الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية – قواعد لها علاقة بالمصالح والمفاسد والموازنة بينهما
ما زال الحديث مستمرًا حول الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية، وقد ذكرنا أن تقدير المصالح والمفاسد ليس أمرًا هينًا؛ لأنه منضبط بضوابط الشَّرع ونصوصه وقواعده، ولا يصلح أن يقوم به إلا أهل العلم الأثبات، الذين عرفوا نصوص الكتاب والسنة، ودرسوا مقاصد التشريع الإسلامي وميَّزوا بين أولويات الأحكام، وعرفوا خير الخيرين وشرَّ الشرَّين، وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بعض القواعد التي لها علاقة بالمصالح والمفاسد والموازنة بينهما، واليوم نكمل ما بدأناه.
القاعدة الخامسة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
تدل القاعدة على أنَّ المفاسد متى كانت أكبر من المصالح فإن الواجب دفعها قدر الإمكان ولا ينظر في تحقيق المصلحة لكونها مغمورة في المفسدة، أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة فالقول الراجح هو الإثبات بتلك المصلحة لان المفسدة مغمورة في تلك المصلحة وإن تساوت المفاسد والمصالح وهو أمر قد يكون متعذرًا فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
- الأول: دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.
- الثاني: جلب المصلحة أولى من دفع المفسدة.
- الثالث: التوقف أو بالتخيير في كل حاله بحسبها وما يلابسها.
القاعدة السادسة: لا ضرر ولا ضرار
المثال الأول لهذه القاعدة: منع الشخص من إحداث شيء في طريق الناس يضر بهم، مثلك حفر حفرة في الشارع، أو وضع حديد أو تراب في طريق الناس، وكذلك إلزام الشرع من ألتف شيئا من ممتلكات الآخرين بضمانه، إما بمثله إن أمكن أو بدفع قيمته، وذلك دفعًا للضرر الحاصل بالإتلاف، ودليل القاعدة حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ضرر، ولا ضرار» رواه الحاكم والبيهقي والدارقطني، وهذا دليل عام يشمل جميع أنواع الضرر، قال الشيخ العثيمين -رحمه الله- الضرر: ما كان عن غير قصد، والضرر ما كان عن قصد؛ لأن ضرار مصدر ضار يضار ضرارًا، أو معناه ليس كل ضرر يكون حرامًا فإيقاع الحدود على السارق والزاني ليس محرما بل هو مشروع وقد يكون واجبا إذا استوفي الشروط.
القاعدة السابعة: الضرر يدفع بقدر الإمكان
هذه القاعدة تتضمن دفع الضرر قبل وقوعه وعند وقوعه وبعد وقوعه فإن أمكن إزالة الضرر بالكلية فبها ونعمت، وإن لم يمكن إزالة الضرر بالكلية فإنه يزال بالقدر المستطاع، ومثال دفع الضرر قبل وقوعه قوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، وهذا فيه دفع ضرر إغارة العدو على بلاد المسلمين إذا علم بقوة المسلمين، وأما إزالة الضرر عند وقوعه ففيه حديث أبى هريرة -رضى الله عنه- قال: «جاء رجل فقال يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال لا تعطه مالك، قال أرأيت إن قاتلني؟ قال قاتله، قال أرأيت إن قتلني؟ قال فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» رواه مسلم، وأما إزالة الضرر بعد وقوعه فهو كما في قاعدة: (من أتلف شيئًا فعليه إصلاحه)، ومن أمثلة الوسائل التي تزيل الضرر بالكلية الحجر على السفيه الذي لا يحسن المعاملة مع الناس وربما أخذ بنفسه أو بغيره وهذا الحجر فيه رفع الضرر بالكلية أن يبيع أو يشترى أو يتعاقد فينتفي الضرر الذي قد يتسبب هذا السفيه في إلحاقه بنفسه أو بغيره. ومن أمثلة الوسائل التي تزيل الضرر بالقدر المستطاع مشروع الحجر على المفلس ثم محاصة الغرماء مال المفلس على قدر ديونهم، فإن الغريم لا يزول ضرره بالكلية إلا أن يأخذ دينه كاملاً ولكن لما كان ذلك غير ممكن بسبب إفلاس المدين ضرر الغريم بالقدر الممكن وهو أخذه لحصته من مال المدين، مثل أن يكون المدين عليه مائة ألف جنيه لعشرة غرماء وكل واحد له عشرة آلاف جنية، فأفلس المدين وليس لديه عند الحجز عليه إلا خمسون ألفا فتقسم على الغرماء كل واحد خمسة آلاف، ولايرتفع الضرر عنهم بالكلية ولكنه رفع للضرر بالقدر المستطاع.
القاعدة الثامنة: الضرر يزال
وهذه القاعدة تعني أن الضرر إذا وقع يجب أن يزال، ومن أمثلة ذلك لو سلط إنسان ميزاب بيته على الطريق؛ بحيث يضر بالمارين فانه تجب عليه إزالته، ولو بنى الإنسان بيتًا وجعل مكانا لوضع دوابه أو سيارته في الطريق فإنه يجب أن يزال، ولو طالت أغصان شجرة فتدلت على بيت جاره وصارت تؤذيه فإنه يجب عليه أن يزيل هذه الأغصان.
