رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 27 أكتوبر، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1328

الإيمان البوصلة التي تهديك إلى الحق

        في زمن تتعدد فيه الأفكار، وتتزاحم الآراء، وتكثر المغريات، يبقى الإيمان بالله البوصلة التي تهديك إلى الحق، والميزان الذي تميز به بين الصواب والخطأ، والنافع والضار؛ قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} (الأنفال: 29)، فالإيمان الصادق ليس مجرد شعور يستقر في القلب، بل قوة توجه التفكير، وتضبط السلوك، وتعين على اتخاذ القرار الصحيح، وتمنحك الثبات أمام الشبهات والشهوات وضغوط الآخرين. وحين تستحضر مراقبة الله لك في السر والعلن، تصبح أكثر حرصًا على أقوالك وأفعالك واختياراتك؛ قال -تعالى-: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} (العلق: 14)، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى استحضار هذه المراقبة في قوله عن الإحسان: {أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك}، فتذكر أن قوة شخصيتك لا تقاس بقدرتك على مسايرة الآخرين، بل بثباتك على مبادئك، وأن الإيمان الحقيقي هو الذي يوجه قراراتك، ويحفظ قيمك، ويجعلك ثابتًا على الحق وإن كثرت المغريات وتغيرت المواقف.    

رسالة إلى الآباء والأمهات

       التربية الناجحة لا تعني أن تؤدوا كل شيء نيابة عن أبنائكم، أو تذللوا أمامهم كل الصعوبات، وإنما تعلمونهم كيف يواجهون تحديات الحياة، ويتحملون مسؤولياتهم، ويعتمدون على أنفسهم؛ ليكونوا أفرادًا صالحين قادرين على نفع أنفسهم ومجتمعهم.  

الأسرة الصالحة أساس المجتمع الصالح

         الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، والمحاضن التربوية التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، وتتأصل في نفسه القيم والمبادئ والأخلاق؛ فبصلاحها يصلح المجتمع، وباستقرارها تتعزز روابطه، وتترسخ فيه معاني التعاون والتكافل والمسؤولية، ومن هنا، فإن رسالة الأسرة المسلمة لا تقتصر على توفير الاحتياجات المادية للأبناء، بل تمتد إلى بناء إيمانهم، وتقويم سلوكهم، وتنمية وعيهم، وإعدادهم ليكونوا أفرادًا صالحين نافعين لأنفسهم وأمتهم ومجتمعهم. وقد عظّم الإسلام مسؤولية الأسرة في التربية والإصلاح، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالتربية أمانة عظيمة، ومسؤولية مشتركة بين الوالدين، والبيت المسلم هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معاني الإيمان والصدق والأمانة والرحمة والإحسان؛ فاحرصوا على أن تكون بيوتكم بيئة صالحة، يتربى فيها الأبناء على احترام الآخرين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، ومساعدة المحتاجين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع. ومن المهم كذلك أن تتجاوز التربية حدود الاهتمام بالنجاح الدراسي والتفوق الشخصي، إلى تنمية روح المبادرة والعطاء والمسؤولية المجتمعية؛ فشجعوا أبناءكم على المشاركة في الأعمال التطوعية، ومساعدة الآخرين، وتقديم المبادرات النافعة، وعلموهم أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحققه لنفسه فحسب، بل بما يقدمه من خير ونفع لمن حوله. قال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل معروف صدقة»، وتذكروا أن بناء المجتمع الصالح يبدأ من داخل البيوت؛ فكل أسرة تغرس الإيمان، وتربي على مكارم الأخلاق، وتعزز روح المسؤولية والإحسان، تسهم في إعداد جيل واعٍ برسالته، معتز بدينه، نافع لمجتمعه.  

لا تجعلوا الانشغال يُقطِّع أرحامكم

        في زحام الحياة وكثرة المسؤوليات، قد تتراجع صلة الأرحام أمام مشاغل العمل والأسرة، حتى تمر الأسابيع والشهور دون زيارة أو اتصال، وتتحول العلاقات العائلية شيئًا فشيئًا إلى روابط شكلية لا يجمع أصحابها إلا المناسبات، وقد عظّم الإسلام شأن صلة الرحم، وحذّر من قطيعتها؛ قال -تعالى-:  {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} (النساء: 1)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه»، فلا تجعلوا كثرة المشاغل عذرًا دائمًا للانقطاع، وخصصوا وقتًا لزيارة أقاربكم، والسؤال عن أحوالهم، ومواساتهم في شدائدهم، ومشاركتهم أفراحهم؛ فصلة الرحم لا تتطلب دائمًا وقتًا طويلًا أو نفقات كبيرة، بل قد تتحقق باتصال صادق، أو رسالة ودودة، أو مساعدة عند الحاجة، وتذكروا أن الأرحام لا يحفظها مجرد الانتساب، وإنما تحفظها المودة والتواصل والإحسان.  

