمرَ، ولا لأحمرَ على أسودَ إلَّا بالتقوى» أخرجه الإمامُ أحمدُ.
الدرس العظيم
ألا ما أحوجَ المسلمينَ إلى وِعَايَةِ هذا الدرسِ العظيمِ، ورعايةِ ذاك المقصَدِ الكريمِ، فيَنبُذُوا من حياتهم أسبابَ الفُرقةِ والاختلافِ، ويَسعَوْا سَعيَهم نحوَ التعاونِ والاجتماعِ والائتلافِ، مُستجيبينَ لنداء إمامِهم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحاسَدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُمْ على بَيعِ بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا»(أخرجه البخاري ومسلم).
تفضيل بعض الأزمنةِ على بعض
لقد فضَّل اللهُ -تعالى- بعضَ الأزمنةِ على بعض، وجعَلَها مَحَلًّا للطاعات، ومَيدانًا للعباداتِ؛ رحمةً منه وفَضلًا، وحِكمةً وعَدلًا، وعمَّا قريبٍ تنزِل بِسَاحِنا أيامُ عشرِ ذي الحجةِ، أيامٌ عَظَّم اللهُ أمرَها، ورَفَعَ على الأيام قَدرَها، وأقْسَمَ بها في كتابه الكريم؛ فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ}(الْفَجْرِ: 1-2)، والعملُ الصالحُ فيها أفضلُ منه في سائرِ العامِ، قال صلى الله عليه وسلم : «ما مِن أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ مِنْ هذه الأيامِ؛ يعني أيامَ العشر»، قالوا: «ولا الجهادُ في سبيل الله؟»، قال: «ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رجلٌ خرَج بنفسِه ومالِه فلم يَرجِعْ من ذلك بشيء» (أخرجه البخاري)، وفي رواية للإمام أحمد: «فأكثِروا فيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميد».
ألا فخذوا بحظِّكم من هذا الخيرِ الوافرِ، والفيضِ الغامرِ، واعمروا هذه الأيامَ المباركاتِ، بالطاعاتِ والعملِ الرشيدِ، وأكثروا فيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ؛ {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(الْبَقَرَةِ: 197).
لاتوجد تعليقات