رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 5 يوليو، 2022 0 تعليق

شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (8) باب: تفسير الإسلام

الشيخ: فيصل العثمان

كتاب فضل الإسلام من أَقْيَم كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب؛ لذلك اعتنى به العلماء شرحًا وتعليقا، وهو كتاب فيه حث على التمسك بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، وفيه التحذير من البدع وبيان خطرها على الأمَّة والمجتمع والأسرة وعلى الفرد، وفيه بيان لرسالة السلف، وأن السلف يحملون منهجًا ورسالةً، فهذا الكتاب يظهر بعضها.

في هذا الباب يفسر -رحمه الله- الإسلام بعد أن ذكر شيئا من فضائله يُرَغّب فيه من أراد أن يدخل فيه، أو من كان مقصرا، فيبدأ بتفسير الإسلام.

      قال -رحمه الله-: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». أخرجه مسلم.

تفسير الإسلام بأركانه

      هذا الحديث يفسّر الإسلام بأركانه كما قال الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-، فإن الشيء قد يُفَسّر بأركانه كما في هذا الحديث، وقد يُفسر بكل أجزائه. فهنا يبيّن لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ للإسلام أركانا، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت إن كنت مستطيعا. خمسة أركان، يعلم الإنسان أنه إذا أراد أن يدخل في الإسلام فهناك أركان لابد منها، وإذا سقط منها شيء سقط الباقون؛ لأنها أركان. كيف يكون ركن وإذا سقط لا يؤثر؟! لابد أن يؤثر.

البدء بالشهادتين

      بدأ -رحمه الله- بالشهادتين، أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا لا يعني كما يفهم بعض الناس أن التلفظ بالشهادتين يكفي، الجواب: لا يكفي، بل لابد مع اللفظ من النية والإخلاص، ولابد مع الإخلاص العمل، فلابد إذًا من التلفظ بالشهادة، ومن العلم بمقتضاها، ومن العمل بمقتضى العلم، ولا يصح أن تنطق بالشهادتين فقط؛ لأن الإسلام له أركان لابد أن تُوَفيها.

الإخلاص لله -عز وجل- وترك الشرك

      فشهادة أن لا إله إلا الله تعني الإخلاص لله -عز وجل- وترك الشرك. وشهادة أن محمدا رسول الله تعني المتابعة للنبي -عليه الصلاة والسلام-، إذا أتاني الحديث الصحيح في مسألة من المسائل فلابد أن آخذ به إن كان واجبا، ويُستحب لي إن كان مستحبًا. يقول الله -سبحانه وتعالى-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، نأتسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر فعلا، وفيما ترك تركا، وفيما أخبر تصديقا. ونقول لمن يقول يكفي التلفظ: هؤلاء المنافقون كانوا في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - يشهدون، أَسْمَعوها النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: نشهد أنك رسول الله، هل نفعهم ذلك ؟ لم ينفعهم ؛ لأنهم ما عملوا بما شهدوا به. لم يعتقدوا هذه الكلمة، ليست في قلوبهم. ولا عملوا بها العمل الصحيح القائم على الإيمان الصحيح. يقول الله -سبحانه وتعالى- في حقهم مخاطبا نبيه {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. هم يقولون، لكنهم كذبوا {اتخذوا أيمانهم جُنة} سمى شهادتهم أيمانا، اتخذوها حماية؛ لأنهم بهذه الكلمة تركهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أخذهم بظاهرهم. لكن لم تنفعهم؛ لأنهم ما آمنوا بها حقيقة ولم يعملوا بها. فلابد مع التلفظ بهذه الشهادة من العلم والعمل.

بني الإسلام على خمس

      قال -رحمه الله-: (وتقيم الصلاة) الركن الثاني من أركان الإسلام، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم هو لا يصلي! نقول له: لا تنفعك بشيء هذه الشهادة؛ لأن الصلاة ركن من أركان الإسلام، فالذي يتركها متعمدا لا تنفعه شهادته شيئا. قال-رحمه الله-: (وتؤتي الزكاة) الركن الثالث؛ لأن الزكاة قرينة الصلاة، ولابد من أدائها، وقاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة، وقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة.

قال: (وتصوم رمضان) الركن الرابع، ولابد من أدائه.

      ثم قال: (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)، المستطيع والقادر ماديا وبدنيا ثم لا يحج، إن كان جاحدا فقد خرج من الإسلام، وإن كان غير ذلك، يُلزمه ولي الأمر؛ لأن هذا ركن من أركان الإسلام، أركانٌ خمسة لا يكمل بها الإسلام إلا بكلها. فهو بناء أساساته يعاضد بعضها بعضا.

المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده

      ثم قال -رحمه الله تعالى-: وفيه -أي في الصحيح- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وهذا الحديث من رواية أبي هريرة ليس في الصحيح، الذي في الصحيح الحديث نفسه لكن من رواية عبدالله بن عمرو بن العاص عند البخاري. ومن رواية جابر بن عبدالله عند مسلم. فالذي من رواية أبي هريرة عند الإمام أحمد في مسنده.