اجعلوا من بيوتكم منطلقًا للخير

       ليست الأسرة المسلمة كيانًا منعزلًا عن المجتمع، بل هي جزء منه، تتأثر بأحواله وتسهم في صلاحه، ومن أعظم رسائلها أن تغرس في نفوس أبنائها حب الخير والإحسان إلى الآخرين، قال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: {كل معروف صدقة}، فاجعلوا للعطاء مكانًا في حياتكم الأسرية؛ شاركوا أبناءكم في مساعدة المحتاجين، وزيارة الأقارب، والإحسان إلى الجيران، ورعاية كبار السن، والمساهمة في المبادرات الخيرية والتطوعية، وعلموهم أن نفع الناس لا يتطلب دائمًا مالًا كثيرًا؛ فقد يكون بكلمة طيبة، أو مساعدة بسيطة، أو علم نافع، أو وقت يبذل في خدمة الآخرين.

صلة الرحم لا تعني انتظار المقابل

الإسلام جعل صلة الرحم عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، لا مجرد معاملة اجتماعية مشروطة بالمقابلة بالمثل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»، فلا تجعل تقصير الآخرين سببًا لتقصيرك، ولا تنتظر المبادرة دائمًا ممن حولك؛ بل كن سباقًا إلى السؤال والزيارة والإحسان، واحتسب أجرك عند الله، وتذكر أن صلة الرحم الحقيقية تظهر عند الجفاء قبل الصفاء، وعند التقصير قبل الإحسان؛ فليس الفضل أن تصل من وصلك فحسب، وإنما أن تحافظ على رحمك ابتغاء مرضاة الله.  

اختلِفا دون أن تخسرا المودة

        ليس الاختلاف بين الزوجين دليلًا على فشل الحياة الزوجية؛ فاختلاف الطباع والآراء أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الخلاف إلى خصومة، والحوار إلى تجريح، والرغبة في التفاهم إلى إصرار على الانتصار للنفس. وقد أرشد الإسلام إلى حسن العشرة والإصلاح، فقال -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19)، فإذا اختلفتما، فاحفظا اللسان من الإهانة، وتجنبا استحضار الأخطاء القديمة، وأحسنا الاستماع، ولا تجعلا الغضب يقود الحوار، وليكن هدفكما الوصول إلى حل عادل، لا إثبات خطأ الطرف الآخر.  

مخالفات مالية تقع داخل الأسرة

الإسراف في المظاهر والمناسبات واستنزاف موارد الأسرة وإثقال كاهلها بالنفقات؛ إرضاءً لنظرة المجتمع ومجاراةً للآخرين. التوسع في الديون والكماليات وإرهاق الأسرة بالتزامات مالية غير ضرورية، وتقديم الرغبات الاستهلاكية على الحاجات الأساسية. التعدي على حقوق الورثة والاستئثار بالتركة أو تعطيل قسمتها بغير حق، وحرمان بعض المستحقين، ولا سيما النساء، من أنصبتهم الشرعية.  

لا تورثوا أبناءكم خصومات العائلة

        قد يبدأ خلاف بين أخوين، أو نزاع على مال أو ميراث، ثم يمتد أثره إلى الأبناء والأحفاد، فينشؤون على القطيعة، ويحملون مشاعر العداوة تجاه أقارب لم يكن لهم دور في أصل الخلاف، وهنا تتحول الخصومة من مشكلة بين أفراد إلى قطيعة عائلية تتوارثها الأجيال، وتضيع معها معاني المودة والرحمة وصلة الرحم، وقد حث الإسلام على الإصلاح بين الناس، فقال -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال: 1)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال»، في الهجر المحرم لأسباب دنيوية، فلا تجعلوا أبناءكم أطرافًا في خلافات الكبار، ولا تغرسوا في نفوسهم الكراهية تجاه أعمامهم وأخوالهم وأبناء عمومتهم، ولا تحرموهم من الروابط العائلية بسبب خصومات يمكن معالجتها بالحكمة والعدل، وإذا تعذر الصلح الكامل، فاحرصوا على منع انتقال العداوة إلى الأبناء، مع حفظ الحقوق وتجنب الأذى، وتذكروا أن الخلاف قد ينتهي بانتهاء أسبابه، لكن آثاره قد تبقى أجيالًا إذا أورثنا أبناءنا الخصومات بدلًا من المودة؛ فلا تجعلوا ميراثهم منكم قطيعة الأرحام، بل علموهم أن صلة الرحم أعظم من الخلافات العابرة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك