شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم.. باب: تَحْريمُ بَيْعِ الخَمْر
- الخَمرُ أمُّ الخبائثِ وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها
- أحلَّ اللهُ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: أَنَّهُ سَأَلَ عبداللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ العِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَاناً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا؛ حَرَّمَ بَيْعَهَا». قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1206) باب: تحريم بيع الخمر.
في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ عبدالرَّحمنِ بنُ وَعْلةَ، أنَّه سألَ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عن حُكمِ الشَّرابِ الَّذي يُعصَرُ مِنَ العنَبِ، وظاهِرُه أنَّه يَسألُ عنِ الخَمرِ الَّتي تُتَّخذُ منَ العنَبِ، فأخبَرَه عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ رجُلًا أَهْدَى إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رَاويةَ خَمرٍ» والرَّاويةُ: هي القِرْبةٌ منَ الجِلدِ.هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟
فسَألَه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟» لعلَّ السُّؤالَ كان ليَعرِفَ حالَه، فإنْ كان عالِماً بتَحريمِها، أنكَرَ عليه هَديَّتَها، وإمْساكَها، وحَملَها، وعزَّرَه على ذلك، فلمَّا أخبَرَه أنَّه كان جاهلاً بذلك عذَرَه، ولعلَّ الرَّجلَ كان مِنْ خارجَ المدينةِ قبلَ أنْ يَنتشِرَ حُكمُ تَحريمِها، فنَفى الرَّجلُ عِلمَه بالنَّهيِ والتَّحْريمِ.قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً
- قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً أي: فكلَّمَ هذا الرَّجلُ رَجلاً آخَرَ بجِوارِه سرّاً، دونَ أنْ يَسمَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فسَألَه - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَه؟» وإنَّما سأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سرَّ به؛ لمَا غلَبَ في ظنِّه أنَّ كلامَه للآخَرِ؛ كان فيه ما يتعَلَّقُ بتلك الخَمرِ، فأرادَ أنْ يُبيِّنَ له شُموليَّةَ حُكمِ الخَمرِ، وأنَّ التَّحريمَ يَتعدَّى شُربَها كما سيأْتي، فَأجابَ الرَّجلُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أمَرْتُه بِبَيْعِها»، وفي رِوايةٍ لأحمدَ: «فأقبَلَ الرَّجلُ على غُلامِه، فقال: اذهَبْ فبِعْها».
إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها
- قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها» أي: فبَيعُها حَرامٌ مِثلُ شُربِها، وقولُه: «الَّذي» كنايةٌ عنِ اسمِ اللهِ -تعالى-، فكأنَّه قال: إنَّ اللهَ حرَّمَ شُربَها، وحرَّمَ بَيعَها. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مَعناه: إنَّ الَّذي اقْتَضى تَحريمَ شُربِها، اقْتَضى تَحريمَ بَيعِها؛ إذ لا تُرادُ إلَّا للشُّربِ، فإذا حُرِّمَ الشُّربُ لم يجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه يكونُ من أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وهو داخل في قوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، فيأمر عباده المؤمنين بالتعاون على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم. قال ابن جرير: «الإثم» تَركُ ما أمَرَ الله بفعله، و»العُدْوان» مُجاوزة ما حدّ الله في دِينكم، ومُجَاوزة ما فَرَضَ اللهُ عليكم في أنفسكم، وفي غيركم.
- قوله: «فَفتحَ الرَّجلُ المَزادةَ» وهي القِرْبةُ، «حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها» أي: حتَّى سَكَبَ ما فيها، وتَخلَّصَ منه، وظاهرٌ من إيرادِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- هذا الحديثَ جواباً لسُؤالِ عبدالرَّحمنِ بنِ وَعْلةَ: أنَّه أرادَ أنَّ التَّحريمَ يقَعُ في كُلِّ ما يكونُ يُعَدُّ خَمراً، ويكونُ مُسكِراً، ومُغيِّباً للعقلِ، سواءٌ أكانت مُتَّخَذةً منَ العنبِ، أو من غيرِها.
