سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة – ترابط المجتمع الإسلامي من أهم ركائز السعادة للفرد والجماعة
ما زال حديثنا مستمرًا عن ثمرات الالتزام بالقيم الإسلامية وأثرها في تحقيق السعادة، وقد ذكرنا أنَّ القيم هي الفضائل الدينيّة والخلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها سعادة الفرد والمجتمع في الحياة، كما أنَّ التزام القيم الإسلامية من مؤشرات السعادة المؤثرة في سلوك الإنسان وانفعالاته، واليوم نتكلم عن ترابط المجتمع الإسلامي بوصفه ركيزة من ركائز سعادة الفرد والمجتمع.
ترابط المجتمع الإسلامي من أهم ركائز السعادة للفرد والجماعة، لذلك دعانا النبي - صلى الله عليه وسلم - للترابط والتراحم والتآخي، وإفشاء السلم والسلام، ومعرفة حق الجار والخادم، ومعرفة آداب البيع والشراء وغيرها من المعاملات؛ لأن صلاح الأفراد فيه صلاح المجتمع، ومن ثم بناء مجتمع إسلامي يسير على نهج النبي - صلى الله عليه وسلم .
روح الإخاء والتعاون والتماسك
وفي دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى روح الإخاء والتعاون والتماسك والتكامل الاجتماعي، وتقوية الانتماء إلى المجتمع الإسلامي، مع تعزيز ترابط العلاقات الاجتماعية وحب الناس ومساعدتهم، إشارة إلى المجتمع الإنساني السوي، الذي يتماسك أفراده كالبنيان الواحد المتكامل، وما يترتب على ذلك من مشاعر إيجابية وقيم وفضائل سامية، وهذه الأمور مؤشرات مهمة على شعور الفرد بالراحة النفسية والأمن النفسي الذي يقود للسعادة الحقيقية.
نوعية العلاقات
ومن أهم مصادر الشعور بالرضا نوعية العلاقات، وتتمثل عناصرها في كمية المودة والقرب وكون الفرد محلا للثقة وطمأنينة الفرد على قيمته، وهي ما يمكن إدراجها ضمن ما يسمى بالدعم الاجتماعي، والذين يواجهون الحياة بإحساس الأمان هم أسعد من أولئك الذين يواجهونها بعدمه، وهذا الإحساس بالأمان يسببه الحب المتبادل الذي يتم استقباله.
تراحم المسلمين وترابطهم
وفي تراحم المسلمين وترابطهم قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، ومعنى الحديث أي كما أن عند تألُّم بعض أعضاء الجسد يسري ذلك إلى كلِّه، فكذا المؤمنون كلُّهم كنفسٍ واحدة، إذا أصاب واحداً منهم مصيبةٌ ينبغي لنا أن نغتم بها ونهتم بإزالتها عنه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تداعى له سائر الجسد» أي كأن بعضه دعا بعضاً، ووجه التشبيه فيه هو التوافق في المشقة والراحة والنفع والضرر.
سلام المجتمع
وفي سلام المجتمع، ونشر الأمن والسلامة بين أفراده قال - صلى الله عليه وسلم-: «أَفْشُوا السَّلَامَ تَسْلَمُوا»، أفشوا السَّلَام أي أعلنوه وعموا بِهِ من عرفتم ومن لم تعرفوا، فَإِنَّهُ يزِيل الضغائن وَيُورث التحابب، وإِذا فَعلْتُمْ ذَلِك تسلموا من التنافر والتقاطع، وتدوم المودّة، وتجتمع الْقُلُوب، وتزول الضغائن والحروب.
معرفة حق الجار والأخوة الإسلامية
ومن ترابط المجتمع معرفة حق الجار والإحسان إليه، فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»، وكذلك من نجاح المجتمع وترابطه، تحقيق مبدأ الأخوة الإسلامية، وأنه لا فرق بين أبيض وأسود وفقير وغني إلا بالتقوى، والمسلمون كلهم عباد لله إخوانا مترابطين، فقد روى الْمَعْرُور قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صلىالله عليه وسلم -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».
مخالطة الناس والصبر على أذاهم
ومن الأمور التي تحقق ترابط المجتمع مخالطة الناس والصبر على أذاهم، والتعامل معهم بسهولة ولين، فالمسلم هين لين كما ذك ذكر النبي - صلى الله عليه وسل-، وكذلك الإحسان للناس والتجاوز عنهم ومساعدتهم، سواء في الأمور المادية أم المعنوية، فكل هذا يحقق الترابط في المجتمع المسلم، وفي ذلك جاء حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ. قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ».
من مصادر السعادة الأخوّة الإيمانية
الأخوة في الله علاقة سامية، أساسها الاجتماع على طاعة الله وتقواه، وهي نعمة كبيرة يمن الله بها على عباده المؤمنين، فيكونون باجتماعهم أقوى، وبتذاكرهم أكثر طاعة، قال إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُ َقدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَقَالَ: آللهِ ؟ فَقُلْتُ: آللهِ. فَقَالَ: آللهِ ؟ فَقُلْتُ: آللهِ. فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»، قوله: «للمتحابين في»؛ يعني: الذين يحب بعضهم بعضًا لمرضاتي ولأجلي، لا لغرضٍ دنيوي، «والمتزاورين في»؛ أي: الذين يزور بعضهم بعضًا لأجلي، «والمتباذلين فيّ»؛ أي: الذين يبذل؛ أي: يعطي بعضهم بعضًا شيئًا.
الأخ عضد أخيه .. يؤازره ويناصحه
الأخ يشد عضد أخيه، ويآزره، ويناصحه، ويشاركه أفراحه وأحزانه، والأخ سند، وإذا كانت العلاقة قائمه لله -عزو وجل- فهي علاقة سامية، تمتد- بإذن الله- إلى الآخرة كما قال تعالى: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} (سورة الحجر: 47)، فمن حظي بأخ صالح في الله فليتمسّك به، فإنّه نعمة من الرحمن.
والزمالة والتعاون عنصران ضروريان في السعادة، وتشير نتائج كثيرة من البحوث إلى أن من لهم عددا أكبر من الأصدقاء، أو يقضون وقتا أطول مع أصدقائهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر سعادة، ولعل أول ما يوفره الأصدقاء لبعضهم بعضا هو التحسين الفوري للحال المعنوية، إما بتوفير جو المرح أو نوع من الإشباع الهادئ، ورغم انخفاض أهميتها بوصفها مصدرا مستقلا للسعادة، بالقياس مع الزواج أو الحياة الأسرية إلا أنها أهم في المتوسط في العمل والاستمتاع بوقت الفراغ، ورغم انخفاضه نسبيا إلا أنه متسق.
لاتوجد تعليقات