سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة – القيم السلوكية التي تحقق السعادة للعبد في الدنيا والآخرة
ما زال حديثنا مستمرًا عن ثمرات الالتزام بالقيم الإسلامية وأثرها في تحقيق السعادة وقد ذكرنا أنَّ القيم هي الفضائل الدينيّة والخلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها سعادة الفرد والمجتمع في الحياة، كما أنَّ التزام القيم الإسلامية من مؤشرات السعادة المؤثرة في سلوك الإنسان وانفعالاته، واليوم نتكلم عن الالتزام بالقيم السلوكية وأثرها في تحقيق السعادة للعبد في الدنيا والآخرة، ومنها ذكر الله -تعالى- والإحسان.
القيم السلوكية هي الفضائل التي يتحلى بها المرء، والسُّلُوكُ: مصدرُ سَلَكَ طَرِيقًا، والمَسْلكُ: الطريقُ، والسلوك سيرة الإنسان وتصرّفه واتِّجاهه، ويشمل الآداب كحسن السلوك وسيّئها.
ذكر الله تعالى
والذكر من القيم السلوكية، ومعناه الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات، وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة. والذِّكْرُ لغة: الحفظُ للشَّيْء، والذِّكْرُ: جَرْيُ الشيءِ على لسَانك، والذِّكْرُ: مَا ذكرْتَه بلسانك وأظهرْتَه، ومن أنواع الذكْر: الصَّلاةُ، وقِرَاءَة الْقُرْآن، والتسبيحُ، والدُّعَاء، والشُّكْرُ، والطَّاعَة.
والذكر: هو التّخلّص من الغفلة والنّسيان، والذّكر عبوديّة القلب واللّسان، قال -تعالى-: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)} (سورة الأحزاب: 35).
حياة القلوب وتدبر للعقول
والذكر حياة للقلوب، وتدبر للعقول، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»، وهنا شبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - الذاكرَ بالحَيِّ الذي تزيَّنَ ظاهرُه بنور الحياة وبالتصرف فيما يريد، وباطنُه منوَّر بنور العلم والفهم، كذلك الذاكِرُ مزيَّنٌ ظاهُره بنور العلم والطاعة، وباطنُه بنور العلم والمعرفة، وغيرُ الذاكِرِ كالميت؛ لأنه عاطلٌ ظاهرُه، وباطلٌ باطنُه.
تنمية لمشاعر الإيمان
وفي ذكر الله تنمية لأفكار الإيمان ومشاعره، التي تحمل أقوى معنى للإيجابية والسعادة والتفاؤل والرضا، ويرتبط ذكر الله بإشباع الحاجة إلى الدين، فبإشباعها تطمئن النفس وتسمو الأفكار، وتعلو المشاعر، وتصلح الأعمال.
الأجر والصدقة
وفي الذكر الأجر والصدقة، فقد روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -[- قَالُوا لِلنَّبِيِّ -[-: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونَ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا»، وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار النية في المباحات، وإنّما تصير طاعات بالنيات الصادقات.
الإحسان
- الإحسان لغة: من الحسن، الحَسَنُ: نعت لما حَسُنَ، تَقول: حَسُنَ الشيءُ حُسْنًا، وهو ضد القبح ونقيضه، والإحسان يكون لنفس الإنسان ولغيره.
- واصطلاحًا: فعل ما ينبغي فعله من المعروف، وهو ضربان: أحدهما: الإنعام على الآخر، والثّاني الإحسان في فعله وذلك إذا علم علمًا محمودًا، وعمل عملًا حسنًا، قال -تعالى-: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (سورة البقرة: 195) وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا، الإحسان في عبادة الله -تعالى-، وهو كما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل -عليه السلام-، فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (سورة يونس: 26) وكان الله معه يسدّده ويرشده ويعينه على أموره كلّها.
باب واسع للسعادة
والإحسان باب واسع للسعادة، فمن أراد الراحة والسرور، فليحرص على تحقيق الإحسان بأنواعه كلّها، وهذا أمر مجرب ومشاهد، فالمرء حينما يحسن لإنسان مثلًا كأن يفرّج عنه أو يعينه يشعر بانشراح وسرور في قلبه، ولا عجب في ذلك، فالله -سبحانه- وعد المحسنين بالخير الكثير.
يحقق تقدير الذات
والإحسان يحقق التقدير الذاتي للعبد، الذي يؤدي بدوره إلى الرضا النفسي وهو المكون الأساسي للسعادة، فممارسة الخير ليست مجرد متعة بل هي حالة من الإشباع المتكامل، قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»، كتب أي أوجب، والإحسان هو فعل الحسن الذي هو ضد القبيح، فيتناول الحسن شرعًا، والحسن عرفًا، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا»، فحسن إسلامه أي: صار إسلامه حسنًا باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربّه منه واطلاعه عليه كما دل عليه تفسير الإحسان في حديث جبريل.
الجزاء من جنس العمل
والله -سبحانه- يفرج عمن فرج وأحسن لعباده، فقد روي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ:»مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» (رواه مسلم)، من أَفْرحه أنْ يُنجيه الله، فليؤخّر مطالبة المعسر إلى مدّة يَجِدُ مالًا، «أو يضعُ عنه» بعضَ الدَّين، والتنفيس: إذهاب الغَمِّ.
الله في عون العبد
والله -سبحانه- في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وهذا يوصل العبد للسعادة بلا شكّ، فالمرء إذا أعانه الله حصلت له السعادة، لذلك فإنّ إسعاد الآخرين والتفريج عنهم وإعانتهم من أسهل الأسباب وصولا للسعادة، وفي ذلك قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، وهذا الحديث فيه الحثُّ على إعانة المسلم أخاه المسلم، وأنَّه كلَّما حصل منه العون لإخوانه فإنَّه يحصِّل بذلك عون الله وتسديده، وجملة « والله في عون العبد..» كلمة جامعة من جوامع كلم الرسول - صلى الله عليه وسلم . ومعنى «في عون» أي يوقع الله العون في العبد ويجعله مكانًا له، مبالغة في الإعانة، وفي هذا الإحسان والتفريج للمسلمين وإعانتهم تحقيق النجاح في الحياة الاجتماعية، والتي تعد مؤشرا هاما للسعادة، وتؤثر تأثيرا واضحا على حصول السرور والاستقرار النفسي، والشخص المحبوب يتم تقديره نتيجة لخدمات قدمها، وليس نتيجة لخصائص داخلية.
الأمانة
والأمانة: ضد الخيانة، وأصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان، والأمانة هنا اسم لما يؤمن عليه الإنسان، وهي من الحفظ.
لاتوجد تعليقات