فوائد الحديث
- النَّهْيُ عَن بَيْعِ الخَمرِ.
- وفيه: أنَّ مَن أَهْدَى المُحَرَّمَ لم تُقبَلْ هَدِيَّتُه.
- وفيه: أنَّ مَنِ ارتكَبَ مَعْصيةً جاهلًا بتَحْريمِها لا إثْمَ عليه، ولا تَعزيرَ.
- وأنّ الخَمرُ أمُّ الخبائثِ، وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها، ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها، وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ، وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها.
- وفيه: حُسنُ تَعليمِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.
باب: تَحْريمُ بيعِ المَيْتَةِ والْأَصْنَامِ والخِنْزِيرِ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؛ فَقَالَ: «لَا هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا؛ أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1207) باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
تحريم بيع الخمور بكل أنواعها
في هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبداللهِ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خطبَ الناس عامَ فتْحِ مكَّةَ في السَّنةِ الثامنةِ مِن الهِجرةِ، فحرَّمَ بَيعَ الخمرِ بكلِّ أنْواعِها، وحرَّمَ المَيتَةِ مِن الحَيَواناتِ والطُّيورِ، والخِنزيرِ الَّذي حَرَّمه اللهُ في كِتابِه، وحرَّمَ بيعَ الأصنامِ، وهي التَّماثيلُ المُصوَّرةُ المُجسَّمةُ؛ لأنَّها تكونُ ذَريعةً إلى الشِّركِ باللهِ -تعالى-، سَواءٌ كان بمُضاهاتِهم ومُشابَهتِهم اللهَ -تعالى- في خلْقِه، أو بعِبادتِها كما فَعَل الناس في الجاهليَّةِ. وقال ابن التين: بيعها ما دامتْ مُصوّرة ممنوع، وإذا طُمِست صُورها؛ جاز بيعها، كانت فضةً أو نحاساً أو حَجَراً، والنّهي في الشحوم منصب عند أكثر العلماء إلى البيع دُون الانتفاع، وأجاز أبو حنيفة بيع شحوم الميتة وخالف الحديث؟ ونَحَا إليه ابن وهب وسلف، واستدل الخطّابي بجواز الانتفاع؛ بإجماعهم أنّ مَنْ ماتتْ له دابة؛ ساغ له إطْعامها لكلابه، فكذلك الدُّهن، وظاهر كلام عبدالملك منعه.أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟
- قوله: «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، أي: أخْبَرَه النَّاسُ أنَّ شُحومَ الحَيواناتِ الَّتي تَموتُ؛ يُنتفَعُ بها في طِلاءِ السُّفنِ ودَهْنِ الجُلودِ، ويَجعَلُها النَّاسُ في مَصابيحِهم يَستضِيئونَ بها، فهلْ يَجوزُ ذلك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا، هو حَرامٌ» أي: قَطْعاً؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ المَيتةَ في كِتابِه، وكل وجوه الانتفاع بها،
- قوله: «جَمَلُوه» أي: أذابُوه، أي: أذابُوا هذه الشُّحومَ ثُمَّ باعُوها؛ تَحايُلاً على الشَّريعةِ، وعلى ما حرّم الله، وأخَذوا ثَمَنَها، فاستَحقُّوا اللَّعنةَ مِنَ اللهِ -تعالى-، وفي هذا تَحذيرٌ مِن التَّحايُلِ على المُحرَّماتِ كما فَعَلَت بَنو إسرائيلَ.
فوائد الحديث
- إبطالُ الحِيَلِ والوَسائلِ إلى المُحرَّمِ.
- وفيه: أنَّ الشَّيءَ إذا حُرِّمَ عَينُه حُرِّم ثَمَنُه.
- وفيه: أنّ اللهُ أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك.
لاتوجد تعليقات