القاعدة التاسعة: الضرر لا يزال بمثله
وهذه القاعدة لها علاقة بالتي قبلها (الضرر يزال) وهي أن الضرر وإن كان يزال فإنه لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه، فهذه القاعدة قيد للقاعدة التي قبلها، الضرر يزال بلا ضرر إن أمكن أو بما هو أخف منه إذا لم يمكن ازالته بلا ضرر والمعنى أن الضرر تجب إزالته ولكنه لا يزال بمثله ومن باب أولى لا يزال بما هو أشد منه، بل يجب أن يزال الضرر بلا أضرار إن أمكن ذلك وإن لم يمكن ذلك فإنه يزال بضرر أقل منه، من هنا فيكون لإزالة الضرر ثلاثة أحوال:
- الحال الأولى: أن يزال بلا ضرر فيجب إزالته.
- الحال الثانية: أن يزال بضرر أقل منه فيجب أن يزال.
- الحال الثالثة: أن يزال بضرر أشد منه فإنه لا يزال الضرر حينئذ.
ومن الأمثلة على ذلك لو أكره إنسان على قتل معصوم الدم وإلا قتل هو فإنه لا يجوز له الإقدام على القتل لأنه يستبق نفسه بقتل غيره والضرران متماثلان والضرر لا يزال بمثله.
القاعدة العاشرة: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف
والمعنى أنه إذا كان أحد الضررين أعظم وأشد من الضرر الآخر في نفسه فإن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ومعنى ذلك أننا نرتكب الضرر الأخف من أجل أن ندفع الضرر الأشد، واستدل لهذه القاعدة بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقد روى البخاري في صحيحه «أن أعرابيًا جاء وبال في طائفة المسجد، فنهره الناس، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى بوله أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فأهريق عليه»، ووجه الدلالة أن ترك الأعرابي يكمل بوله ضرر أخف من قطع بوله عليه؛ فإن قطع البول يتضمن اضرارًا كثيرة، أشد من البول في المسجد ومن هذه الأضرار احتباس البول في بدنه بما يؤذيه تقاطر البول في أماكن أخرى من المسجد وعلى ثيابه وبدنه بما يوسع دائرة النجاسة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - دفع هذه الأضرار بالضرر الأخف وهو تركه يكمل بوله في موضع معين من المسجد، ومن ذلك جواز فداء الأسير المسلم بالمال إذا كان لدى الكفار؛ لأن ضرر أسر المسلم عند الكفار أشد من ضرر دفع المال إليهم.
ملحوظة: الفرق بين قاعدة احتمال أدنى المفسدتين لتفويت أشدها وبين قاعدة (الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف)، أن الضرر الأشد قد وقع بالفعل فيدفع بارتكاب ضرر أخف كما في الأمثلة السابقة: وأما تعارض المفسدتين فإنه لم يقع أحدهما بعد ومثاله شق بطن المرأة الحامل إذا احتيج إليه وكانت حياة الجنين مرجوة؛ لأنها على حالها قد يؤدي إلى موتها أو موت الجنين او موتهما معا وشق البطن مع أنه مفسدة أخف من مفسدة موتها أو موت الولد أو موتهما.
القاعدة الحادية عشرة: يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام
المعنى إذا وجد في أمر من الأمور ضرران، أحدهما عام والآخر خاص، فإنه يرتكب الضرر الخاص لدفع الضرر العام؛ لأن الضرر الخاص أهون من الضرر العام،مثاله: إجبار المحتكر للطعام على بيعه من أجل رفع الضرر عن المسلمين، وإن ترتب عليه ضرر على المحتكر؛ لأن يجبر على أن يبيع الطعام بسعر المثل مما يسبب له ضررًا خاصا به، ومن ذلك منع إقامة الورش في الأحياء السكنية.
القاعدة الثانية عشرة: الضرورات تبيح المحظورات
ومعنى ذلك أنَّ الممنوع شرعًا يباح عند الضرورة، ومثال ذلك إباحة أكل الميتة عند المجاعة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غص ولم يجد غيرها، وإباحة كلمة الكفر للمكره عليها بقتل أو تعذيب شديد والضرورة هي الحالة التي تطرأ على العبد من الحظر والمشقة الشديدة؛ بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى في النفس أو في عضو من أعضائه أو في العرض أو في العقل أو في المال، فيجوز للمضطر الممنوع شرعًا كارتكاب الحرام أو ترك واجب أو تأخير عن وقته دفعًا للضرر عنه غالب ظنه وذلك ضمن قيود وضوابط تتمثل فيما يلي:
- أن تكون الضرورة قائمة بالفعل لا متوهمة ولا منتظرة ولا متوقعة.
- أن تكون الضرورة ملجئة؛ بحيث يخشى تلف نفسه أو تضييع المصالح الضرورية الخمس: الدين، النفس، المال، العقل، العرض، إلا أن تكون للمضطر وسيلة أخرى مباحة لدفع الضرر.
- أن يقتصر المضطر فيما يباح للضرورة على القدر اللازم لدفع الضرر أي الحد الأدنى فيه.
- أن يكون وقت الترخيص للمضطر مقيدا بزمن بقاء العذر فإذا زال العذر زال الترخيص.
- أن يكون الضرر في المحظور الذى يحل الإقدام عليه أنقص من ضرر حال الضرورة فإن كان الضرر أنقص أو يساويه فلا يباح له كالإكراه على القتل.
- ألا يكون الاضطرار سببًا في إسقاط حقوق الآدميين.
لاتوجد تعليقات