الإسلام ليس بالأركان فقط

      هذا الحديث أتى به الشيخ ليقول لنا مفسرا للإسلام: إن الإسلام ليس بالأركان فقط، بل له أجزاء أخرى مكملة له. إنسان شهد الشهادتين، وصلى الخمس، وصام رمضان، وأخرج الزكاة، وحج البيت، قام بالأركان كلها، لكن الأركان فيها أمور مكملة، كالبيت الذي تبنيه، تقيم قواعده ثم الأساسات ثم الأعمدة وتكتفي! أم هناك مكملات أساسية؟! منها واجب ومنها مستحب، كذلك إسلامك، وأنا أعجب من بعض الناس، تجده في أمور دنياه دقيقا، وفي بناء إسلامه ليس بذاك؛ فلابد أن تحرص على تكميل هذا البنا؛ فإن إسلامك يقوم بأركانه، ويُكمّل بهذه الأجزاء، من صدقة، من عمرة، من بر والدين، من إحسان إلى جار. منها الواجب ومنها المستحب. فإذا كمّل واجباته كَمُل إسلامه من حيث الواجب، وإذا كمّل مستحباته كَمُل إسلامه من حيث المستحبات. وكان بناءً جميلا. فالشيخ هنا يبيّن لنا أن الإسلام ليس بالأركان فقط. الإسلام يُفسّر بالأركان، ويُفسّر بالأجزاء. ومنها هذا الحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

      فإنسان يُصلي ويصوم ويحج وعنده الأركان كلها، لكن لا يسلم إنسان من لسانه ويده! فهذا إسلامه ناقص، لم يكمل في هذه الجزئية. يؤذي الناس. ما تصدق مرة في حياته غير الزكاة، هذا إسلامه ناقص أيضا. ما كمّل بالصدقة، ما كمّل ببر الوالدين، ما كمّل بالإحسان إلى الجار، وهكذا. فالإسلام يُكمّل بأركانه، ويُكمّل بواجباته، ويُكمّل بمستحباته، فإذا نقص شيء من الواجبات نقص بذلك شيء من إسلامه، لكن لا نقول يكفر؛ لأن الذي نقص ليس من الأركان، بل من الواجبات. وكذلك في المستحبات. ولذلك تجد الناس يتفاوتون في إسلامهم. إسلام أبو بكر، إسلام عمر، إسلام عثمان، إسلام علي، هل هو كإسلام الباقين؟! لا والله؛ لأنهم كمّلوا إسلامهم بالركن والواجب والمستحب. وهنا يكون التنافس، وتكون الحركة والحماس في تكميل إسلامك في أركانه وفي واجباته وفي مستحباته.

أن يُسْلِم قلبك لله

      قال -رحمه الله تعالى-: وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فقال: «أن يُسْلِم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وأن تؤدي الزكاة المفروضة». رواه أحمد في مسنده وأورده ابن حبان في صحيحه وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند إسناده صحيح.

      فهذا الحديث يُفسّر فيه الإمام الإسلام قال: أن يُسْلِم قلبك لله. هذه كالشهادة تحتاج إلى إخلاص، ولا يكون في قلبك مُعظّم إلا الله -عز وجل-، لا يُعظّم شجر، ولا ضريح، ولا ميت، ولا عظيم من معظَّمين الدنيا.

       قال: (وأن تولي وجهك إلى الله) يعني أن تكون كل عبادة تقوم بها لله -عز وجل- وفي كل مصيبة تقع بك، تتوجه إلى الله -عز وجل- أن يرفعها. وفي كل حاجة تحتاجها في هذه الدنيا، تتوجه إلى الله -عز وجل. (وأن تصلي الصلاة المكتوبة)، (وأن تؤدي الزكاة المفروضة) وذكر بعضا من الأركان.

الإسلام بناء له أولويات

      وهذا كحديث معاذ بن جبل، لمّا بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن، رتّب له الأولويات وبيّن له أن الإسلام بناء له أولويات، يعني لا يصح أن تبدأ بالفرع قبل الأصل، لذلك قال له: أول ما تدعوهم إليه، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فهذا هو الأساس؛ لذلك الشيخ أول ما بدأ قال: قال -تعالى-: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} التوحيد. ثم أتى بالحديث الثاني حديث ابن عمر «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» توحيد. وهنا في حديث معاذ رتّب النبي - صلى الله عليه وسلم - الأولويات، أول ما تبدأ بالشهادة. لابد أن يُقرّوا بالشهادة، فإن هم أجابوك لذلك فاعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات، ولم يقدم الزكاة على الصلاة؛ لأن الصلاة عمود الدين. ثم يُكمل الحديث على ترتيبه الذي رتبه - صلى الله عليه وسلم - للصحابي الجليل معاذ بن جبل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك