رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: شحات رجب بقوش 31 أغسطس، 2020 0 تعليق

الإمام البخاري وصحيحه الجامع (1)

 

كرَّم الله أمة الإسلام بحفظ مصادر استدلالها، قال الله -تعالى-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9)، وقد فُسِر الذكر بأنه: قرآن وسنة، فقد قدَّر الله أن تُصان السُّنة، وتُحفظ كما حفظ القرآن؛ لأنها هي المفسِّرة له، والمفصلة لمجملة، لذلك فقد سعى المغرضون للإسلام في كل حين إلى التقليل مِن شأن السنة والتشكيك في ثبوتها ودلالاتها، وأثاروا ضدها الشبهات التي دُحرت ورُد عليها منذ ظهورها، ولكن بين الحين والآخر يأتي مَن يثير الشبهات للحط مِن السنة، أو للحصول على الشهرة الزائفة!

     فالناظر في الطعون المعاصرة في السُّنة النبوية يجد أنَّ أكثرها مُوَجَّه نحو صحيح البخاري، والسبب في ذلك: أنَّ الطاعنين عَرَفوا مكانة الجامع الصحيح في نفوس المسلمين؛ فأرادوا إسقاط هيبته؛ لأن في ذلك إسقاطًا لهيبة الكتب الأخرى دون عناء، والنتيجة هدم السُّنة كلها، وإذا كانت هذه سلسلة تتناول الحديث عن الإمام البخاري وصحيحه الجامع، فيناسِب المقام أن تُقَدَّم بمقدمة عن فضل طلب الحديث وعلومه.

فضل طلب الحديث

     إن لدراسة الحديث شرف؛ لأن مادته كلام سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأحواله، وهو أمر شريف عظيم؛ ولذا كان هذا العلم شريفًا عظيمًا، فأهل الحديث هم أولى الناس بوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (متفق عليه)، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري مَن هم؟!».

حاجة كل العلوم لعلم الحديث

      قال ابن الصلاح كما في خطبة كتابه (علوم الحديث): «هذا وإن علم الحديث مِن أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتُهُم، ويُعْنى به محقِّقُو العلماء وكَمَلتُهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسَفِلتهم، وهو مِن أكثر العلوم تولجًا في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه مِن مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء» (انتهى).

العقبة الكؤود أمام كل بدعة

     أهل الحديث هم العقبة الكؤود أمام كل بدعة؛ فلولاهم لعمت البدع، وشاعت الشبهات؛ ولذلك قال الحاكم النيسابوري -رحمه الله- في مقدمة كتابه: (معرفة علوم الحديث): «أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتابٍ خفيفٍ يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث، إلخ»، فتبيَّن مِن ذلك: أن علم الحديث خير رادع لكل مبتدع في الدين.

     وقال ابن المبارك -رحمه الله-: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ»، وقال أيضًا: «بيننا وبين القوم القوائم» -يعني الإسناد-، وقال الثوري -رحمه الله-: «الإِسْنَادُ سِلاحُ الْمُؤْمِنِ»، وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: «ما أعلمُ الناسَ اليوم في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث مِن هذا الزمان. قيل له: ولِمَ؟ قال: ظهرت بدع؛ فمَن لم يكن عنده حديث وقع فيها».

أصحاب الوجوه النضرة

     أهل الحديث هم أصحاب الوجوه النضرة لدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

أهل الحديث الكبار

     ومِن أهل الحديث الكبار، بل مِن الأئمة الحفاظ: محمد بن إسماعيل البخاري صاحب (الصحيح)، وقد اتفق علماء الأمة أن (صحيحه)، هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله، وإذا كانت السنة هي المصدر الثاني للتشريع، فإن عمدة السنة النبوية الصحيحان: (البخاري ومسلم)؛ لذا تجد كثيرًا ما إذا أراد مبتدع أن ينالَ مِن السنة؛ وجَّه سهامه إلى (صحيح البخاري)؛ يشكك في صحة أحاديثه، أو يطعن في عدالة رجاله، ويدعي معارضة نصوصه لصريح القرآن؛ وذلك لسوء فهمه للحديث أو القرآن أو كليهما.

الأمر باتباع السنة

     فقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنته بعد ما بيَّن فيها الدين خير بيان، فاهتم الصحابة -رضي الله عنهم- بنقل سنته - صلى الله عليه وسلم - وحمْلِها أينما رحلوا، وبلَّغوها لفظًا وسمتًا، وتلقاها التابعون، واعتنوا بحفظها ونقلها، ثم زاد الاهتمام بتدوينها.

مدينة نيسابور

     وفي تلك المدينة البعيدة (نيسابور) وفي مجلس مبارك من مجالس رواية السُّنة، يقول إسحق بن راهوية (228هـ) لتلاميذه: «لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»؛ فقيض الله لهذه المَهَمة شابًّا عالي الهِمة، محبًّا للسنة، وهو: ابا عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم البخاري -رحمه الله-، فشمَّر عن ساعد الجِد، ورحل من بلاده في أقصى الشرق، فأتى العراق والحجاز والشام ومصر، ثماني عشرة سنة، سمع مِن القرين ثم رحل إلى شيخه ليعلو سندًا وشأنًا، يجمع ويفتش ثم ينتقي ويدوِّن، ليخرج أصح كتابٍ بعد كتاب الله -تعالى.

الجامع الصحيح

     وسمَّى البخاري كتابه: (الجامع الصحيح المسند من أمور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه)، ومِن يوم أن أبرز البخاري كتابه، تلقته الأمة بالقبول؛ فكم مِن شارح لأحاديثه، أو مترجم لرجاله، أو مستنبط لفقهه، أو دارس للغته، أو مستدرك عليه، أو متعقب له، أو مستخرج عليه، أو مختصرٍ له! وما زال إلى يوم الناس هذا مادة ثرية للدراسة.

مَن البخاري؟

     هو: أبو عبد الله (كنيته)، محمد بن إسماعيل (وأبوه لم يُعرف بالعلم؛ إلا أنه كان محبًّا لأهل العلم، كتب عنه البخاري في تاريخه أنه رأى حماد بن سلمة، وصافح عبد الله بن المبارك، وقال عنه: إنه لمَّا حضرته الوفاة قال لمَن حوله: لا أعلم في مالي دينارًا فيه شبهة حرام)، ابن إبراهيم جد البخاري المغيرة (جد أبيه، وهو أول مَن أسلم مِن أجداد البخاري) بردزبه، (جد جده، وكان مجوسيًّا ولم يسلم، وكلمة بردزبه كلمة تعني المزارع بلغة هذه البلاد)، الجعفي مولاهم (نسبة إلى أبو اليمان الجعفي والي بخارى الذي أسلم على يديه المغيرة فنسب إليه ولاءً)، والبخاري: (نسبة إلى مدينة بخارى بدولة أوزبكستان، تجاور نهر زرافشان).

مولده

     ولد البخاري -رحمه الله- يتيمًا عام (194هـ)، قال محمد بن أحمد بن الفضل البلخي: «سمعت أبي يقول: ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل -عليه السلام-، فقال لها: يا هذه، قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك -شك البلخي- فأصبحنا وقد ردَّ الله عليه بصره!».

وطلب البخاري العلم مبكرًا، وأظهر فيه نبوغًا كبيرًا.

طلبه للعلم

     بدأ البخاري طلبه للعلم مبكرًا وأظهر فيه نبوغًا كبيرًا، قال الفربري (رَاوِيَة البخاري): «سمعت البخاريَّ يقول: أُلهِمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثمَّ خرجت من الكُتَّاب فجعلت أختلف إلى الدَّاخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيم، فقلت: إنَّ أبا الزُّبير لم يروِ عن إبراهيم. فانتهرني، فقلت له: اّْرجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل فنظر فيه، ثمَّ رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير -وهو ابن عدي- عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت. فقال له إنسان: ابن كم كنت حين رددتَ عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة».

الرحلة في طلب الحديث

     ثم حُبب إليه الرحلة في طلب الحديث، فقام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ، فالأمصار الإسلاميَّة التي شدَّ رِحاله إليها ليَسمع مِن شيوخها كثيرة: حيث زار مكة، وبغداد، والبصرة، والكوفة، والشام، وعسقلان، وحمص، ودمشق، وغيرها، فسَمِع من عفان، وبمكة من المقرئ، وبالبصرة من أبي عاصم والأنصاري، وبالكوفة من عبيد الله بن موسى، وبالشام من أبي المغيرة والفريابي، وبعسقلان من آدمَ، وبحمص من أبي اليمان، وبدمشق من أبي مُسهر.

معاناته في الطلب

     وقد لاقى شدة في طلبه للعلم مِن: سفر، وجوع، وغير ذلك؛ قال محمد بن أبي حاتم الوراق: «كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر يجمعنا بيت واحد، إلا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة، فيُوري نارًا، ويُسرج، ثم يُخرج أحاديثَ، فيُعلِّم عليها».

     وكان وهو في سن الشباب مع أقرانه مهتمًا بغير ما يهتمون به من مرحٍ ولعبٍ، يصف لنا هانئ بن النضر ذلك، فيقول: «كنا عند محمد بن يوسف -يعني الفريابي- بالشام، وكنا نتنزَّه فِعْل الشباب في أكْل الفِرصاد -التوت- ونحوه، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يزاحمنا في شيء مما نحن فيه، ويكب على العلم».

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك