رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ناصر نعمه العنيزان 28 ديسمبر، 2020 0 تعليق

الشيخ: عبدالعزيز ابن باز – رحمه الله – يفتتح مقر جمعية إحياء التراث الإسلامي

  

يتبوأ الأرشيف منزلة غاية في الأهمية لدى الأمم والشعوب المتحضرة، فالتاريخ يصنع بالوثائق، وهي الآثار المختلفة، وأفعال الرجال الماضية وأقوالهم؛ فهي بصمات لا تنسى، كيف لا؟ وهو يوثق إنجازاتها، ويحمل لسان حالها إلى الأجيال اللّاحقة؛ لذلك خُصصت هذه الصفحة لننشر من خلالها تراث جمعية إحياء التراث الإسلامي، ومواقفها التاريخية عبر مسيرتها المباركة.

 

     في أمسية رمضانية جميلة، غمرتها روح إيمانية عالية، اجتمع نفر غفير من أهل الخير في الكويت؛ لافتتاح المقر الرئيس لجمعية إحياء التراث الإسلامي في مطلع العام 1989م، وقد حرصت إدارة الجمعية على أن يكون الافتتاح بكلمة من علامة عصره الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- (مفتي المملكة العربية السعودية) آنذاك، والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد.

وقد رحب الشيخ -رحمه الله- بالأمر، فأناب عنه فضيلة الشيخ عبد الله القصير ليلقي الكلمه نيابة عنه. وفيما يلي نص هذه الكلمة الجامعة المانعة التي افتتح بها الشيخ ابن باز -رحمه الله- المقر الرئيس لجمعية إحياء التراث الإسلامي في دولة الكويت:

نص الكلمة

 الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه سيدنا وإمامنا ونبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

- أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله غيره , ولا رب سواه على ما منَّ به على الجميع من نعمه العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، وأجلها نعمة الهداية إلى الإسلام، وهذا الدين الكامل الشامل الميسر الذي أوحاه الله إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأكمله لنا، وأتم علينا به النعمة، ورضيه لنا ديناً، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقد وعد الله -سبحانه- أهله المتمسكين به والداعين إليه بنصرهم وتمكينهم في الأرض، فالحمد لله على ذلك كله.

دعوة الناس إلى الحق

     ثم إني أهنئ إخواني القائمين على جمعية إحياء التراث الإسلامي بما يسر الله لهم من الخير، ومن ذلك ما يبذلونه من جهود طيبة، وما يقومون به من نشاط خير في دعوة الناس إلى الحق، وتبصيرهم بما كان عليه السلف الصالح من الاعتقاد والعمل والإعانة على المشاريع الخيرية والأعمال النافعة للمسلمين، وأسأل الله -تعالى- أن يجعل أعمالهم الخيرة وأقوالهم خالصة لوجهه صواباً على سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم .

تحقيق أهدافهم الخيرة

كما أهنئهم بالمبنى الجديد للجمعية، وأسأل الله -تعالى- أن يجعله زيادة في معناها وقوتها في الخير ومباركاً عليها، وسبباً من أسباب استمرار نشاط القائمين عليها في أداء واجباتهم، وعوناً لهم على تحقيق أهدافهم الخيرة وبلوغ غاياتهم الحميدة، إنه خير مسؤول.

تقوى الله رأس كل خير

     وإني إذ أهنئهم بذلك أوصيهم جميعاً ونفسي والحاضرين ومن بلغته كلمتي هذه من المسلمين والمؤمنين بتقوى الله -تعالى- في الأمور جميعها، فإن تقوى الله رأس كل خير ومفتاحه، وسبب تحصيله في الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}، وقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. وقال -تعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، والآيات والأحاديث في فضل التقوى وحسن العاقبة لأهلها كثيرة، والتقوى هي طاعة الله ورسوله بفعل الأوامر وترك النواهي، والوقوف عند الحدود عن يقين تام وإخلاص كامل ومتابعة للشريعة.

تحقيق عبادة الله -تعالى

     وأذكركم ونفسي بالواجب العظيم على الجميع، وهو تحقيق عبادة الله -تعالى- قولاً وعملاً واعتقاداً، وتوحيده -سبحانه- بأنواع العبادة من الصلاة والصيام والحج والطواف والدعاء والنذر والخوف والرجاء، والاستعانة والاستعاذة وسائر أنواع العبادة. ويدخل في ذلك طاعة الله –سبحانه- في أوامره وترك نواهيه، على ما دل عليه الكتاب والسنة؛ فإن العبادة تقتضي من المسلم الانقياد التام لله -تعالى- ظاهراً وباطناً، وأن تكون حياة المرء وسائر تصرفاته قائمة على شريعة الله فيما أحب وكره، فيكون المرء متحرراً في سائر أحواله من حظوظ النفس ونوازع الهوى ومراعاة الخلق، يستوي في ذلك الرجل والمرأة، والفرد والمجتمع، والحاكم والمحكوم.

الحكمة من خلق الثقلين

     وتعلمون -بارك الله فيكم- أن العبادة هي الحكمة التي خلق الله الثقلين من أجلها، والوظيفة العظيمة التي كلفهم بها، كما قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وقال -تعالى-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}، ثم قال الشيخ: فعبادة الله وحده لا شريك له هي حق على عباده الذي أمرهم به، وأوجبه عليهم، ووعدهم عليه كل خير في الدنيا والآخرة، وبعث من أجله رسله جميعا، وأنزل عليهم كتبه للدعوة إليها وبيان تفاصيلها، وأسباب تكميلها والتحذير مما يضادها وينافيها، وما أعده الله لأهلها من الخير العظيم في الدنيا والآخرة، وما أعده لمن أعرض عنها وتركها من العذاب والشقاء في الدنيا والآخرة؛ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، فعلينا جميعاً القيام بهذه الوظيفة العظيمة والدعوة إليها، والجهاد من أجلها باللسان والمال والنفس، والتعاون في ذلك، والتواصي به، مخلصين لله، متحرين سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كله.

التشمير عن ساعد الجد

     ثم قال الشيخ: فالواجب على دعاة الإسلام أن يشمروا عن ساعد الجد للدعوة إلى دين الله -تعالى-، وهداية الخلق إليه، وأن يتزودوا لذلك بما يلزم من الفقه في الدين والبصيرة في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ليقوموا بذلك عن بصيرة وإخلاص، وعليهم أن يصبروا ولا ييأسوا، وأن يتذكروا وعد الله لمن نصره بالتمكين في الأرض، وأن يطمعوا فيما بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاة إلى الله من الأجر العظيم مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»، رواه مسلم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» - رواه مسلم، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه -: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». متفق على صحته، وأرجو أن تكون جمعيتكم هذه من أوفر الجمعيات حظاً بالقيام بهذا الواجب العظيم، وما وعد الله عليه من الأجر العظيم، وأن يكون القائمون عليها من خير دعاة الهدى وأنصار الحق.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك